الخميس 20 يناير 2022
كتاب الرأي

يونس التايب: لا ضرورة تبرر تحديد 30 سنة كسقف لاجتياز مباريات التدريس

يونس التايب: لا ضرورة تبرر تحديد 30 سنة كسقف لاجتياز مباريات التدريس يونس التايب

اعتبارا لإرث المشاكل الاجتماعية وحجم الانتظارات المجتمعية المشروعة، لا أرى أي معنى في عدم الحرص على تعزيز رصيد الثقة لدى الرأي العام، الذي جسدته المشاركة المكثفة في التصويت خلال الانتخابات الأخيرة لفائدة المكونات الحزبية التي شكلت الحكومة الحالية. أقول هذا، وقد أصبح يغلب لدي شعور أننا نتحرك دون استحضار ما يفرضه الظرف الدقيق الذي تمر منه بلادنا، بتحدياته الاجتماعية والاقتصادية الصعبة، وبالتهديدات العدائية لمصالح وطننا من طرف قوى خارجية، من ضرورة جعل كل القرارات العمومية مناسبة لتقوية الجبهة الداخلية وتعزيز الشعور بالانتماء ووحدة المصير الوطني، عبر تقوية التضامن الفعلي بين الفئات الاجتماعية، وحفظ المكتسبات المشروعة من خلال سياسات وبرامج تحمل الطمأنينة لأنفس الناس، وتفتح آفاق الأمل والتفاؤل في وجه أكبر عدد من الأسر المغربية، خاصة تلك التي تعيش أوضاعا هشة.

 

في هذا السياق، تعتبر المسألة المتعلقة ببطالة الشباب حملة الشواهد، أول الملفات التي تشغل بال المواطنين. لذا، المفروض في كل قرار حكومي يمس هذا الملف، أن يستحضر حجم الضغط الاجتماعي والنفسي الذي تشكله البطالة على الأسر التي لديها أبناء ينتظرون أول فرصة تتاح للخروج من دائرة التهميش، خصوصا مع أزمة الجائحة الوبائية التي قلصت فرص التشغيل المتاحة. كما ينبغي أن يأخذ كل قرار بعين الاعتبار، واقع البطالة الهيكلية بسبب نسبة نمو لا تخلق فرص شغل كافية، وبسبب عجزنا عن الخروج من دائرة سلبية فارغة cercle vicieux تتمثل في نظام تعليمي يخرج، كل سنة، آلاف من الشباب بشواهد عالية وبكفاءات علمية بعيدة عن ما يحتاجه سوق الشغل. لذلك، تظل إمكانيات التوظيف في القطاع العام، إحدى أبواب الأمل الكبرى للشباب، التي يجب أن ندعها تلعب دورها في إبقاء الأمل ومنح فرص جديدة كل سنة، ولو أنني من المقتنعين بأن الوظيفة العمومية لا يمكنها أن تحل مشاكل البطالة، إلا في حدود نسبة متحكم فيها.

 

في هذا السياق، تفاعلا مع فرض سن أقصى لاجتياز مباريات التدريس، أرى أن مبدأ تنظيم مباريات انتقاء تكون نزيهة ليس فيها سياسة "باك صاحبي"، هو مكسب هام، كما أن اشتراط تكوينات تأهيلية تربوية للشباب قبل التحاقهم بمهامهم الجديدة، هو مكسب متميز. لكنني، لا أجد أي منطق يبرر ويسند قرار تحديد سقف 30 سنة بالنسبة للشباب الراغبين في خوض تجربة التدريس في المدرسة العمومية. وبعد تفكير طويل، لم تتضح لي أسباب منطقية، تربوية أو مادية، يجب على أساسها أن نمنع شبابا أذكياء و متميزين في مسارهم الجامعي، يرغبون في امتهان التدريس، من التنافس لخوض تلك التجربة، فقط لأن أعمارهم تصل 35 أو 40 سنة، مثلا.

 

ربما، لو تقرر أن يكون السقف الأعلى للمشاركة في المباريات، هو سن 40 سنة، لتقبله الناس بعض الشيء، ولتفهموا الحاجة التربوية إليه، خاصة أننا سنفتح حينها باب المشاركة في وجه مئات الآلاف من الشباب المجازين الذين هم بين 30 سنة و40 سنة. كما أن سن التقاعد المحدد في 62 سنة، وربما قد يصبح 65 سنة من أجل دعم التوازنات المالية لصناديق التقاعد، يعني أن الأستاذ الذي سيعين قبل أن يصل إلى عمر 40 سنة، سيساهم في صناديق التقاعد مدة 23 سنة، أو ربما 25 سنة، قبل أن يتقاعد. وبذلك ستكون المعادلة المحاسباتية متوازنة جدا، بين حجم المدخرات برسم تقاعد الأستاذ وقيمة المعاش الذي سيحصل عليه.

 

وما دام سن 45 سنة هو المعتمد للتوظيف في القطاع العام، ما المانع من أن نعتمده هو نفسه وننهي الجدل، أو على الأقل نقترب منه في حالة احتياز مباريات التدريس، عوض توتير الأجواء بشكل لا داعي له؟؟ أعتقد أن الأفضل هو التركيز على ضمان شروط النزاهة في حكامة مباريات الانتقاء لترسيخ مبدأ التنافس بين الشباب على المناصب المتاحة، والعمل على تطوير مسارات التأهيل التربوي لأساتذة المستقبل، وإعطاء الأولوية للاستثمار في أطر التدريس لرفع كفاءاتهم التربوية حتى يستفيد أبناءنا من جودة حقيقية في المنظومة التربوية.

 

ولأننا نتحدث عن قرار جديد خلف جدلا لا يبدو أنه سينتهي بسهولة، أتساءل لماذا لا يتم الانتباه، بحس سياسي مسؤول، إلى خطورة أن يشعر المجتمع بأن القرارات تتفادى أي نقاشات عمومية، ولا يتم بشأنها أي تشاور بالقدر الكافي، ولا يواكبها تواصل جيد يشرحها و يقنع الناس بها، قبل المبادرة بتنزيلها بشكل متسرع يخلق البلبلة ويحدث من الاختلاف أكثر مما يجلب من الاتفاق والفائدة؟ ألسنا في مرحلة جديدة اتفقنا على تخصيصها لتنزيل نموذج تنموي جديد؟ أليست مقومات تعزيز السير في تلك الطريق هي التشاركية، أولا، وتقوية رصيد الثقة بين المجتمع والمؤسسات، ثانيا؟

 

أقول هذا وأنا أفترض حسن النية لدى الجميع، وأحسب أنه لا أحد من المكونات الحزبية المشكلة للحكومة يريد أن يصل الرأي العام الوطني، والناخبين الذين صوتوا على الأغلبية الحالية، إلى قناعة بأن اعتماد البعد الاجتماعي وتحقيق النجاعة في التدبير وإعطاء الأولوية للشباب، لم تعد هي أولويات المرحلة. لذلك، أتمنى أن يحمل لنا المستقبل، قرارات تستند إلى خلاصات نقاشات واسعة، يتم تنزيلها بأسلوب تشاركي واسع، ومقاربة تواصلية شاملة ومحفزة، وإذا حدث أن قرارا لم يكن صائبا، تحضر الشجاعة السياسية والمسؤولية الوطنية لسحبه وتغييره، من أجل إبقاء الثقة والأمل.

 

من المهم جدا الانتباه إلى ضرورة تجنب الاجتهادات القطاعية الأحادية التي تكون متسرعة وتنتهي بتوتير الأجواء دون ضرورة، وبدلا عن ذلك التوجه نحو إبداع تصورات نوعية، وسياسات عمومية وبرامج تجمع بين المقاربة التقنية والسياسية، كي نضمن أن يستفيد منها الناس بشكل واسع، لأنها تحمل لهم ما اعتقدوا أن الحكومة الجديدة قادرة على أن تأتي به ليتحسن واقعهم اليومي، حتى تتقوى الطمأنينة بشأن المستقبل ويتعزز الأمل لدى الأسر بخصوص مصير أبنائهم الذين تجاوزوا 30 سنة، وما زالوا عاطلين رغم شواهدهم العليا، ينتظرون أن يتحسن أداء الاقتصاد الوطني وتظهر فرص عمل جديدة أو تنشأ شروط إنشاء مشاريع مقاولات صغرى، أو يعلن عن مباريات مهنية نزيهة، في قطاع التدريس نموذجا، يتنافسون خلالها لتحقيق أحد أشكال الإدماج الاقتصادي والاجتماعي المتاحة...