الاثنين 14 يونيو 2021
كتاب الرأي

محمد بوبكري: إعمار المغرب لمدينة الكويرة جوهرة الأطلسي مكسب كبير

محمد بوبكري: إعمار المغرب لمدينة الكويرة جوهرة الأطلسي مكسب كبير محمد بوبكري

قرر المغرب مؤخرا إعمار مدينة الكويرة، حيث سيقيم فيها ميناء كبيرا ومنشآت كبيرة تجعلها مركزا تجاريا وسياحيا رئيسا مطلا على المحيط الأطلسي، سيشكل إلى جانب ميناء الداخلة بوابة أخرى على العمق الإفريقي للمغرب، الذي يسعي جنرالات الجزائر إلى حرمانه منه عبر عزله عن محيطه الأفريقي الذي يعتز بالانتماء إليه، ويصر على ذلك.

 

فعندما نظم الملك الراحل المرحوم الحسن الثاني تنظيم المسيرة الخضراء لاسترجاع الصحراء المغربية طلب منه "المختار ولد دادة" اقتسامها مع موريتانيا. وتبين مذكرات هذا الأخير أنه كان يحلم ببناء موريتانيا الكبرى التي تضم موريتانيا حاليا والصحراء المغربية كاملة، إضافة إلى إقليم "أزواد". وتوجد في هذه المذكرات فقرة دالة، يقول فيها: إن موريتانيا خلقت من لا شيء. وهذا ما يعني أنها مجرد صناعة فرنسية، سيكشف المؤرخون مستقبلا عن تفاصيل ذلك، حيث ستبرز الاعتداءات الأجنبية التي مورست على المملكة المغربية، ومزقت وحدتها الترابية، ووزعتها على جهات أجنبية عديدة، الأمر الذي عانى منه الشعب المغربي الكثير، وما يزال يعاني منه...

 

هكذا، فقد أخذت موريتانيا إقليم واد الذهب، لكن حكامها قرروا التخلي عنه في سنة 1979، بعد أن قام عسكر الجزائر بتدبير انقلاب عسكري ضد الرئيس "المختار ولد دادة"، فبادر المرحوم الملك الحسن الثاني فورا إلى استرجاع إقليم واد الذهب الذي هو حق طبيعي للمغرب، لأنه كان يدرك الصفقة التي عقدها ضباط الجزائر مع الضباط الموريتانيين الذين انقلبوا على "ولد دادة"، التي كانت ستحقق رغبة ضباط الجزائر، التي تروم احتلال هذا الإقليم المغربي أصلا لصالح "البوليساريو" بهدف تحويله إلى ملحقة تابعة لهم تمكنهم من منفذ على المحيط الأطلسي. لكن ذكاء المرحوم الحسن الثاني كسر أحلامهم التي كان يعي أنها تعكس إرادتهم الرامية إلى عزل المغرب عن عمقه الأفريقي...

 

وقد بنى المغرب لاحقا الجدار العازل بهدف الحد من تسرب مليشيات "البوليساريو" إلى التراب المغربي. لكن مدينة "الكويرة" ظلت خارج هذا الجدار. لكنها كانت دوما تحت السيادة المغربية.

 

ولفهم الموقع الاستراتيجي لمدينة " الكويرة"، فإنها تقع في شبه جزيرة تسمى "رأس نواديبو" تضمها إلى جانب مدينة "نواديبو" الموريتانية"، حيث توجد المنطقة المغربية شرق شبه الجزيرة هاته، كما توجد المنطقة الموريتانية في غربها.

 

ومن المعلوم أن مدينة "نواديبو" هي القلب النابض للاقتصاد الموريتاني، حيث يوجد في هذه المدينة ميناء صغير يتم عبره تصدير الحديد الذي يأتي من منطقة "الزويرات"... وهذا ما يجعل مدينة "الكويرة" موقعا استراتيجيا مهما بالنسبة لكل من المغرب وموريتانيا. لذلك، طلب حكام موريتانيا في ثمانينيات القرن الماضي من المرحوم الحسن الثاني سحب القوات المغربية التي كانت مرابطة في منطقة " الكويرة"، بذريعة أن تواجدها هناك قد يؤدي آنذاك إلى اشتباكات مع مليشيات " البوليساريو"، الأمر الذي كان سيضر بـ "نواديبو"، التي تشكل عصب الاقتصاد الموريتاني. وتعبيرا عن حسن نيته وحكمته، استجاب الملك الراحل لتوسلات حكام موريتانيا آنذاك، فغادرت القوات المغربية هذه المدينة مؤقتا، لكن هذه المنطقة بقيت مغربية، حيث ظلت تابعة لإقليم "أوسرد". وقد التزمت القوات الموريتانية بحراسة هذه المدينة حتى لا تدخلها مليشيات " البوليساريو"، كما ظلت القوات المسلحة الملكية المغربية تحرس هذه المدينة بحرا وجوا إلى يومنا هذا، حيث كانت عينها دوما عليها حتى لا يغزوها جنرالات الجزائر وأفراد مليشيات "البوليساريو"...

 

ولما اتفق المغرب مع الأمم المتحدة على الهدنة في هذه المنطقة في بداية تسعينيات القرن الماضي، قرر آنذاك إعمار مدينة " الكويرة"، حيث خصص ميزانية ضخمة لتجهيزها بما تتطلبه من بنيات تحتية، لكنه لم يتمكن من ذلك، لأن الوسائل التقنية المتوفرة وقتذاك، لم تكن تمكنه من ذلك، لأن هذه المنطقة كانت مغطاة بالرمال. واليوم، قرر المغرب مجددا إعمار هذه المدينة، لأن الوسائل التقنية تطورت، وصار بإمكان المغرب إنجاز إعمار هذه المدينة.

 

وتجدر الإشارة إلى أن حكام موريتانيا كانوا يخافون سابقا من جنرالات الجزائر وميليشيات "البوليساريو"، لكنهم، ولاعتبارات اقتصادية محضة، أصبحوا يخافون من مدينة من إعمار مدينة "الكويرة" الذي سيؤهلها لتكون منافسا كبيرا لمدينة "نواديبو"، وذلك لاعتبارين:

أولهما جغرافي، حيث إن البواخر القادمة من أوروبا سيكون في إمكانها التوقف أولا في ميناء " الكويرة" قبل "نواديبو"، ما يعفيها من الذهاب إلى هذه الأخيرة؛

وثانيهما مرتبط بالبنية التحتية التي سيتم تشييدها في مدينة الكويرة، حيث ستعرف بناء ميناء كبير شبيه بميناء طنجة المتوسط، ما سيقضي على حركية ميناء "نواديبو"...

 

لذلك، فعلى حكام موريتانيا أن يفهموا أن المغرب مارس مرارا حسن النية معهم، لكنه لن يستمر في ذلك إذا ما استمروا في الانخراط في مؤامرات جنرالات الجزائر الرامية إلى عزل المغرب عن عمقه الأفريقي. فعلى هؤلاء الحكام أن يدركوا أن المغرب لم يعد في حاجة إليهم، وأن موريتانيا في أشد الحاجة إليه، وإذا خضعوا لترهيب جنرالات الجزائر، وانخرطوا في مخططاتهم، فإن موريتانيا ستكون الخاسر الأكبر على كل المستويات، وفي جميع المجالات...