الخميس 9 ديسمبر 2021
سياسة

لكريني: الجزائر تقدم لمنظمات دولية أرقاما غير واقعية لساكنة مخيمات تندوف لاستغلال المساعدات الإنسانية

لكريني: الجزائر تقدم لمنظمات دولية أرقاما غير واقعية لساكنة مخيمات تندوف لاستغلال المساعدات الإنسانية محمد لكريني مع مشهد من مخيمات تندوف

تعد الحالة التي تعيشها ساكنة مخيمات تندوف من بين وضعيات «اللاجئين» الأشد سوءا، نتيجة غياب تسجيل ساكنة هذه المخيمات في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني وولاية المفوضية العليا لشؤون اللاجئين؛ ومعارضة الجزائر، البلد المضيف، لتنفيذ حلول دائمة يستفيد منها المقيمون بالمخيمات، سواء تعلق الأمر بالعودة الطوعية أو بالاندماج المحلي..

 

إن ساكنة هذه المخيمات لا تزال الوحيدة في العالم التي لم يشملها بعد الإحصاء الذي يحتل مكانة سامية، وفقا لأحكام وقواعد اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وولاية المفوضية العليا للاجئين؛ هذا الرفض الجزائري يدل دلالة واضحة على عدم التعاون الدائم مع المفوضية العليا لتنفيذ مخططاتها وأهدافها المنصوص عليها في الاتفاقية تجاه الساكنة، وهكذا فتسجيل اللاجئين تعتبر مسألة مهمة تسهم في حمايتهم، لأن هذا التسجيل التزام دولي بالنسبة للبلد المستقبل وحق من حقوق اللاجئ، بينما عدم الاعتراف بهذه المرحلة يعتبر إنكارا لوضعه كلاجئ ولمختلف الحقوق الأخرى الناتجة عن هذا الوضع.

تؤكد الاتفاقية الخاصة باللاجئين لسنة 1951 على مجموعة من الحقوق كحرية التنقل، وحرية تكوين وتأسيس الجمعيات، وحرية التعليم، التوفر على بطاقة السفر والعمل..، إلا أن السؤال الذي يطرح في هذا الصدد هو كالتالي : هل كل من يوجد في مخيمات تندوف يتمتع بالحقوق السالفة الذكر حتى يطلق عليهم اسم «لاجئ»؟

 

الجواب بطبيعة الحال سيكون بالنفي؛ لأن قاطني مخيمات تندوف لا يتوفرون على أبسط الحقوق لضمان كرامتهم والحفاظ عليها، وفي ارتباط بالحقوق السالفة الذكر؛ نجد أن كل من يدعم مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب أو يرغب في العودة الاختيارية والطوعية لأرض الوطن، أو ينتفض أو يخالف الجبهة يلقى الترهيب والتضيق بشتى أشكاله حسب ما تضمنه تقرير هيومن رايتس ووتش لسنة 2014.

تشمل مهام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين الحماية والمساعدة والبحث عن الحلول المستمرة والدائمة، لكن بعد رفض الجزائر الدولة العضو بالاتفاقية القيام بالتسجيل، يعد وضعها هذا انتهاكا لالتزاماتها بالتعاون مع المفوضية لتسهيل القيام بمهامها على أحسن وجه، والمرتبطة بالحماية من الترحيل القسري والاعتقال التعسفي والانتهاكات الجسدية.

 

سبق وأن انتهت اللجنة التنفيذية للمفوضية على أنه لا يمكن للمفوضية أن تقوم بمهامها المرتبطة بمساعدة اللاجئين، دون الدخول للمخيمات من أجل القيام بتسجيل ملائم لجمع المعطيات الديمغرافية الدقيقة والمضبوطة.

كما سبق للمغرب أن قام بتقديم طلبه للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بخصوص التسجيل منذ الوصول غير الاختياري للمغاربة الأوائل من المناطق الصحراوية إلى صحراء تندوف؛ لإعادة المواطنين المغاربة النازحين بالقوة إلى هذه المخيمات ولمعرفة الأرقام الحقيقية لمختلف الفئات المتواجدة بالمخيمات. إلا أنه وبالرغم من الرد الإيجابي للمفوضية بهذا الخصوص يبقى التزام هذه الأخيرة بتنفيذ هذا الأمر يعرف فشلا واضحا بعد رفض بلد الاستقبال الجزائر.

 

لقد قدمت الجزائر بعض الأرقام غير الواقعية بخصوص ساكنة المخيمات، خلال سنوات 1975، 1976، 1977، 1982، إلا أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي، اعتبرا هذه الأرقام مبالغا فيها بشكل كبير. وما يثبت ما سبق هو أن قرارات المفوضية تؤكد دائما في وثائقها السنوية الصادرة عنها، أن الأرقام المقدمة في هذا الشأن هي "توقعات البلد المضيف".

 

أعتقد بأن هناك قرار مجلس الأمن رقم 1979 لسنة 2011، الذي نص على مواصلة طلب مفوضية شؤون اللاجئين النظر في عملية تسجيل كل من تطأ قدماه المخيمات، وهو ما كررته أيضا القرارات الأممية الأخرى (قرار رقم 2044 لسنة 2012، وقرار رقم 2099 لسنة 2013، وقرار رقم 2152 لسنة 2014..). إلا أنه وبالرغم من ذلك لم تلق هذه الدعوات الأممية تجاوبا إيجابيا من لدن بلد الاستقبال الجزائر.

 

وبخصوص المساعدات الإنسانية طالب المغرب بشكل دائم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمؤسسات المهتمة بمجال المساعدات الإنسانية، ومختلف الدول التي تقدم هذه المساعدات المرتبطة بهذا الشأن، والمنظمة الأممية لضمان تتبع التوقيت المناسب لكل ما يصل إلى المخيمات والتفتيش عن تحويل مسار المساعدات الإنسانية التي تقوم بها جبهة البوليساريو.

 

وفي نفس السياق سبق أن أكدت العديد من التقارير، منها التقرير الأوروبي لمحاربة الاختلاس olaf وبرنامج التغذية العالمي والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين وغيرهما..، عن وجود بعض الاختلاسات. وقد كرر المكتب الأوروبي لمكافحة الغش أو الاختلاس مرة أخرى في يناير 2015 عملية تحويل مسار المساعدات الإنسانية الموجهة لمخيمات تندوف، بما يفيد أن التهرب الدائم نحو عدم إجراء عملية الإحصاء، يشكل فرصة للبلد المستضيف ولمن يدير هذه المخيمات بالتلاعب بهذه المساعدات. خصوصا وأن هذه المساعدات التي تأتي من دافعي الضرائب في أوروبا تهدف إلى دعم ساكنة المخيمات، وليس استغلالها في صورة إعادة بيع الأغطية والأفرشة والأدوية أو شراء الأسلحة أو استغلال هذه المساعدات للمصالح الشخصية للقادة..

 

إن ما يدفع الشباب المتواجدين بمخيمات تندوف إلى تهريب المخدرات والأسلحة الخفيفة والانخراط بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، هو الحصار اللا إنساني المفروض عليهم في هذه المخيمات وشعورهم باليأس، وهو ما أكدته مجموعة تقارير المنظمات غير الحكومية ومراكز الأبحاث والدراسات الأجنبية.

 

وهو ما جعل العديد من التقارير الدولية تحمل  المسؤولية للجزائر في ما يحصل. وفي هذا الصدد سبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن أكدت في تقرير لها على أن: «حقوق سكان مخيمات تندوف عرضة للانتهاكات بسبب عزلة المخيمات، وعدم وجود حركة مراقبة ميدانية لحقوق الإنسان، وغياب الإشراف من قبل الدولة المضيفة (الجزائر) من أجل ضمان احترام حقوق الإنسان الخاصة بالصحراويين الذين يعيشون داخل مخيمات البوليساريو على الأراضي الجزائرية»، حيث أن هذه المنظمة وغيرها رصدت الواقع المعيش في المخيمات وسلّطت الضوء على الانتهاكات الواقعة داخل هذه المخيمات...
 
محمد لكريني، أستاذ القانون والعلاقات الدولية بكلية الحقوق أيت ملول-جامعة ابن زهر