الأحد 17 يناير 2021
كتاب الرأي

عبد الغني السلماني : علم الأبدان تاريخ الطب المنسي

عبد الغني السلماني : علم الأبدان تاريخ الطب المنسي عبد الغني السلماني

الطب البديل والشعوذة

تتسرب العديد من الأشرطة والتسجيلات للأستاذ محمد الفايد عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهو يحاضر في كل الأمكنة بما فيها البيوت والمساجد وباقي المرافق.

يتحدث عن أهمية الغذاء وسلامة الجسد، وهذا جانب مهم لا يختلف فيه كل الناس، لكن أن تدفعه الحماسة واستثمار تركيز الناس والتجاوب معه، أن يشرعن ما يقال وما لا يقال. فذلك نظر آخر !..

في أحد الأشرطة يتحدث عن الذبح والحنان وبداية نظرية نفسية جديدة دون علم بن سيرين وفرويد ويونغ ولاكان، وكأن هذا الفتح هو أول نظرية نفسية بديلة لزرع الحنان؟ هنا لم يعد العلم بل شيء آخر.

أخطر ما يهدد المعرفة هو تلبيسها هوية إيديولوجية، والعمل لفائدة فرقة أو جماعة أو تنظيم. بمعرفة أو دونها. هنا تضيع المعرفة ويتم التشويه على المقدس والمشترك أيضا. هذا ليس حكم قطعي لكن بداية للنقاش ؟

مالا يُفهم في النقاش:

أصل الحكاية أن نؤصل للشيء بالإقرار أن الطب الإسلامي يعتبر رمزا من رموز الحضارة الإنسانية حتى أن كثيرا من كتب الطب الإسلامي كانت تٌدرس في الدول الغربية إلى عهد قريب، إلى أن بدأ الطب الإسلامي يتراجع تدريجيا منذ بدايات القرن العشرين .

ويعزى هذا التحول إلى اتجاه مدارس الطب للاعتماد الكلي على الدواء الكيميائي، والذي أظهر عبر سنين مضت أضرارا جانبية كثيرة، تتفاقم سنة بعد أخرى، لتركيز الطب الحديث على معالجة أعراض المرض وليس على أصل نشوء المرض؛ مما أدى مع مرور الوقت إلى انعدام النظرة الشمولية للجسم وإضفاء الصبغة التجارية على التعامل مع الأمراض بشتى أنواعها ومُسبباتها.

ولتعزيز هذا الطرح ظهرت أصوات واجتهادات تدافع على ما يسمى اليوم بـ ''الطب البديل'' الذي يركز على البحث عن سبل أخرى للعلاج تكون أقل خطرا وأكثر فاعلية لجسم الإنسان بتجنب الأدوية الكيميائية والتركيز على أصل المرض وليس أعراض المرض.

إنها النظرية التي حاول ابن سينا أن يضع لها قواعد في كتبه العديدة من أجل البحث عن شفاء للجسد دون أضرار جانبية، لذلك تحدث بن سينا عن أهمية الطعام وأضراره التي تلحقها بجسم الإنسان ، ربما هذا هو عمق طروحات الأستاذ الفايد رغم أنه لا يحيل إلى مراجعه وربما لا علم له بها ولهذا يتعامل بتعالِ أنه يتحدث في موضوع يعتبر نفسه مالكا لأسراره، وأمام الجهل بهذا الإرث الجليل يظهر للمتتبع أن طروحات الفايد كلها جديدة ومهمة مادام الدواء ليس من حق الجميع، وما دام التشافي يتطلب إمكانيات وبنيات صحية تحتية كافية ومُستوعبة لحجم المصابين بالمرض.

وربما لو بقي الأستاذ الفايد في هذا الاتجاه سيكون مقدما لطروحات كَتب عنها العديد من الأطباء القدامى بتميز هو ما يسمى ''علم الأبدان'' الذي يَنظُر للبدن نظرة شمولية ويفرق بين أبدان الناس كل بما يناسبه من غذاء ودواء، حيث الهاجس العلمي هو إرجاع البدن لحالة الاتزان الصحي، مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي استجدت على بيئة الإنسان وغذائه.

الحرية هي الأصل:

ما تثيره أشرطة الفايد هذه خلال هذه الأيام من اختلاف بين رائدي وسائل التواصل الاجتماعي واختلاف بين مساند ومعارض يثير الكثير من القلق والمخاوف حول حرية التعبير والتفكير لأن الشرط الرئيسي للتقدم الفكري والأخلاقي عند الشعوب يكمن تحقيقه كلياً في نطاق القدرة الذاتية للإنسان. عن طريق الحرية التامة للفكر والتفكير . فترسيخ هذه الحرية، بلا شك، أهم إنجازات الحضارة الحديثة وشرطها الجوهري للتقدم الاجتماعي. هذا ما يلزمني تحديده وهذا هو الحافز للتفاعل مع ما يروج ويكتب ويتداول.

الأستاذ عبد الله العروي في مؤلَّفه مفهوم الحرية (1983) خلص إلى نتيجة مفادها غياب المفهوم (الحرية) في الفكر العربي "كما تصوره القرن التاسع عشر وكما ورثناه عنه كلياً أو جزئياً. فالحرية تدور حول الفرد الاجتماعي، أي الفرد كمشارك في هيئة انتاجية. كان المجال التنظيمي الإنتاجي هو مصب اهتمام الليبراليين، وهذا المجال بالضبط هو الذي يختفي في الاستعمال الإسلامي التقليدي".

وينبّه الأستاذ العروي إلى وجوب التفرقة بين حرية نفسانية ميتافيزيقية يتناولها الفكر الإسلامي بالتحليل وبين حرية سياسية اجتماعية يحصر فيها الفكر الليبرالي كل تصوراته. وربما هو مربط الفرس الذي يكرس الخلفية الفكرية لتناول المفهوم والوقوف على خلفياته وهذا مجال للبحث لا يتسع هذا الحيز للتفصيل فيه .

هذا التأطير يدفعنا كي نقف عند المشترك الحضاري الإنساني حيث كان العقل الإسلامي مبادرا ومساهما في إنتاجية الثقافة الإنسانية ومساهما فيها . وهنا تحضرني تجربة الطبيب الفيلسوف الموسيقي ابن سينا.

ابن سينا الطبيب العبقري :

يعتبر ابن سينا المتوفى عام 1037 م أحد أهم الشخصيات العلمية والفكرية التي لم تقتصر آثارها على العالمين العربي والإسلامي فحسب؛ بل وعلى البشرية برمتها، في سابقها وحتى في حاضرها. ومن هنا؛ فإن العلوم الطبية التي تركها أمير الأطباء، ظلت ذخيرةً للبشرية التي يمكن لها -بعد مرور أكثر من 10 قرون العودة إليها والاستفادة منها.

خلّف ابن سينا وراءه 450 كتاباً ومؤلفاً ورسالةً بقي منها اليوم 240 مجلداً و مخطوطة، منها الطبي وبعضها الفلسفي أيضا، فقد كان شخصية موسوعية منهمكة في تحصيل العلوم والمعارف وبثها. هؤلاء من نقول لهم العلماء والخبراء وليس المشعوذين من لا يقدرون على نشر عمل علمي .. احترموا التاريخ عودي لمكتبة الإسلام الحضاري، ابن رشد ابن طفيل ابن باجة أبو بكر الرازي، ابن سينا ، هناك دواء للروح والعقل والجسد ...

البحث العلمي أساسي للارتقاء بالشعوب وتحضرها، وإذا كان الطب الحديث نجح في تشخيص العديد من الأمراض المزمنة؛ بسبب التغيير الكبير في العادات الغذائية والبيئية، لكن لم يتوصل إلى علاجها أو الوقاية منها. ومن هذا المنطلق تم التركيز على أهمية تغيير السلوك الغذائي الخاطئ المتمثل في عدم موافقة نوعية الغذاء للبدن أو بسبب طرق تصنيعه أو طرق حفظه ربما أثر سلبا على توازن الإنسان الصحي. إنه المجال الذي يتطلب التأليف والبحث والاشتغال في المختبر حتى نقدم للناس ما ينفعهم "وأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ، كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ" .