مرة أخرى، يثبت المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم أن المستطيل الأخضر ليس مجرد ساحة تنافس رياضي، بل فضاء حيّ لتجسيد القيم الوطنية وترسيخ الانتماء الجماعي. الانتصار الأخير لم يكن مجرد نتيجة تُضاف إلى سجل المغرب القاري، بل كان حدثاً أعاد توحيد نبض الشارع، من طنجة إلى الكويرة، في لحظة فرح جماعي نادرة أصبحت تمثل حاجة مجتمعية عميقة.
ويكفي أن نشير إلى أن أسود الأطلس حققوا إنجازاً تاريخياً بالتتويج بلقبهم الثالث في بطولة إفريقيا للاعبين المحليين (CHAN)، بعد فوزهم في نهائي مثير على منتخب مدغشقر بثلاثة أهداف مقابل هدفين، مساء السبت بملعب “موي الدولي” في نيروبي، مسجّلين بذلك رقماً قياسياً غير مسبوق في تاريخ هذه المنافسة القارية. هذا الفوز لم يكن مجرد تتويج رياضي، بل لحظة وطنية استثنائية أعادت للمغاربة شعور الفخر الجماعي وعكست قوة المشروع الرياضي المغربي.
الرياضة اليوم لم تعد رفاهية، بل أصبحت أداة استراتيجية لصياغة هوية مشتركة وتعزيز الشعور بالانتماء، خاصة في زمن العولمة الذي يهدد الخصوصيات الثقافية للشعوب. إن احتفال المغاربة بهذا الإنجاز بشكل عفوي وشامل يكشف عن قوة الرمزية التي تحملها كرة القدم، وقدرتها على تحويل الانتصار الرياضي إلى طاقة وطنية إيجابية، تعيد الثقة بالنفس وترسّخ الاعتزاز بالراية المغربية.
هذا التتويج يعكس في عمقه نجاح رؤية وطنية واضحة، جعلت من الرياضة رافعة للتنمية البشرية والدبلوماسية الموازية على السواء. فقد استثمر المغرب خلال العقدين الأخيرين في تطوير بنيات تحتية رياضية بمواصفات عالمية، وأولى اهتماماً كبيراً بتكوين الأطر التقنية، في تجسيد عملي لرؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي أدرك مبكراً أن الرياضة ليست مجرد ترفيه، بل أداة لتقوية اللحمة الوطنية وتثمين الرأسمال البشري.
ولعل اختيار المغرب لاحتضان كأس إفريقيا للأمم 2025 ثم مشاركته في تنظيم كأس العالم 2030 يمثل تتويجاً لهذا المسار ويؤكد أن المملكة أصبحت وجهة رياضية كبرى على الصعيدين الإفريقي والدولي. هذه التظاهرات ليست فقط فرصاً للفرجة الرياضية، بل أيضاً منصات لعرض النموذج المغربي في التخطيط والتنظيم، وتعزيز صورة البلاد كفاعل مسؤول وقادر على احتضان أكبر الفعاليات الكونية. إن نجاح المغرب في تنظيم هذه الأحداث سيضاعف من إشعاعه الدولي، ويخلق دينامية اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة، ما يعمّق الشعور الجماعي بالفخر والانتماء.
ولا يمكن إغفال البعد الإفريقي لهذه الإنجازات، إذ يشكّل المغرب اليوم جسراً للتواصل الرياضي بين شعوب القارة، ومركزاً لتنظيم أكبر المنافسات الإفريقية في أجواء احترافية وآمنة. إن انتصارات المنتخب الوطني لا تعزز فقط الهوية المغربية، بل تمنح بعداً قارياً لرؤية المملكة القائمة على التضامن الإفريقي، وتقوية روابط الأخوة بين الشباب الإفريقي من خلال الرياضة، بما يجعلها أداة لوحدة القارة وتكاملها.
إن انتصار المنتخب الوطني يذكّرنا بأن الرياضة تمثل لغة موحّدة يتقاسمها الجميع، مهما كانت اختلافاتهم الاجتماعية أو الجغرافية. إنها تخلق لحظة وطنية صافية، يتساوى فيها المواطنون في الفرح والفخر، وتفتح المجال لتجديد عقد الانتماء الرمزي بين الدولة والمجتمع. من هنا، يمكن القول إن كل هدف يسجله المنتخب هو بمثابة استثمار في رأسمال اجتماعي، وكل انتصار هو لبنة جديدة في بناء وطن متماسك واثق بنفسه، مستعد لاحتضان العالم في 2025 و2030 بروح المسؤولية والابتكار.
