الأحد 9 مايو 2021
فن وثقافة

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ".. زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (8)

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ".. زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (8) مشهد احتفالي لعادات بعض القبائل والفنان حسن الزرهوني (يسارا) والزميل أحمد فردوس

تواصل جريدة "أنفاس بريس" فتح شهية علبة مخزون الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني على مستوى فن العيطة المغربية، للخوض هذه المرة في روائع شعر الغزل من خلال ملفنا الإعلامي الجديد في موضوع "شعر الغزل في العيطة العبدية".

أغلب الأدباء يتفقون على أن الغزل "هو فنّ من فنون الشعر، وغرض أساسيّ من أغراضه، صنّف على أنّه من أعظم فنون الشعر العربي القديم، يعبر الشاعر من خلاله عن أحاسيسه تجاه محبوبته، واصفاً محاسنها، متغنياً بجمالها، مشتاقاً لرؤيتها، حزيناً على فراقها، مع تركيزه في وصفه لها على مواطن التميّز فيها... وهو يصور خلجات النفس، وفرحتها بلقاء المحبوبة، وحزن الشاعر على فراقها، إذ تميز بقوة العاطفة وحرارتها".

لقد حظي الغزل باهتمام كبير من قبل الشاعر(ة)/ الناظم(ة) لقصائد العيطة المغربية عامة وخصوصا الحصباوية منها، حيث نقدم في هذه السلسلة من حلقاتنا مع ضيف الجريدة، نموذجا رائعا لتألق ناظم(ة) قصيدة عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ"، والتي سنحاول تفكيك بعض متونها الشعرية في سياق أحداث تاريخية شهدتها منطقة أسفي وعبدة في الفترة التي تشكلت فيها هذه العيطة الجميلة المتكاملة البنيان.

فهل توفق الناظم/ الشاعر في وصف الحبيبة/ المرأة الفاتنة التي كانت سببا في معاناته، وهل صاغ متونه الشعرية وكلماتها وصورها البلاغية بنفس يعكس حجم عشقه للمحبوبة في زمن غير زماننا، وأسئلة أخرى سنجيب عليها في الحلقات المتتالية؟

إن الشاعر/ الناظم لقصيدة عيطة "بِينْ اَلْجَمْعَةْ وَالثْلَاثْ، اَلسًكَةْ حَبْسَاتْ وَرِيتَاتْ" التي تعد أرقى تعبير في الغناء الشفهي العيطي بمنطقة عبدة على مستوى شعر الغزل العذري، قد أفلح في تبليغ رسالته لتوضيح الأسباب التي أعدمت علاقته الغرامية وحكمت عليها بالفشل وأدت به إلى الانهيار النفسي والمعنوي... وأشياء أخرى جاءت على لسان حسن الزرهوني؟

في الحلقة الثامنة سنتناول بالدرس والتحليل تفكيك مضمون المتون الشعرية التي استلهم فيها الشاعر/ الناظم مواقع جغرافية وذكر فيها مناطق وأسماء قبائل استوطنت مجال عبدة مثل: "مَا بِينْ شْرَاقَةْ، وٌ مَا بِينْ هْدِيلْ، قَفْطَانْ وٌشَرْبِيلْ" و"طْرِيقْ اَلْحَصْبَةْ رَطْبَةْ حْرِيرْ، اَلْمَشْيَةْ بْلَا شَرْبِيلْ"، وما هو غرضه في هذه الأبيات الشعرية من الإشارة إلى لباس المرأة المتمثل في اَلْقَفْطَانْ وَالشًرْبِيلْ، وأين تقع المناطق التي ذكر بمجال عبدة، ولماذا استحضرها في نفس المتون العيطية؟

 

مَا بِينْ شْرَاقَةْ، وٌ مَا بِينْ هْدِيلْ، قَفْطَانْ وٌشَرْبِيلْ

تَبًتْ يَا بْنَادَمْ، اَلزٍينْ يْفَاﯖَـمْ

طْرِيقْ اَلْحَصْبَةْ رَطْبَةْ حْرِيرْ، اَلْمَشْيَةْ بْلَا شَرْبِيلْ

تَبًتْ يَا بْنَادَمْ، اَلزٍينْ يْفَاﯖَـمْ

 

"شْرَاقَةْ"، هو اسم دوار يوجد بالجماعة الترابية حد حرارة التابعة لنفوذ إقليم أسفي، وأصلهم من قبائل "شْرَاﯖَـةْ" المتواجدة بحوز مدينة فاس، بين وادي سْبُو ووادي وَرْغَةْ، قرب قبيلة "لَحْيَايْنَةْ" التي ورد ذكرها في عيطة "شريفي سيدي حسن"، مع العلم أن قبيلة "شْرَاﯖَـةْ" تضم عدة بطون تحمل أسماء حربية نظرا لطبيعتهم الحربية والعسكرية وارتباطهم بالفروسية مثل قبيلة "لَحْيَايْنَةْ" على اعتبار أنهم كانوا محاربين مجندين في الجيش الخزني منذ قيام الدولة العلوية سنة 1630م، في عهد السلطان المولى علي الشريف (أول ملوك الدولة العلوية).

وقد هاجر جزء مهم من ساكنة قبيلة "شْرَاﯖَـةْ" إلى منطقة عبدة بعد النزاعات والصراعات التي نشبت بين الجيش السعدي والجيش العلوي قرب مدينة فاس، واستقروا بمجال عبدة بعد أن شكلوا تجمعا سكانيا بدوار "شْرَاقَةْ" بحد حرارة نواحي مدينة أسفي، حيث ضمهم القائد عيسى نْبِيـﯖَـةْ في كتائبه العسكرية في عهد السلطان المولى إسماعيل، ولازالت بقايا آثار قصبته المتواجدة بدوار الصعادلة (جماعة الصعادلة) شرق مدينة أسفي.

 

"هْدِيلْ"، هو اسم دوار يوجد كذلك بنفوذ الجماعة الترابية الصعادلة التي انفصلت عن جماعة خط أزكان التابعة حاليا لدائرة جد حرارة. وتجمع بينهم وبين سبت جزولة بأسفي قرابة العمومة، ولهم كذلك عمومة بحوز مراكش وتحديدا بـ "هْدِيلْ شِيشَاوَة".

جدهم هو الولي الصالح سيدي سعيد العياشي صاحب الزاوية "الْهْدِيلِيًةْ"، الذي خلف أحفادا دفنوا بدوار "هْدِيلْ"، وعرف سيدي سعيد العياشي بورعه وكراماته التي يتداولها عامة الناس، حسب تقاليدهم وعاداتهم و ثقافتهم الشعبية.

وتميزت ساكنة دوار "هْدِيلْ" بقواسم مشتركة على مستوى الطقوس والعادات والتقاليد مع ساكنة دوار "شْرَاقَةْ" ودوار "بُولِيفَلْ" ودوار "الشْلُوحْ"، حيث تضرب ساكنة الدواوير الأٍربعة موعدا سنويا لإحياء روابط الدم والقرابة من خلال إقامة موسم سنوي لزيارة ضريح الولي الصالح سيدي سعيد العياشي وتوفير الذبائح والأطعمة، ونفس الشيء خلال المناسبات الدينية والأعراس والحفلات لتبادل الزيارات وتقاسم لحظة الفرح والفرجة، وتتعاون فيما بينها لتنظيم هذه المحطات لتوفير الهدايا واستقبال الضيوف والمعدويين وخدمتهم على جميع المستويات الاجتماعية.

 

في هذا السياق، يُذْكَرْ أن المرأة كان لها دورا مهما في إحياء هذه المناسبات وترسيخ الروابط العائلية والقبلية في علاقة مع العادات والتقاليد والطقوس الشعبية، وكانت هذه اللحظات فرصة للمرأة لإظهار جمالها وأناقتها ومفاتنها ونخوة رشاقتها من خلال ارتداء أرقى الملابس والأزياء التقليدية، (الْقَفْطَانْ، الْحَايْكْ، السٍرْوَالْ قَنْدْرِيسِي، الشًرْبِيلْ)، ووضعها لأروع الحلي والمجوهرات المتوفرة آنذاك، ذات الطابع الاحتفالي، وتتعطر بأجمل العطور المصنوعة من رحيق النباتات العطرية .

 

لقد كان جمال المرأة الفاتن يضاهي جمال الحصان (التبوريدة) العربي البربري، بلباسها التقليدي وحليها ومجوهراتها الذهبية الفضية، التي تزين أصابعها ومعصمها وجيدها، حيث تبدو مثل لوحة فنية تشكيلية بألوانها الساخنة، تسحر العين وتأسر الفؤاد، وتثير الانتباه من بعيد كعلامة دالة على أنوثتها... وكان هذا سببا رئيسيا لتوظيف الشاعر العبدي ناظم قصيدة الغزل العذري لعيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ" أناقة المرأة وجمالها والتغني بحضورها القوي حيث أنشد قائلا: "مَا بِينْ شْرَاقَةْ، وٌ مَا بِينْ هْدِيلْ، قَفْطَانْ وٌشَرْبِيلْ"، بالإضافة إلى إستلهامه لكلمة "الْحَصْبَةْ" لوصف أرضها الخصبة التي شبه المشي في طريقها بالحرير وبدون نعال  حيث قال: "طْرِيقْ اَلْحَصْبَةْ رَطْبَةْ حْرِيرْ، اَلْمَشْيَةْ بْلَا شَرْبِيلْ".

 

لماذا شبه الشاعر طريق "الْحَصْبَةْ" بـ "رَطْبَةْ حْرِيرْ ، بْلَا شَرْبِيلْ"؟

إن منطقة "الْحَصْبَةْ"، كانت هي القاعدة الخلفية والنواة الأساسية التي تشكلت ونشأت فيها العيوط العبدية واكتمل بنيانها وتركيبها، والحصبة هي عبارة عن أرض فلاحية ذات مساحات شاسعة الأطراف حيث تصل حدودها إلى مركز ثلاث سيدي مبارك بوﯖـدرة، وجمعة سحيم، ومنطقة الغربية بدكالة، إلى حدود أولاد زيد بالبحاترة الشمالية.

وحسب بعض الوثائق التاريخية فإن القائد عيسى بن عمر العبدي البحتري كان قد استحوذ عليها وأعطاها أهمية كبيرة، ووفر لها أموالا طائلة لتنقيتها من الحصى والأحجار الصغيرة، حيث سخر لها عدد كبير من اليد العاملة من عمال وفلاحين ومزارعين وحرفيين، وقام بإصلاحها في سياق ما كان يعرف بنظام السخرة بالمجان باستثناء توفير الأطعمة والإقامة. وعلى يد القائد عيسى بن عمر تحولت أرض الحصبة إلى تربة فلاحية منتجة توفر إنتاجا زراعيا و مردودية هائلة من الحبوب والقطاني والكلأ لقصبة القائد والقبائل المجاورة والمحيطة بها طيلة السنة سواء للمواطنين والمواشي فضلا عن تخزين المنتوج الزراعي للاكتفاء الذاتي.

لذلك استلهم شاعرنا العبدي وصفه لمشي المرأة في طريق الحصبة حافية بدون نعال، "طْرِيقْ اَلْحَصْبَةْ رَطْبَةْ حْرِيرْ، اَلْمَشْيَةْ بْلَا شَرْبِيلْ". ليعكس جودة تربة أرضها التي شبهها بالحرير "رَطْبَةْ حْرِيرْ"، دون أن تشعر النساء بألم الحصى والأحجار الصغيرة التي تدمي الأقدام الحافية، وهن في الطريق لحضور المنسبات الاحتفالية بعد أن جهزن أنفسهن لإحياء الروابط القبلية والعائلية وصناعة الفرحة والفرجة.

 

إن شاعر العبدي قد تغنى بأرض الحصبة، وركز على المرأة/ الحبيبة ليمرر رسالة إصلاح الأرض الفلاحية بالمنطقة التي تحولت حسب الشاعر مثل بساط ناعم تمشي عليه المرأة حافية القدمين دون متاعب.

وقد انتقل الشاعر إلى "الْحَطًةْ" المتمثلة في متن "عَايْشَةْ بَنْتْ اَلْمَكٍي، زِينَتْ لَبْنَاتْ، عَيْنِيكْ عَذْبٌونِي"، للمرور إلى الجزء الثاني من العيطة، على اعتبار أن هذا المتن يؤكد ما قلناه سابقا، حيث يصف محبوبته ويصنفها كأجمل فتيات قبيلتها، والتي سحرته بنظرات عينيها "اَلْكُحْلِيَتَيْنِ" وسببت له عذابات سيكولوجية ونفسية طيلة حياته.

 

إن التغني بالعين، نجده يطغى على شعر الغزل لدى الشعراء العرب منذ ما يسمى بـ "العصر الجاهلي"، خاصة الأعين التي يمتزج فيها الغموض بالجمال والسحر الأخاذ، ونستشهد هنا ببعض الأبيات الشعرية:

"في ابتسامة المرأة عظمة

 عظمة الحياة وجمالها

 وفي عينيها دهائها وعمقها".

وقد أنشد الشاعر أحمد شوقي قائلا:

"وتعطلت لغة الكلام، وخاطبت عيني في لغة الهوى عيناك".

وقال فيكتور هيـﯖو في المرأة:

"عندما تتحدث إلى امرأة، أنصت إلى ما تقوله عينيها.."

وبدوره تغنى شاعر العيطة العبدية كثيرا بسحر الأعين نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

"عَيْنِيكْ ﯖَالُوهَا، وَفُمَكْ مَا دْوَا"

"عَيْنِيكْ جُوجْ عْدُولْ، كَيْشَهْدُو زُورْ"

"عَيْنِيكْ مَـﯖَـنَاتْ، يْحَسْبُو لَوْقاَتْ"

"اَلْعَيْنْ اَلْكَحْلَةْ اَلٍلي بْلَا كْحُلْ، كَتَحْيِي وَكَتَقْتُلْ"

 

وبانتقال الشاعر إلى الجزء الثاني من قصيدته العيطية، قدم وصفا جميلا للمرأة/ الحبيبة وأوصافه حسب المناطق الجغرافية (فاس وعبدة)، إذ يقول:

"وَاشْ شَفْتِي كِيمَا شَفْتْ أَنَا؟

شَفْتِي شِي فَاسِيًاتْ

بَيْضَاتْ وٌمَسْرَارَاتْ

عْيُونْهُمْ كِيفْ لَحْمَامَاتْ

فِيهُمْ اَلطْوَيْسِيَاتْ

فُمْ بَابْ اَللٍيسٍي خَارْجَاتْ

خْذُوذْهُمْ كِيفْ اَلْوَرْدَاتْ

مْفَتْحَاتْ دِيمَا"

"وَاشْ شَفْتِي كِيفْ شَفْتْ أَنَا؟

شَفْتِي شِي عَبْدِيًاتْ

حَمْرَاتْ وُ زَرْوَالَاتْ

خْذُوذْهُمْ كِيفْ اَلْوَرْدَاتْ

فُمْ بَابْ اَلْحَمًامْ خَارْجَاتْ

كُلْ صَاﯖْـ وُ سَرْوَالُو جْدِيدْ

قُبًةْ شْرِيفِي فِيهَا اَلدْبُوحْ

كِيفْ دِيمْا وَالدًايْمْ اَلًلهْ"...

 

إن المستمع لمتون أغنية عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ" يستشف أن صوت الجمال ومفاتن الأنوثة حاضر في كتابة "الشاعر/ الناظم" الشفهية، ويخترق مسامع المتلقي لينقل درجة الهيام والحب العذري لدى شاعرنا العبدي، هذا الجمال الذي يأسر الأفئدة ويقهر القلوب المتعطشة للحبيبة "عَايْشَةْ بَنْتْ اَلْمَكٍي"، لأنه افتتن بجمالها وأصابه مس جنوني بسبب الرفض، بل أنه ارتقى به إلى درجات السمو والزهد في الحياة، وأثر على ذهنه وعقله الباطن / الواعي، من هنا جاء وصف شاعرنا بغزله العذري حيث يصف محاسن المرأة الداخلية من خلال سلوك الأخلاق والقيم الإنسانية، من محبة وعطف وحنين وشوق. فضلا عن إنشاد غزله الحسي المتمثل في متونه الشعرية لما يصف محاسن المرأة/ الحبيبة مثل عيونها وخديها ولون بشرتها...