الاثنين 22 إبريل 2024
مجتمع

رشيد لبكر: من الإنصاف النظر لأعوان السلطة بموضوعية بعيدا عن الإنطباعات المجحفة..

رشيد لبكر: من الإنصاف النظر لأعوان السلطة بموضوعية بعيدا عن الإنطباعات المجحفة.. رشيد لبكر، أستاذ القانون العام بكلية الحقوق جامعة شعيب الدكالي بالجديدة
دار الحديث مؤخرا عن رغبة مجموعة من أعوان السلطة ممثلين في بعض الشيوخ والمقدمية على تشكيل تنسيقية لهم، للدفاع عن مشروعية وجودهم، وبالتالي المطالبة بتمكينهم من إطار قانوني خاص يعرفهم بشخصيتهم الإدارية كموظفين عموميين مع ما يستتبع ذلك من حق الاستفادة من كل التعويضات والترقيات التي تتناسب والمهام التي يقومون بها، كانت ل"أنفاس بريس" وقفة مع الدكتور رشيد لبكر، أستاذ القانون العام بكلية الحقوق جامعة شعيب الدكالي بالجديدة، لأخذ وجهة نظره في الموضوع، فأثمر اللقاء عن الحوار التالي: 
 
كيف كان ظهور المقدمية والشيوخ في البداية؟ ما دواعي وجودهم؟
ظهورهم عريق في الممارسة الإدارية من قبل السلط الحاكمة، ليس في المغرب ولكن في كل الأقطار العربية، وقد كان من أسمائهم مثلا "البصاصون" في إشارة إلى الأدوار التي كانوا يقومون بها في المراقبة و الإبلاغ عن تحركات المناوئين للسلطة و المتمردين عليها، والرافضين لدفع الضرائب أو الخضوع للقانون و وجودهم كما كان قائما حتى قبل الحماية، وكانوا ينعتون برجال المخزن فهم يده الطويلة لضبط الساكنة والمجال، لكن اثناء الحماية تحول البعض منهم من الولاء للسلطة الشرعية إلى الولاء لسلطات الحماية؛ أول "القياد" الذين اختارتهم ليكونوا الآداة التي تبطش بها، هنا كان ولاء الشيوخ والمقدمية لهؤلاء القياد كاملا ، بل استمدوا قوتهم  من هؤلاء بكل ما تحمله الكلمة من استبداد واستغلال، و كل من سولت له نفسه التمرد  أوعدم الإنصياع لأوامر القياد، يعرض نفسه للعقاب، لذا يمكن القول إن خوفهم من القياد، أولياء نعمتهم، هو الذي كان يدفعهم إلى المبالغة احيانا في العنف استرضاء لهم وتقربا منهم، وطبيعي ان العطاء يكون اكبر كلما كان الولاء أكبر كذلك. عندما استقل المغرب، لم تجد الدولة المغربية الحديثة بديلا عنهم، نظرا للأداور التي يقومون بها في ظل غياب قنوات التواصل آنذاك بين ممثلي الدولة والساكنة للإبلاغ عن أي نشاط اوتبليغ التعليمات أو تصريف شؤون الحكم والإدارة، فقد كان الشيوخ والمقدمين التابعين لهم، هم المكلفون بتصريف كل الشؤون  وبتوصيل توجهات الدولة التي اعتمدت عليهم في كل شيء تقريبا، في ظل الرواتب الهزيلة التي كانوا يتقاضونها، مقابل ما يسدونه للمواطن من خدمات إدارية وضرورية بل وحيوية أيضا، فضلا عن دور التكتم او التستر عن بعض التجاوزات المخالفة للقانون، ولاسيما في قطاعي البناء والتعمير، لا نخفي أن المجتمع رسم صورة النمطية  لهذه الفئة لعدة أسباب معروفة ، رغم  الدور الذي كانت تلعبه في حل العديد من الإشكالات، ومنها مثلا القبض على عتاة المجرمين وفضح الممارسات الخارجة عن القانون بشتى مظاهرها، ومد يد العون للمواطنين لقضاء مآربهم، فلا ننسى أن المقدم او الشيخ كثيرا ما يلعب دور دور المطفئي والمسعف ورجل الأمن والدركي ومراقب التعمير والأسعار ومنظم المرور ومحرر الملك العام ورجل الإعلام وغيره ...اذن فمن الإنصاف النظر لهذه الشريحة بموضوعية وبعيدا عن مثل هذه الانطباعات المجحفة. ثم لا يجب أن ننسى في الأخير كون الممارسات الإستبدادية التي كان يمارسها المقدم والشيخ، قد ارتبطت بظرف خاص مرت منه بلادنا، حيث كانت غالبية المنتمين لهذه الشريحة يختارون من ذوي المستويات التعليمية المتدنية والوعي الحقوقي المنعدم، ومن أصحاب الولاء الأعمى للسلطة، لكن اليوم، نحن مع جيل جديد من الشيوخ والمقدمين، الكثير منهم حائزون على  شواهد تعليمية محترمة ومتشبعين بقيم الوطنية، لذا فقد تغير أسلوب تدخلهم كثيرا، بل رأيناهم في الواجهة، يخاطرون بحياتهم في زلزال الحوز مثلا أو خلال اطوار إنقاذ الطفل ريان أو إبان كورونا، حيث قاموا بأدوار طلائعية جدا بل وحاسمة في إنجاح عملية احتواء المرض، واليوم نجدهم هم المعتمد عليهم لإنجاح مشروع تعميم التغطية الصحية والدعم الأسري المباشر وتسجيل المرشحين للخدمة العسكرية، ولولاهم لتوقف كل شيء.
 
ما هو المفهوم القانوني لعون سلطة؟ 
إداريا، هو يصنف في خانة رجال السلطة، ولكن على مستوى القانوني، فإن أعوان السلطة ،يعني الشيوخ والمقدمية وإن كانوا يحملون هذه الصفة، فإنهم عمليا، ومن الناحية القانونية غير مصنفين كذلك، حيث لا نجدهم مسجلين في قائمة موظفي الدولة ولا يتمتعون بنفس ما يتمتع به باقي الموظفين من نظم للترقية والتقاعد وغير ذلك، هم اذن موظفين مع وقف التنفيذ، رغم أن كل المهام الترابية تقع على عاتقهم، فحتى وإن كانوا تابعين مبدئيا لوزارة الداخلية، فإنهم يسدون خدمات لكل الوزارات الأخرى، مثل الصحة والسكنى والأوقاف والبيئة فضلا عن مهام البريد في العالم القروي وغيره. 
 
ما هي مهمة أعوان السلطة القانونية وما حدودها بمختلف تصنيفاتهم من مقدمين وشيوخ؟
المقدم هو منسق عمل العديد من المقدمين في دائرة ترابية معينة، وهم جميعهم، يعملون تحت إمرة ورآسة قائد دائرة حصرية بالمجالات الحضرية  او قيادة بالمجالات القروية. ومنه يتلقون التعليمات المباشرة للتدخل، يمكن وصف مهامهم بأنها بحر لا ساحل له، فقد يكلفون بالبحث عن معلومات تخص شخصا معينا لا سيما إذا كان مرشحا لتولي مسؤوليات عمومية معينة، أو كان من الأشخاص الذين تحوم حولهم الشبهات، وهم أيضا مكلفوم بمراقبة الأسواق وتحرير الملك العمومي ومراقبة البناء العشوائي والإبلاغ عن المجرمين وعن كل الحالات المخالفة للقانون...ومن المهم الإشارة كذلك، أنهم يشتغلون في ظروف تنعدم فيها الحماية، فقد يكلفون بالوقوف على هدم مسكن عشوائي بدون حماية فيتعرضون لمخاطر حقيقيةكحالة المقدم الذي توفي ذات سنة بأحد الأحياء العشوائية في ضواحي الدار البيضاء جراء اعتداء عليه من طرف ساكنة صدر الأمر بهدم منزلهم، ثم وجدناهم إبان كورونا او عند الزلزال في الواجهة الأولى يشتغلون في جميع الجبهات، مع التأكيد على قلة الوسائل الموضوعة رهن إشارتهم وهزالة التعويضات وعدم كفايتها لمراقبة مجال ترابي قد يتعدى الكيلومترات، فهم المسؤولون الأولون عما يحدث به ويقع فيه بالليل كما بالنهار.
 
ما حاجة السلطة في المغرب إلى أعوان؟
ببساطة لو لم تكن السلطة في حاجة إليهم لاستغنت عن خدماتهم منذ سنوات، لكن هذا هو ما لم يحدث، ورغم الأصوات التي تعالت  مطالبة الدولة بإلغاء هذه الوظائف، فإن الدولة تمسكت بها، بل أقدمت على تحسين وضعها الإجتماعي عن طريق الزيادة في بعض التعويضات، فما الذي كان يجبر الدولة على تحمل هذه الاعباء والانتقادات إذا لم تكن واعية بحجم وأهمية مهام الشيوخ والمقدمين؟!، مع الإشارة إلى أن السيد وزير الداخلية سبق له أن وعد في البرلمان بتحسين وضعية الشيوخ والمقدمية وتمكينهم من إطار إداري قار وعادل، وأعتقد شخصيا ان هذا هو عين الصواب ما دامت الدولة غير مستعدة للإستغناء عن خدمات هذه الشريحة، بل علاوة على العناية المادية، فالأمر يحتم  دعم مهامها  بالتكوين والتأطير والتوعية الحقوقية.
 
هل يمكنكم الحديث عن البعد الإستخباراتي لهذه الوظيفة؟
لقد سبق أن قلت إن هذه  الشريحة مطلوب منها الاستعداد الدائم لتنفيذ كل التعليمات التي تصدر إليها، بما في ذلك العمل الاسخباراتي كل ما كان هناك خطر يهدد المجتمع، فمن مهامها جمع المعلومات اللازمة في تنسيق مع رجال الامن، لحماية البلد ضد أي تهديد، ربما هذه النقطة هي التي تثير حساسية المعارضين لبقاء هذه الشريحة في مسرح الوجود، بحيث كانت تعتبرها عين السلطة لإلقاء القبض على المعارضين والمنتقدين للدولة، لكن اعتقد ان هناك العديد من الأشياء  تغيرت اليوم، ففي ظل تنامي الأخطار المحذقة وتطور الإجرام، بات الأمن العام في امس الحاجة لكل من يساعد على توطيده  وحمايته بمن فيهم هذه الفئة من خدام الدولة.
 
إذا كان دور الأعوان هو الوساطة بين السلطة والمواطنين كيف تحول إلى دور مراقب واستخبارات؟
كل الدول لها أجهزة استخباراتية ونظم مراقبة، هذا من مقومات الدول، ولا ننسى أنه وبفضل يقظة الآلة الإستخباراتية، اكتشفت العديد من خلايا الإجرام ..وبالتالي فعلى عاتق المقدم أو الشيخ أن يقوم بالوظيفتين معا، الوساطة بين السلطة والمواطن، وثانيا الإخبار عن كل التحركات المريبة الحاملة للشر، وعليه أرى أنه من الأنسب الإعتناء بها، من ناحية التكوين والتكوين المستمر أولا، ثم الرفع من تعويضاتها وتمكينها من شروط وظروف مناسبة للعمل.