الاثنين 27 سبتمبر 2021
فن وثقافة

"مدارات" التهاني.. الوطني محمد الوديع الأسفي شاعر كانت مبادئه هي حياته

"مدارات" التهاني.. الوطني محمد الوديع الأسفي شاعر كانت مبادئه هي حياته الزميل الإعلامي عبد الإله التهاني،والمرحوم الشاعر المناضل محمد الوديع الأسفي

تابع جمهور الإذاعة الوطنية بالرباط حلقة ليلة الجمعة 16 يوليوز 2021 من برنامج "مدارات" الذي يعده ويقدمه الزميل الإعلامي عبد الإله التهاني. برنامج حوار في الثقافة والمجتمع خصصها المرحوم الشاعر المناضل محمد الوديع الأسفي حيث استحضر من خلالها مساره الشعري والثقافي والإنساني، على اعتبار أن الرجل خلف رصيدا شعريا غزيرا تعكسه دواوينه الثلاثة وهي "الجرح العنيد" و "نداء الأرض" و"نداء الضمير" فضلا عن كتابات أخرى متنوعة ذات منحى تاريخي وتوثيقي.

استرجع المستمعون من خلال الورقة التقديمية التي بسطها الزميل التهاني فترات مشرقة من مسار الشاعر والإعلامي الراحل السي محمد الوديع الأسفي، ووقف على لمحات من سيرته الأدبية وتسليط الضوء على مبادئه ومواقفه والتزاماته الوطنية والقومية، وتجربته في العمل السياسي والإدارة والصحافة والحقل الثقافي ليخلص إلى أن الرجل "اجتمعت فيه أبعاد شتى. بوطنية فياضة مطبوعة بفائض من الزهد منذ انخراطه في حركة النضال والمقاومة والكفاح الوطني".

وقد استحضر معد ومقدم برنامج حوار في الثقافة والمجتمع برقية التعزية التي بعت بها الملك محمد السادس سنة 2004 لأسرة الراحل الشاعر محمد الوديع الأسفي حيث وصف الفقدان بأن "المغرب فقد وطنيا صادقا...لا يخشى في الله لومة لائم...رجل غيور على سمعة وطنه". ونفس التقدير والاعتراف بشخصية الرجل تناولته تعزية رئيس اتحاد كتاب المغرب الأستاذ حسن نجمي الذي عدد خصال الشاعر محمد الوديع الأسفي وارتباطه الدائم بقضايا وطنه بقوله: "عرفناه من أبرز شعراء الشعراء المغاربة احتراقا بقضايا الوطن. دائم الحضور في كل المحطات كشاعر أساسي ..".

في نفس السياق قال الزميل عبد الإله التهاني عن شخصية الوديع: "شخصية شعرية لم تنفصل يوما عن قضايا الوطن. صوت يلهج بقضايا الوطن وبقيم الحرية والعدالة والديمقراطية"، لذلك أكد نفس المتحدث على أن الشاعر السي محمد الوديع الأسفي "كانت حياته هي مبادئه". بل أنه "نادرا ما جعل قصائده صوتا لذاته، وإنما جعل أغلب إنتاجه الشعري لخدمة القضايا الإنسانية والوطنية ".

وعدد الزميل التهاني محطات مهمة من سيرة حياة المناضل السي محمد الوديع الأسفي بالقول: "رأى النور بمدينة أسفي في بيت أسرة عريقة لها مكانتها في المحيط الاجتماعي". فضلا على أنه تشبع بمدارس علماء وأساتذة لهم مكانتهم الإعتبارية في المجتمع المغربي من أمثال العالم والفقيه الشيخ الكانوني بأسفي، بالإضافة إلى فترة الدراسة بمراكش التي عرف فيها "قامة علمية وقطب وطني كان يزاول مهنة التدريس وهو الشيخ العلامة المختار السوسي"، حيث تلتها مرحلة "نضج الوعي بمدينة فاس أثناء الدراسة بالقرويين".

محطة أساسية في مسار الرجل ارتبطت بتقديم وثيقة المطالبة بالإستقلال يوم 11 يناير 1944 على اعتبار أنه "كان نصيبه حكم بالسجن لمدة سنتين وإبعاده من مدينة فاس"، حيث كانت محطة مدينة مكناس "مدرسا بمدرسة النهضة الإسلامية"، ومن بعدها "غادر مكناسة مضطرا بعد قرار إبعاده من طرف سلطات الحماية الفرنسية إلى مدينة سلا على إثر الأحداث نتيجة اغتيال المناضل النقابي فرحات حشاد سنة 1952، واعتقاله مجددا بعد اندلاع المقاومة المغربية بفعل نفي الملك محمد الخامس". لتليها محطات أخرى ارتبطت بـ "فواجع أخرى في ظروف وسياقات أخرى".

لقد خلف الشاعر محمد الوديع الأسفي ثلاثة دواوين شعرية فضلا عن كتاباته التأريخية المرتبطة بمقاومة المحتل، و التي اشتغل عليها وفق مبادئه الوطنية، حيث صدر له مؤلف سنة 1922 تحت عنوان "منطقة آيت باعمران ملحمة البطولة". (سيرة العلامة بن العربي العلوي). التي صنفت في خانة الأدبيات السياسية، علاوة على إصداره لعدة مقالات ومداخلات فكرية في العديد من المنابر الإعلامية المغربية والصحف والمجلات الوطنية.

ومن تضحياته القومية والوطنية التي اشتغل عليها بضمير المناضل تجربته الإعلامية في جريدة "فلسطين" التي تعتبر تجربة رائدة جمعته مع العديد من الأقلام المتميزة وخصوصا المناضل الإعلامي السي مصطفى القرشاوي خلال الفترة الممتدة بين سنة 1967 و 1971، أي تاريخ توقف إصدارها.

واعتبر عبد الإله التهاني في برنامجه "مدارات" بأن الفقيد السي محمد الوديع الأسفي "شاعر كلاسيكي شكلا ومضمونا" علما أنه شعريته توزعت بين "النبرة الوجدانية والنبرة الوطنية والقومية، بلمسة إنسانية مسكونة بمحبة الخير متطلعة للكرامة الإنسانية"، دون أن ننسى أنه "يرى أن الشعر طاقة مشحونة بالعواطف الرقيقة والإرتسامات الصادمة بواقعية ملموسة. وأسلوب رائع وجذاب. حروفه متناغمة بحرارة الإيمان وقوة الصدق، وبعذوبة منعشة. ووصف لمفاتن الطبيعة".

الأجمل من ذلك أن شاعرنا تميز بمعمار قصيدته الشعرية التي تؤكد على "المضمون لا الشكل، والمحتوى لا السطح، مع تفضيله للقصيدة العمودية على الشعر الحر. والميل إلى الوضوح في التعبير الشعري".

لقد شرع السي محمد الوديع الأسفي مبكرا في كتابة ونشر قصائده الشعرية وتحديدا سنة 1942 مع باكورة أعماله ديوان "الجرح العنيد" الذي يحتوي على 321 صفحة من الحجم المتوسط، ويضم 44 قصيدة كتبت بين سنة 1943 إلى حدود سنة 1979. منها 7 قصائد حبلى بالمشاعر الوطنية، كتبت في ظروف الكفاح الوطني. أما باقي القصائد (37 قصيدة) فقد كتبها الشاعر محمد الوديع الأسفي في فترة الستينيات والسبعينيات التي كانت مليئة بالأحداث النابضة بالمعاناة والطافحة بالنفس الشعري الحار" حسب الزميل عبد الإله التهاني معد ومقدم برنامج مدارات.

لقد عكس ديوان "الجرح العنيد" المواقف الوطنية والقومية والإنسانية للوديع الأسفي ومعاناته ومكابداته، ولهذا السبب " ظل صوته ينتصر للقيم الوطنية". على اعتبار ـ يقول التهاني ـ أن "فكرة الأمل وجدوة الأمل هي الخيط الناظم في ديوانه في مواجهة الأقدار والجحود". إنها فعلا "الجرح العنيد" كما وصفها عبد الإله التهاني. الذي أكد على شاعرنا الفقيد يعتبر منتوجه الشعري: " إنتاج يعكس بعض الجوانب الهامة من مراحلنا السياسية والوطنية والقومية".

واعتبر معد ومقدم البرنامج أن قصائد ديوان "نداء الضمير" قد تناولت موضوعات وجدانية ومناجاة أسرية بلمسة حزينة وبطابع حماسي. حيث استحضر مواقف رفيقة حياته المناضلة ثريا السقاط ( من وراء قضبان السجن 1954/1955) التي تعكس لواعج وحالات ومواقف عاشها الشاعر في صبر وكبرياء.

ولم يفت معد ومقدم برنامج حوار في الثقافة والمجتمع أن يشنف مسامع مستمعات و مستمعي الإذاعة الوطنية بقراءة شعرية لبعض قصائد الفقيدة تؤرخ لأزمنة مختلفة من مساره النضالي بالقصيدة والمقالة والمرافعة الصادقة للدفاع عن قضايا وطنه مثل قصيدة " الحياة نضال"، و قصيدة "نشيد المقاومة" التي ألهبت حماس المقاومة الوطنية. ثم قصيدة "نداء الكرامة" وأخرى من ديوان "نداء الضمير"، و قصيدة "زفرات ملتهبة" التي أهداها لزوجته المناضلة الشاعرة ثريا السقاط بعد اعتقاله من طرف سلطات الحماية والتي رسم فيها مواقفها ومبادئها وقوة إيمانها بالقضية الوطنية. فضلا عن تقديمه لمقاطع من قصيدة "لقطات مشرقة" من ديوان "نداء الضمير".