الاثنين 18 أكتوبر 2021
فن وثقافة

بنيس: الانتقال إلى العهد الرقمي ساهم في بزوغ هويات جنسية متوحشة

بنيس: الانتقال إلى العهد الرقمي ساهم في بزوغ هويات جنسية متوحشة سعيد بنيس
إلى أي حد يمكن  تصنيف التربية الجنسية في نفس المستوى الذي تلعبه التربية الوطنية والتربية الإسلامية في تهذيب وتقويم بعض المفاهيم والممارسات الخاطئة حول السلوك الجنسي، والتي تؤدي إلى بعض الانزلاقات والتجاوزات؟
في الحوار التالي ناقشت
«الوطن الان» الموضوع مع الدكتور سعيد بنيس، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس. 

 
كيف ترى  تطوير التربية الجنسية  في ظل الظروف المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي والمتمثلة  في التحرشات الجنسية العنيفة، حالة طنجة التي وصلت إلى حد تعرية مواطنة في الشارع العام؟ وكذلك تاثير مواقع التواصل الاجتماعي عبر برامج مثل روتيني اليومي؟

يجب الإقرار بأن ظاهرة التحرش والعنف الجنسي ليست وليدة اليوم، وأن وسائل التواصل الاجتماعي قد ساهمت في تفجيرها كما ساعدت الوسائط الرقمية على كشف المستور وجعلتها تنتقل من مرحلة المنع والاختباء إلى مرحلة المكاشفة واستباحة الفضاء العمومي. كما أن الانتقال إلى العهد الرقمي وانفتاح جميع العوالم وتقاسم مضامينها، ومنها تلك التي تتعلق بالجنس، ساهم في بزوغ هويات جنسية متوحشة وغريبة تنهل من جنسانية ومخيال غير قابل للتحقق ويدفع رواده ومتعاطيه إلى سلوكات عنيفة واجرامية. 
فطفا موضوع التربية الجنسية على سطح النقاش العمومي مع توالي أحداث التحرش والإجرام والاغتصاب الجنسي، مما أصبحت معه الحاجة ملحة إلى إدماجها في المنظومة التربوية. وهذا يستدعي تفاوضا مجتمعيا حول أهدافها، من أجل  تبيئة مضامينها والوصول إلى توافُق يبدّد المخاوف السائدة لدى البعض إزاءها وجعلها مكونا من مكونات المواطنة الإيجابية. في هذا السياق أضحى من الضروري ملء الفراغ شبه التام في المشروع المجتمعي المغربي لأوراش التربية والتوعية الجنسية لمحاربة ثقافة جنسية غير مؤطرة، لا سيما إذا اعتمدنا على تصنيف المغرب لسنة 2019 في ما يتعلق بالاعتداءات الجنسية الصادر عن مؤسسة «الطفولة العالمية»، والذي احتل فيه المغرب الرتبة 34 ضمن 60 دولة عبر العالم. هذا الفراغ دفع الشباب إلى الالتجاء إلى مشاريع مجتمعية أجنبية للإجابة عن نقصهم المعرفي وتساؤلاتهم الجماعية والفردية والتأطير في مجال الثقافة الجنسية. لا تخلو هذه «الهجرة» إلى عوالم أخرى من أجل التثقيف الجنسي من مخاطر لاسيما في تمريرها لبعض الممارسات الشاذة والإجرامية.
لهذا وجب تأطير مضامين التربية الجنسية في أفق تربية وتنشئة مستدامة يكون الهدف الأسمى منها  المعرفة العلمية بماهية النشاط الجنسي بما يتماشى مع العلاقات الإنسانية ومبادئ نمو الشخصية والوقاية من أخطار التجارب الجنسية غير المسؤولة والمنحرفة وتصحيح المعلومات والأفكار والاتجاهات الخاطئة وتَبعاتها الصحية والمجتمعية، ورفع الوعي الجنسي في علاقته بالسلوك المواطن، بموازاة مع المعايير الأخلاقية لتمغربيت، وبما يحقق احترام الذات  وعدم الضرر بجسد الآخر. يبدو من المستحب  إّذن ضبط وتوحيد آليات ولغة التلقين على المستوى الوطني، لاسيما في ما يتعلق بالتبسيط والتوعية والتحسيس بالمخاطر، مع ايلاء الأهمية لضبط محتويات الخزانة أو «المكتبة الجنسية « وإقرارها وتطويرها من داخل مرجعيات تمغربيت  وليس اعتبارها نوعا من أنواع المحظورات (الطابو) أو آلية من آليات الانحلال الأخلاقي والكساد القيمي التي وجب ابعادها عن محاضن التربية، لا سيما وأن هناك فئات من المجتمع مازالت متوجسة من التربية الجنسية، مع أن الحاجة أضحت ماسة إلى هذه التربية للفئات الأقل من 14 سنة، تكون المدرسة وعاءها، بالنظر إلى طفرة المعلومة الجنسية في العهد الرقمي.
 
 كيف يمكن إدماج  التربية الجنسية  في المناهج التربوية؟

كي يكون إدماج التربية الجنسية في المشروع المجتمعي المغربي فعالا، لابد من تدخّل المختصين في هذا المجال، عبر مختلف قنوات التواصل المُتاحة منها الواقعي والافتراضي، وليس فقط الاكتفاء بما هو مضمّن في المقررات الدراسية الموجهة إلى الناشئة، وذلك بهدف مواكبة الأسرة أيضا للمضامين لكي تتمكّن من تتبع السلوك الجنسي لأطفالها.
وأمام فشل وتراجع جميع محاضن التربية في التأطير، سواء الأسرة أو المدرسة أو دور الشباب أو الأحزاب أو الجماعات  أو الجمعيات، وبموازاة سطوة وهيمنة مضامين العالم الافتراضي الموسوم بالشحن والتيه الجنسي، خصوصا على مستوى احترام جسم الآخر، أصبحت الدعوة ملحة إلى تنظيم مناظرة وطنية يشارك فيها جميع الفاعلين والمسؤولين والخبراء من أجل تشخيص أهمية وراهنية التربية الجنسية للتصدي والحد من إشكالات الجريمة الجنسية من قبيل الاغتصاب والتحرش.
 
في نظرك كيف يمكن تقويم هذا الانزلاق الدلالي لمصطلح  التربية الجنسية الذي يتم التركيز  فيه على الجنس وربطه بالإباحية والانحلال، هل هي مهمة الدولة أم المجتمع؟ 

هناك انزلاق دلالي يخص مصطلح التربية الجنسية، حيث يتم التركيز فقط على لفظة «الجنس» وربطها بالإباحية والانحلال الأخلاقي، بينما ينبغي إقناع عامة الناس بأن التربية الجنسية تصنف في نفس مستوى التربية الوطنية والتربية الإسلامية والتربية البدنية، لأنها تروم تصحيح وتصويب بعض المفاهيم والممارسات الخاطئة حول السلوك الجنسي للطفل (ة) والتلميذ (ة) والشاب (ة)
من هذه الزاوية هناك ضرورة ملحة على الدولة والمجتمع لصياغة وتوفير دليل للحياة  الجنسية للفرد داخل المجتمع موجه للآباء والأمهات والمدرّسين وجُلّ المشتغلين بمحاضن التربية والتنشئة، يقوم على أسس تفسير والتعريف بطريقة تدريجية ومبسّطة، لمجموعة من الأمور ذات العلاقة بالجانب الجنسي من حياة الطفل (ة) والمراهق وتمظهراته المجتمعية على أساس أن الجسم ملكيّة فردية وليس للآخر الحق في لمسه أو مداعبته، وضبط وتحديد الفضاءات الحميمية الجسدية في علاقتها بالآخر، ومراقبتهم ومصاحبتهم في الولوج إلى العالم الافتراضي، لاسيما فيما يتعلق بمواضيع الجنس وربط العلاقات الجديدة. كما أن التأطير المؤسساتي يوجب إقرار حيزا من الزمن المدرسي للتوعية الجنسية المادية بمخاطر الأمراض المنقولة جنسيا، وكذا التوعية الجنسية الرمزية المتعلقة بتداعيات تبادل الصور الحميمية، وتنمية الفكر النقدي في ما يخص المادة الوسائطية المتعلقة بالجنس، وتعميق رؤيتهم لخطر الجنس الرقمي، وحثهم على تكثيف أمنهم الجنسي، والتمييز بين الممارسة الصحية والممارسة المريضة.
لهذا يبدو أن المسؤولية تظل مشتركة بين عدد من مؤسسات الدولة ومحاضن التربية والتنشئة منها لا للحصر: الأسرة والمدرسة والمحيط العائلي والنادي الرياضي وجمعيات الطفولة والكشفية والبيئة المجتمعية بما فيها وسائل التواصل والاتصال (التلفزة والمحطات الإذاعية والمواقع الافتراضية) والتجمعات السكنية.. أما في ما يمت إلى دور الأسرة بالتحديد كمكون من مكونات المجتمع فدورها أساسي ومحوري لتذويب المغالطات والأساطير المؤسسة لعدم جدوى التربية الجنسية، لأنها تشكل نقطة الانطلاق بالنسبة للطفل والمراهق للولوج إلى الحياة المجتمعية وتفاعلاتها، بما فيها الإيجابي والسلبي مع أن الخطر يظل قائما لا سيما عندما يكون المغتصب أو المتحرش ينتمي إلى المحيط العائلي (زنا المحارم) أو السكني للطفل كما وقع في حالة الطفل عدنان.
 
هل هنالك اقتراحات  عملية  في هذا الشأن؟

من هذا المنظور يمكن اقتراح ضمن السياسات العمومية المرتبطة بإصلاح التعليم  مواد أو مسالك في مقررات المدرسة المغربية تكون ذات مضامين إجرائية لتثبيت ما تلقى الطفل داخل أسرته من تعليمات ونصائح كي يتم تأطير التنشئة الاجتماعية على نحو تكاملي. ففي بعض التجارب الدولية الناجحة تتم مكافحة اغتصاب وسرقة الأطفال من خلال تلقين التلاميذ والأطفال في المستويات الأولى كيفية التصدي للمتحرشين والمغتصبين من خلال تعلمات بالممارسة عبر حصص يتم فيها تجسيد وتمثيل ومناقشة الظاهرة ورسم معالمها وتحديد أعراضها ومد الطفل بعناصر مبسطة لفهم تداعياتها بل وتزويده بدليل عملي وتمرينه على مهارات محددة تمكنه من التصرف بحكمة وبطريقة ناجعة في حالة تعرضه للتحرش من طرف الغرباء الراشدين.
كما يمكن أن يساهم  الإعلام بجميع أطيافه الرقمي والمرئي والكتابي (الجديد والتقليدي) في هذه التنشئة من خلال بعض الآليات التي يمكن أن تشمل لا للحصر وصلات اشهارية داخل الفضاءات العمومية (الحدائق وملاعب القرب ودور الشباب والشوارع..) أو ملفات توضيحية قارة وبوتيرة أسبوعية، لأن ظواهر التحرش والإجرام الجنسي يمكن أن تعرف خفوتا نسبيا لكنها تظل نائمة ومستشرية في جسم المجتمع مثل الفيروس أو الوباء. لهذا يمكن اقتراح خانات دائمة ومتواصلة تخصص لهذه الظواهر في تأطير الأطفال في النادي الرياضي أو النادي الثقافي أو الإعلام على أساس أن الخطر الجنسي يتربص الطفل (ة) في جميع الفضاءات المجتمعية ويصير فريسة سهلة  للمفترس   والمرضى الجنسيين 
كي نستشرف المستقبل في أفق بناء أسس تمغربيت والسلم المجتمعي ونولي التربية الجنسية مكانتها في المشروع المجتمعي للمملكة المغربية، من المستحسن إدماجها على أسس إجرائية وتحسيسية وواقعية في المناهج التعليمية مع رصد ميزانية للتحسيس والتوعية بإيجابيات الثقافة الجنسية المتوازنة التي تنبني على انسجام تام ومحمود بين المرجعية المواطنة والمسلمات الثقافية ومصفوفة القيم المغربية. كما أن البحث العلمي المتعدد التخصصات والمشارب والمقاربة المندمجة (طبية ونفسية واجتماعية وأنثربولوجية ودينية وأمنية وثقافية وترابية ...) يمكنان من إنشاء قاعدة معلومات تساعد في تشخيص ونشر الوعي الجنسي.  فضمان استمرارية المرجعيات المجتمعية أصبح رهينا بتربية وبيئة جنسية تزاوج بين المسلمات الدينية والتحولات الثقافية والتغير المجتمعي والدينامية القيمية الراهنة وتحديات تمغربيت.
 
سعيد بنيس/ أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط