الأحد 26 يونيو 2022
خارج الحدود

كشفتها أحداث تونس وتواصله مع إسرائيل..لماذا فشل أردوغان في كل الاختبارات؟

كشفتها أحداث تونس وتواصله مع إسرائيل..لماذا فشل أردوغان في كل الاختبارات؟ قيس سعيد (يمينا) وأردوغان والجنيرال شنقريحة (يسارا)
تونس التي كانت مهد "الخريف العربي" وتغنى بها الطوابرية في الساحات سنة 2011 تعيش أسوأ أحوالها، ولم يعد نظامها يشتغل بشكل طبيعي، ومؤسساتها صارت تواجه بعضها البعض، واقتصادها منهك، وأوضاع شعبها من سيء إلى أسوأ.
لا يمكن إنكار أن أهم أسباب ما تعيشه تونس اليوم هو مخرجات ما سمي حينها ربيعا. لقد أفرزت توافقات الترويكا بعد 2011 نظاما سياسيا هجينا لا يفضي إلى بناء دولة ديمقراطية قوية متماسكة تتعايش فيها السلط رغم الاختلافات بين من يشغل مسؤوليتها. وصل الصراع اليوم ذروته بعد إقدام الرئيس على حل البرلمان المجمد منذ مدة. لا يهمني الخوض في دستورية هذا القرار أو عدم دستوريته فهذا شأن يهم التونسيين وهم أدرى به من غيرهم، ولكن همي أن يفهم المغاربة المآلات التي وصلت إليها وصفات الربيع العربي التي نهلت من الكاطالوغ catalogue الذي وضع حينها ليفهموا عبقرية ملك المغرب وحسه الاستباقي في خطاب 9 مارس الذي أفشل مخطط الطوابرية وأسيادهم خارج المغرب.
أصبح مصطلح الانقلاب والتخوين لغة سائدة في المشهد التونسي. الرئيس قيس سعيد يصف الجلسة البرلمانية الافتراضية بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي لا شرعية لها على الإطلاق وينعتها بالتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي ويتوعد بملاحقة من حضرها قضائيا. ومن جهة أخرى، يرى 120 نائبا برلمانيا تحدوا التدابير الاستثنائية للرئيس وحضروا اللقاء الافتراضي من أصل 217 هم كل أعضاء هذا البرلمان اجتماعهم قانونيا، ولذلك اتخذوا خلاله قرارا بإلغاء التدابير الاستثنائية للرئيس منذ 25 يوليو وبأغلبية 116 نائبا من الحاضرين. ولم يستحضر الطرفان معا مآلات هذه التصرفات والتصرفات المضادة على تونس وشعبها والمنطقة كلها.
إنها حالة انقسام حادة تعيشها تونس تزيد من إضعاف الدولة وخاصة في ظل غياب محكمة دستورية تفصل في هذا النوع من النزاعات بما يحترم الدستور رغم نقائصه طالما لم يتم تعديله بعد. وحالة الانقسام هذه لا تزيد تونس إلا تعرضا للضغط الخارجي وتدفع الكل للتدخل في شؤونها ولو بدون سبب كما كان الشأن مع أردوغان الذي اقتنص كعادته المناسبة ليتدخل في شؤون داخلية لدولة ذات سيادة فانتقد قرار الرئيس بحل البرلمان ووصفه بأنه "تشويه للديمقراطية" و"ضربة لإرادة الشعب التونسي" وبأن "حل البرلمان الذي يوجد به مسؤولون منتخبون مدعاة للقلق على مستقبل تونس وضربة لإرادة شعبها"، وكعادته دائما توجه بدعوة الرئيس للسماح للبرلمان باستئناف أعماله. هل هذا ما يريد الطوابرية للمغرب؟ هل يريدون أن يصبح شأن المغرب مشاعا لكل من هب ودب ليتدخل فيه ويحشر أنفه في تفاصيله؟ لماذا يصمت الطوابرية عن هذا التدخل في شؤون تونس؟
وحسنا فعلت تونس بعد استدعائها لسفير أنقرة لديها احتجاجا على تصريحات أردوغان وإصدار خارجيتها لبيان استنكاري لتلك التصريحات باعتبارها "تدخلا غير مقبول في شأنها الداخلي". لا ينطلق أردوغان من فراغ ولا يلقي بتصريحاته بشكل مجاني ولكنه يخدم أجندته ومصالح دولته وحلمه الشخصي الذي سيكون سبب انتكاسته. أردوغان يقوي حلفاءه "الإخوان" ويريد إعادة تكرار سيناريو دعم إخوان مصر في تونس، وينسى المسكين مآل سياساته التي انتهت بمصالحة مذلة له أمام مصر ومخزية لإخوان مصر وبيادقهم الذين هجرهم أردوغان خارج تركيا في ظل صمت مطبق من الطوابرية والسمايرية.
من يحب تونس يجب أن يتركها تصنع نموذجها بشكل مستقل وتوافقي وشعبي بعيدا عن منطق ردود الأفعال المتشنجة لأن الدول تصنع بالأفعال. وقطعا فإن تونس في حاجة إلى لحظة هدوء وتغليب لمصلحة التوانسة والاستفادة من هذه التجربة الفاشلة لبناء نظام سياسي قوي متماسك منفتح على كل الفرقاء. ولن يتم هذا الأمر باستشارات إلكترونية لم يتفاعل معها إلا أقل من نصف مليون تونسي ولم تزد نتائجها إلا تأكيد حالة الانقسام وسط التوانسة.
وبمناسبة الحديث عن أردوغان لا يمكن المرور بدون إشارة إلى الاتصال الهاتفي الذي أجراه مع نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ والذي وصف فيه العمليات التي يقوم بها الفلسطينيون في إسرائيل ب"المقيتة" متمنيا الشفاء العاجل للجرحى. وجه الاستغراب ليس في هذا التوصيف في حد ذاته ولكن في الازدواجية التي تطبع الموقف التركي والطابع العدائي الذي تسلكه تركيا تجاه دول أخرى طبعت علاقاتها مع إسرائيل بدرجة أقل مما تقوم به تركيا.
صمت كالعادة الأردوغانيون في المغرب وتجاهلوا هذه التصريحات، ولم ينتبهوا إلى التجاهل، كالعادة، للخبر من طرف الإعلام التركي بالعربية. يتناسى الأردوغانيون أنهم يتحملون مسؤولية أمام الله والتاريخ والمغاربة بتسترهم ومشاركتهم في النفخ المبالغ فيه لزعيم رسب في كل الاختبارات الحقيقية واتضح أنه يتاجر فقط بالقضية الفلسطينية ويساوم باحتضان فصائل من المقاومة الفلسطينية ويستقوي بها ليحسن موقعه التفاوضي فقط مع القوى العظمى. تركيا الأردوغانية اليوم تائهة تبحث لها عن موقع ضمن الكبار في ظل هذه التحولات الكبيرة وهذا حقها، ولكن كان الكل سيحترمها لو بحثت عنه بأعمالها وإنجازاتها وليس بجهد غيرها وعلى حساب جيرانها. وأردوغان اليوم يخبط خبط عشواء وصار المتحكم في كل تحركاته هواجس الرئاسيات القادمة التي يرى فشله المتوقع في الظفر بها وفق كل المؤشرات التي يعلم حقيقتها أكثر من غيره.
وصمت كالعادة نظام تبون وشنقريحة ولعمامرة مفضلين سياسة "عين ما شافت قلب ما وجع". لماذا تجاهل نظام العسكر هذه التصريحات؟ ولماذا أقاموا الدنيا ولم يقعدوها ضد المغرب بعد استئنافه لعلاقاته الطبيعية والعادية مع إسرائيل رغم وضوح إطار هذه العلاقة وعدم إضرارها بالفلسطينيين وحرص المغرب على حق الشعب الفلسطيني في بناء دولته وعاصمتها القدس الشريف؟ هذا الصمت والازدواجية يؤكدان أن هم هذا النظام ليس القضية الفلسطينية ولكن هو كذلك يتاجر بها فقط ويستغلها كما غيرها من القضايا للنيل من المغرب، ولكن دائما ينقلب السحر على الساحر.
 
عن موقع "شوف تيفي"