السبت 25 مايو 2024
منبر أنفاس

عبد المجيد طعام : التطهير العرقي في فلسطين(7)

 
 
عبد المجيد طعام : التطهير العرقي في فلسطين(7) عبد المجيد طعام
في عام 1947، كان ديفيد بن غوريون يرأس بمفرده هيكلًا سياسيًا يتخذ قرارات خطيرة  ، يسمح له بتحديد معظم محاور سياسة الجالية اليهودية تجاه العالم والدول العربية المجاورة والفلسطينيين ، كان هو الذي أقنع القادة الصهيونيين بقبول قرار تقسيم الأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947 وتجاهله في الوقت نفسه ،لقد ساعد الرفض القاطع للخطة من قبل الحكومات العربية والقيادة الفلسطينية بن غوريون على التفكير في إمكانية قبول المشروع والعمل ضده في نفس الوقت. بدءًا من أكتوبر 1947، قبل اعتماد القرار، كان واضحًا لأصدقائه في القيادة: إذا لم تكن خريطة خطة التقسيم مرضية، فلن يكون من الضروري قبولها.
من الواضح  أن موقف  الفلسطينيين من قرار التقسيم،  لن يغير شيئًا في تقييم بن غوريون لضعف هذه الخطة، بالنسبة له ولأصدقائه المتواجدين في قمة التسلسل الهرمي الصهيوني، كانت الدولة اليهودية القوية تعني لهم دولة تشمل جزءًا كبيرًا من فلسطين وعددًا قليلًا جدًا من الفلسطينيين، أو ربما لا يوجدون على الإطلاق، كما  لم يثر قرار الأمم المتحدة بتحويل القدس إلى مدينة دولية قلقًا لدى بن غوريون على الإطلاق ، كان مصممًا على أن يجعل المدينة بأكملها عاصمة للدولة الصهيونية . 
على الرغم من عدم رضاه عن خريطة الأمم المتحدة، فإن بن غوريون فهم أن أمر تحديد الحدود النهائية للدولة الصهيونية سيظل مفتوحا ، ما دام أن الحركة استطاعت أن تنتزع اعترافا دوليا بحق اليهود في خلق دولة خاصة بهم في فلسطين ، وقد عبر الصهيونيون عن فرحهم بالاعتراف الدولي بدولتهم ،لكنهم في نفس الوقت عبروا عن قلقهم من الأمم المتحدة لأنها طرحت شروطا غير صهيونية للحفاظ على دولتهم.
إن الرفض المتوقع من قبل العرب والفلسطينيين ، سمح لبن غوريون وللقيادة الصهيونية بالتأكيد على أن مشروع الأمم المتحدة  فقد صلاحيته منذ يوم اعتماده ، باستثناء، قرار الاعتراف بشرعية الدولة اليهودية في فلسطين،  وبناءً على رفض الفلسطينيين والعرب، ستكون حدود هذه الدولة، بالنسبة لبن غوريون، "محددة بالقوة وليس بقرار أممي ". وكذلك كان مصير سكانها العرب.
كلما كان الجمهور الذي  يخاطبه بن غوريون غير مهم،  كان خطابه أكثر تأييدًا لقرار التقسيم، وكلما كان الحضور ذا أهمية، كان خطابه أكثر رفضًا بل عنيفا فيه الكثير من الازدراء  ،بالفعل قبل التصويت على القرار 181 واعتبارًا من 7 أكتوبر 1947 أعلن بن غوريون لدائرته الضيقة: " نظرًا لرفض العرب التعاون مع الأمم المتحدة لا توجد حدود ترابية للدولة اليهودية المستقبلية".
في أكتوبر ونوفمبر 1947، أصبح المجلس الاستشاري الإطار الأكثر أهمية بالنسبة لبن غوريون، كان يناقش مع أعضائه بشكل مفتوح النتائج المحتملة لقراره بعدم احترام خريطة التقسيم واستخدام القوة لضمان وجود غالبية يهودية في البلاد وسلطة حصرية لليهود ، في  مثل هذه القضايا الحساسة، لم يكن يثق سوى في هذه الجماعة المختارة من السياسيين والعسكريين، التي كانت تكون المجلس الاستشاري . لم يكن هذا المجلس هيئة رسمية، ولا يوجد لدينا تقارير عن معظم اجتماعاته ، لكن بن غوريون قام بتسجيل ملخص للعديد من الاجتماعات في يومياته الشخصية، التي تعتبر مصدرًا تاريخيًا مهمًا لتلك السنوات، بالإضافة إلى ذلك، تم استجواب بعض أعضاء المجلس الاستشاري في وقت لاحق، وكتب البعض الآخر سيرتهم الذاتية أو مذكراتهم.  كان المجلس الاستشاري يجمع بين كبار المسؤولين الأمنيين وخبراء في الشؤون العربية، يمكن أن نعتبره النواة المؤسسة  لمعظم الهيئات المسؤولة في الحركة الصهيونية ، على مر السنين، سيتكلف بتقديم المشورة للحكومات الصهيونية المستقبلية بشأن مشكلات أمن الدولة والتوجيهات الاستراتيجية وصياغة السياسات تجاه العالم العربي بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص . 
 بدأ المجلس في عقد اجتماعاته  بانتظام تحت رئاسة بن غوريون في فبراير 1947، بعد أن قرر البريطانيون مغادرة فلسطين، ثم بوتيرة أكثر دعمًا لقرارات بن غوريون ابتداءً من أكتوبر 1947، عندما تسربت معلومات تشير إلى أن الفلسطينيين سيعارضون خطة تقسيم الأمم المتحدة.  بمجرد ما توضحت مواقف الفلسطينيين والعرب، فهم أعضاء المجلس الاستشاري أن عليهم أن يتحكموا في القرار الأممي ويوجهوه طبقا لمصالهم للسيطرة على الأراضي التي خصصها التقسيم للفلسطينيين ، ووضع خطة نهائية لتهجير مليون فلسطيني. أول اجتماع موثق للمجلس الاستشاري كان في 18 يونيو 1947، خلال اجتماع القيادة العليا المنتظم يوم الأربعاء بعد الظهر، سجل بن غوريون هذا الاجتماع في يومياته وفي مذكراته المنشورة، قال للمشاركين:" إن المجتمع اليهودي سيضطر إلى الدفاع ليس فقط عن مستوطناتنا، ولكن عن البلاد بأكملها ومستقبلنا الوطني". وفي خطاب ألقاه في 3 دجنبر 1947، كرر هذا التعبير، "مستقبلنا الوطني"، واستخدمه كاسم رمزي ليشير إلى التوازن الديموغرافي في البلاد. لكن مادا وقع بين فبراير 1947 ومايو 1948؟  في فبراير 1947، قررت الحكومة البريطانية الانسحاب من فلسطين وإحالة قضية مستقبلها على الأمم المتحدة.
استغرقت الأمم المتحدة تسعة أشهر للتداول في المسألة الفلسطينية، ثم اعتمدت فكرة تقسيم البلاد ،هذا الحل تم قبوله من قبل القادة الصهيونيين، الذين كانوا يدعمون الفصل، ولكنه رفض من قبل العالم العربي والقيادة الفلسطينية، التي اقترحت الحفاظ على فلسطين كدولة واحدة ، وكانت تهدف إلى التوصل إلى حل عبر عملية تفاوض أطول بكثير.
 تم التصويت على قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947، وبدأ التطهير العرقي في فلسطين في بداية ديسمبر بسلسلة من الهجمات اليهودية ضد القرى والأحياء الفلسطينية، ردًا على نهب الحافلات والمحلات التجارية خلال المظاهرات الفلسطينية ضد قرار الأمم المتحدة في الأيام القليلة التالية لاعتماده، على الرغم من أن هذه الهجمات الصهيونية كانت متقطعة، إلا أنها كانت قاسية بما يكفي لتتسبب في هجرة كبيرة (تقريبًا 75,000 شخص).
 في 9 يناير 1948، دخلت وحدات الجيش العربي الأول المتطوع  فلسطين وشنت معارك صغيرة ضد القوات اليهودية للسيطرة على الطرق والمستوطنات المعزولة.،  بعد فوزها بسهولة في هذه المواجهات، أعادت القيادة الصهيونية توجيه تكتيكاتها، تحولت من العمليات الانتقامية إلى عمليات التطهير، والطرد القسري.  منتصف فبراير 1948: نجحت القوات اليهودية في إخلاء خمس قرى فلسطينية في يوم واحد فقط ، وفي 10 مارس 1948، تم اعتماد خطة داليث وقد سبق الحديث عنها في حلقة سابقة . في هذه الخطة كانت المدن الفلسطينية من الأهداف الأولى: في نهاية إبريل 1948، تمت السيطرة عليها جميعًا . خلال هذه المرحلة تم  تشريد نحو 250،000 فلسطيني ، كما اقترفت الحركة الصهيونية  عدة مجازر، أبرزها مجزرة دير ياسين ، على ضوء هذه الأحداث المؤلمة اجتمع أعضاء جامعة الدول العربية ،وقرروا  التدخل عسكريًا، لكن بعد انتهاء الانتداب البريطاني. 
في 15 مايو 1948 تنصل البريطانيون من مسؤولياتهم ، تركوا فلسطين والفلسطينيين تحت رحمة العصابات الصهيونية ،أعلنت الوكالة اليهودية مباشرة بعد خروج البريطانيين  إنشاء دولة يهودية في فلسطين، تم الاعتراف بها رسميًا من قبل القوتين العظميين في ذلك الوقت، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. في نفس اليوم، دخلت القوات العربية النظامية فلسطين. 
مع تصاعد العنف وممارسة التطهير العرقي ضد الفلسطينيين ، استنتجت الإدارة الأمريكية أن قرار التقسيم الأممي ، لن يحقق السلام سيزيد  من استمرار سفك الدماء، لذا اقترحت خطة أخرى لوقف تصاعد الصراع تشمل الخطة  فرض وصاية على فلسطين لمدة خمس سنوات وهدنة لثلاثة أشهر. على الفور رفضت القيادة الصهيونية الاقتراحي الأمريكي ، طوال هذه الفترة، كانت الاستراتيجية الرسمية للصهيونية تسعى إلى الاستفادة من عاملين ، الأول يتعلق بما تعيشه القيادة الفلسطينية من تشتت، تفكك تام، لأنظمها السياسية والعسكرية ؛ وتصاعد الارتباك والتخبط في العالم العربي أمام العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني والدعم الدولي المقدم في الوقت نفسه للمشروع الصهيوني والدولة اليهودية المستقبلية. كل ما حدث حفز الفكر الاستراتيجي لقادة الصهيونية ، ورغبتهم في استغلال الفرصة التاريخية الفريدة التي أتيحت لهم لتحقيق حلمهم في دولة يهودية حصرية ، قبل مارس 1948، كان يمكن أن ننظر إلى  العمليات الإرهابية التي قامت بها القيادة الصهيونية كإجراءات انتقامية ، لكن بعد مارس 1948 ، لم يعد الأمر كذلك: فقد أعلنت القيادة الصهيونية بوضوح، قبل شهرين من نهاية الانتداب، أنها ستسعى إلى السيطرة على البلاد وطرد السكان الأصليين بالقوة: هذه هي خطة داليث التي تعلن عن بداية التطهير العقري الممنهج وهذا ما سنتطرق له في حلقتنا القادمة .
                                                                       يتبع .
عن كتاب : Le nettoyage ethnique de la Palestine Ilan Pappé