الأحد 29 نوفمبر 2020
كتاب الرأي

اسمهان عمور: سحر مكروفون المذياع في زمن الأيباد والأيفون والأنترنيت

اسمهان عمور: سحر مكروفون المذياع في زمن الأيباد والأيفون والأنترنيت اسمهان عمور
في أول خطوة لي في منتزه الحسن الثاني بالرباط بعد ما أصاب قدماي من عطب ، الأول بفعل سقطة الدرج والثاني بمرض الشلل الرعاشي .
أنا والحسين في إطلالة سريعة على المنتزه مشينا بطيئا نظرا لما أعانيه من ألم في الكاحل : ساحة خضراء فسيحة ندر مثيلاتها في المغرب، نظافة، حراسة وعشب كتب على حافته ممنوع الجلوس وكراسي بلونين أبيض وأخضر يغري بالتأمل .
مررنا بمحاداة الحارس الجالس بعد تعب وهو ينصت إلى ما جاء به المذياع من هول ما وقع في نيس الفرنسية ، لم أكن أرغب في الإلتفات إليه ولكن شدني وجومه والتصاقه حد التماهي بالمذياع الصغير منصتا غير ٱبه بمن حوله وهو الذي إئتمن على حراسة الفضاء .
التقطت عبارة جاءت في الحوار الإذاعي وهو أن كل الديانات لا تحيد عن هذا الغلو ، لا البوذية ولا اليهودية ولا غيرها  مما يعتنقه البشر .
لم يثرني ما سمعته بقدر ما شدتني صورة الحارس وهو ملتصق بالمذياع .
هل المذياع حقا منبع لفهم ما يجري في هذا العالم ألا زالت للمذياع سلطة التنوير ..... كثرت المحطات الاذاعية ...كثرث الأصوات التي لم نعد نتذكر منها أحدا ، إختفت نبرة المذيع الذي ما ينطق الحرف الأول حتى تعلم من هو ،
المذياع كان النواة الأولى الذي تلتف حوله القيادات السياسية والجماهير الشعبية ، المذياع ذالك الصندوق الذي نقل خبر المقاومة المسلحة وأغاني الحسين السلاوي ومسلسل الأزلية وسهرات الست .
كانت موجة إذاعية وطنية وحيدة في بلدنا هي قبلة المستمع الذي شغف في مرحلة من مراحل البث بأصوات بنددوش لطيفة القاضي السيدة ليلى محمد الجفان محمد السباعي وادربس الجاي ........
تساءلت  وأنا التي خبرت الإذاعة لأزيد من ثلاثين سنة ، هل كانت ٱذان في بقع ما من جغرافية الإستماع تلصق ٱذانها لتستمع إلى نبرات صوتي ، الصوت الذي قيل عنه له سحر خاص يشي بانتمائي إلى بلد ٱخر غير بلدي .
مكرفون الإذاعة استلبني لسنين طويلة صرت لا أنام ولا أصحو إلا على ذبذبات هنا موسكو ، هنا إذاعة هلفرسم ، هنا لندن وضحكات مقدمي ندوة المستمعين بها وصوت العرب وطبعا إذاعتنا الوطنية التي كنا نضبط الساعة على رناتها .
لم أكن أعلم أن للمذياع قوة الجذب في يومنا هذا زمن الأيباد والأيفون والأنترنيت ، الذي يقدم لك كل إذاعات العالم في صفحة واحدة ، فقط أنقر هنا .
كم أصبحت حركات اليد نقرات وكم أصبحت أجسادنا في عزلة نحن الذين تكومنا أسرة بكاملها أمام المذياع في وقت مضى .