الأربعاء 22 مايو 2024
كتاب الرأي

مصطفى المنوزي: من أجل ترسيخ الشرعية القانونية قبل المشروعية الأخلاقية

 
 
مصطفى المنوزي: من أجل ترسيخ الشرعية القانونية قبل المشروعية الأخلاقية مصطفى المنوزي
مساهمة في النقاش المعرفي القانوني المفتوح حول تعديل مدونة الأسرة من خلال تعليق على حكم أسري إبتدائي قضى بسماع ثبوت الزوجية إستنادا إلى قرار صادر عن محكمة النقض:
أولا موجز لوقائع وإجراءات القضية: تقدمت مدعى عليها أصليا بمقال مضاد تطلب بمقتضاه الحكم بسماع زوجيتها من المدعي أصليا وذلك كمقابل لدعواه الأصلية والتي طالب بمقتضاها الإشهاد له بتراجعه عن الإقرار ببنوة طفل بعلة أنه حرره تحت الضغط والإكراه  ( أي قابل للإبطال لعيب الإكراه ). 
وقد قضت المحكمة وفق مقال المدعية فرعيا وردت المقال الأصلي وذلك باعتماد قرارين صادرين عن محكمة النقض. 

ثانيا: المناقشة والتعليق: 
نخصص المقالة هاته للتعليق على الشق الصادر في شأن الحكم بسماع دعوى الزوجية والحكم بثبوتها. 
عقب المدعي اصليا على المقال المضاد  بدفع سبق البت من طرف نفس الهيأة داخل نفس المحكمة والتي  قضت بعدم قبول الدعوى لإنصرام أجل سماعها، والذي انقضى بحلول يوم 19 /02 /2019  طبقا للمادة 16 من مدونة الأسرة . 

المحكمة قضت بقبول الدعوى بعلة أنه رغم سبق رد الدعوى شكلا؛ فإنه من حق المحكمة أن تراجع موقفها في ضوء صدور قرار  لمحكمة النقض يوجز قبول دعوى سماع ثبوت الزوجية، وهو القرار عدد  الصادر بتاريخ  في الملف رقم قبل مناقشة القرار لا بأس من التأكيد على أن المحكمة لم تأخذ بالدفع بسبقية البت ولا يمكنها مراجعة الموقف بعد أن سبق وإن ردت دعوى نفس الطرف ولنفس السبب والموضوع وعلى أساس أن الأجل المسموح في نطاقه تقديم الدعوى إنصرم بقوة القانون. كما لا بمكنها تعليل هذا التراجع وتمديد الأجل، رغم صراحة وإلزامية نص اامادة 16 من مدونة وتعليل تراجعها بعلة الإستناد إلى قرار لمحكمة النقض يمدد الأجل . 

نبسط مضمون المادة 16 م أسرة ونناقش كل مقتضى على حدة وفق مايلي: 
الفقرة الاولى: 
"تعتبر وثيقة الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج" . 
العبارة واضحة بأن وثيقة الزواج أي عقد الزواج الموثق  تعد الوسيلة ( المشرع أكد على التعريف ولم يقل وسيلة هذه الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج، والمشرع أكد على التعريف ولم يقل مقبولة، وبالتالي فمعنى الصريح أنه لا يقبل لإثبات الزواج إلا بوثيقة الزواج . وهذا هو القاعدة والأصل.
 
الفقرة الثانية: 
إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد، في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة. 
هذه الفقرة تعتبر مقتضى يشذ عن الأصل أي تشكل إستثناء للقاعدة، وهذا يعني أن الاصل هو وثيقة الزواج والإستثناء هو سماع دعوى الزوجية في حالة وجود أسباب قاهرة؛ والتي توظف فيها سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة؛ أي أن الدعوى تسبق الوسائل، وأن الدعوى لا يمكن سماعها  إلا بعد إثبات أسباب القوة القاهرة التي حالت دون توثيق عقد الزواج. 

الفقرة الثالثة: 
تأخذ المحكمة بعين الإعتبار، وهي تنظر في دعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية، وما إذا رفعت في حياة الزوجين. 

يبدو جليا بأن هذه الفقرة لا يمكن تفعيلها كإستثناء من القاعدة، أي أنه  لا يصل القاضي إلى هذه المرحلة إلا بعد ثبوت وجود أسباب قاهرة، وبالتالي أنه على الطرف مدعي الزوجية أن يبين بالحجة بأن هناك أسباب قاهرة حالت دون إستطاعته توثيق عقد الزواج ( طبعا توثيق العقد يتم لدى العدلين ). 

الفقرة الأخيرة من المادة 16: 
يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة إنتقالية لا تتعدى خمس سنوات، إبتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ. 
وجبت الإشارة إلى أن الفترة مددت بمقتضى القانون وصار آخر أجل لا يمكن سماع الدعوى بعده وهو 05  /02  /2019. 

إذن المشرع أجاز سماع دعوى الزوجية بصفة إستثنائية شريطة إثبات وجود اسباب القوة القاهرة وداخل أجل لا يتعدى إنصرام الفترة الإنتقالية وهي المحددة في خمس سنوات وتم تمديدها إلى 05 /02 / 2019، وكل دعوى لم تودع خلال هذه الفترة الإنتقالية لا تسمع، وهذا ما انضبطت له المحكمة الإبتدائية في حكمها السابق عندما قضت بعدم قبول الدعوى لإنصرام وانقضاء الفترة الإنتقالية؛ ويمكن ملاحظة ان المشرع أكد على سماع دعوى ثبوت الزوجية محددة بصفة إستثنائية خلال فترة إنتقالية أي مؤقتة وذلك لتمكين من فاتتهم الفرصة لتحرير وتوثيق عقد الزواج في وقته، وعبارة في وقته المقصود أصلا قبل صدور مدونة الأسرة والتي اعتبرت وأكدت على أن عقد الزواج هو الوثيقة المقبولة لإثبات الزواج، ورغم ذلك فأغلب الدعاوى التي قدمت تتعلق بعلاقات غير موثقة جاءت لاحقة على صدور المدونة ولاحقة بعضها على الأجل الوقت المحدد في خمس سنوات وبعد تمديده. 

ويبدو أن صياغة نص المادة 16 لم تكن موفقة على مستوى تدرج المقتضيات وأهميتها ومنهجيتها، من الشكل والأجل إلى إثبات وجود السبب القاهر  اوتبرير الإستثناء ثم إنتهاءً بوسائل الإثبات فإعمال السلطة التقديرية والأخذ بعين الإعتبار بالظروف المضمنة في الفقرة الثالثة كنتيجة وآخر مطافى لإستكمال عملية سماع الزوجية. 

والآن لنبسط ولنناقش محتوى القرار الذي اعتمدته المحكمة الإبتدائية أولا للتراجع عن موقفها القانوني السابق، وثانيا لتفتح أجلا لم تنص عليه المادة 16 من مدونة الأسرة. 

يلاحظ بأن الحكم الإبتدائي إستنجد بقرار فريد لمحكمة النقض بدعوى أن غرفة الأحوال الشخصية المصدرة له  اعتمدت  المادة 400 م أ  دون أن يعلل لجوءه هذا ، والحال أن القرار تم تأويل محتواه وأبعاده  وهذا ما سيتم توضحه  وفق مايلي: 
ذلك  إن غرفة الأحوال الشخصية لدى محكمة النقض قضت فعلا في قرارها  رقم 358/1 بتاريخ 21/06/2022 في الملف الشرعي عدد 372/2/1/2022  بنقض قرار إستئنافي في موضوع ثبوت الزوجية  وفق التعليل التالي:
"لما قضت بعدم قبول طلب الطاعنين بعلة أن أجل سماع دعوى الزوجية يجب أن يتم قبل 5 فبراير 2019 (وهو أجل انتهاء العمل بالترخيص القانوني المؤقت بإقامة دعاوى ثبوت الزوجية الذي كانت تنص عليه المادة 16 من مدونة الأسرة)، وأن تقديمها الدعوى بتاريخ 14-08-2021 (أي خارج فترة سريان المادة 16)، والحال أن الزواج المدعى به يعود لسنة 2007، أي في الزمن الذي كانت فيه المادة 16 ماتزال سارية المفعول (انتهت في 5/2/2019)، تكون قد خرقت المادة المذكورة". 

ويبدو جليا  أن التعليل  تعلق بنقطة خرق المادة 16 من المدونة لأن الزوجية المراد إثباتها تعود  لزمن لا زالت فيه المادة 16 مدونة الأسرة سارية المفعول  أي سنة 2007، وبالتالي فنطاق تطبيق المادة 16 الزمني لا زال ساريا. وهنا إنتهى التعليل الذي بموجبه تم نقض القرار الإستئنافي. 

أما الحيثية المضافة والتي جاءت في نفس القرار فهي  علة زائدة ؛ ذلك أن غرفة الأحوال الشخصية أضافت لاحقا  في نفس القرار: 
"وأنه حتى على فرض انتهاء الفترة الانتقالية، ودونما وجود نص يحدد تاريخ سماع دعوى الزوجية، فإنه يُرْجَع حينئذ للنظر فيها، طبقاً للمادة 400 من مدونة الأسرة، إلى المذهب المالكي والاجتهاد القضائي الذي يراعَى فيه تحقيق العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف". 

من هنا  يتضح بأنه في التعليل الأول حسم الأمر بإقرار غرفة الأحوال الشخصية بأن واقعة الزوجية تمت داخل الأجل ؛ ثم جاء في العلة المضافة  الزائدة؛  لأن القرار الإستئنافي نقض دون حاجة إليه ، جاء فيها بأنه  " على فرض إنتهاء الفترة الإنتقالية " ثم تلته جملة اعتراضية  " ودونما وجود نص يحدد تاريخ سماع دعوى الزوجية "  أي في حالة عدم وجود نص قانوني يحدد الأجل ، يرجع حينئذ  ( أي حينما لا يوجد نص ) للنظر في ثبوت الزوجية إلى المذهب المالكي والإجتهاد القضائي.

إن الحكم الإبتدائي وإن إستدل بالقرار نفسه؛ فإنه فيما يخص نازلتنا الحال فإدعاء واقعتي  العلاقة بين الطرفين وتقديم دعوى ثبوت  الزوجية جاءا معا في تاريخ لاحق على تاريخ توقف فيه سريان المادة 16 ، وبالتالي فالشق الأساسي من التعليل لا ينطبق لعدم تماثل النازلتين . في حين يظل الأخذ بالعلة الزائدة مشروطا بإنعدام وجود النص والحال أن المادة 16 من مدونة الأسرة حسمت نقطة الأجل .  فبغض النظر عن كون الحكم الإبتدائي  لم يراع نسبية القرار لأن النازلة تتعلق بإرادة الزوجين معا وتعد النيابة العامة خصمهما، وفي هذا يكفي توارد وتوافق إرادتهما ؛ والحال أنه في نازلتنا الأمر مختلف تماما حيث المدعية فرعيا تطلب سماع الزوجية في مواجهة العارض مع تسجيل إعتراض المتدخلة في الدعوى أي الزوجة الشرعية للعارض؛ بصرف النظر عن ذلك؛ فإن المحكمة الإبتدائية  لم تعلل لجوءها إلى استعمال المادة 400 م أسرة، في ظل وجود المادة 16 م أ، كما لم توضح أي فقه تبنت من بين مذاهب الفقه المالكي وهو متعدد ومختلف الإتجاهات. 

لذلك وجب التساؤل حول مدى وجود فراغ قانوني من عدم وجود نص قانوني  يؤطر القضية ويلزم القضاء الإستنجاد بالمادة 400 من مدونة الأسرة؟  
 مضطرون  والحالة هاته للتفصيل في نقطة اللجوء إلى الفقه المالكي ، لأن  السؤال يظل عالقا  حول  الرأي الفقهي المناسب، خاصة وأن الحمل والولادة لم يقعا إلا بعد أكثر من  سنة من إدعاء الزوجية بطقوس الخطبة  على علتها.
 
لأن الآراء في المذهب المالكي قد تكون مختلفة، ويمكن لقاض أن يعمل برأي محدد، وقاض آخر يعمل في حدود المذهب برأي مخالف لرأي المذهب الأول، وهذا من شأنه خلق تنازع فقهي ومعرفي ، مما قد يسبب  في حصول انفلات أو محاولة انفلات بعض السادة القضاة من نصوص المدونة، للارتماء في أحضان المذهب المالكي في بعض النوازل التي عرضت على المحاكم . فعلى سبيل المثال صعوبة تطبيق قاعدة  "لا نسب مع حد "، وهي حالة تنطبق على نازلتنا ! وقد صدر عن محكمة النقض  (قرار محكمة النقض عدد 275/  1 الصادر بتاريخ 29 /09 /2020. في الملف الشرعي رقم 36 / 2 /1 / 2018 والذي جاء فيه: 
"" بناء على الفصل 32 من الدستور الذي ينص على أن " الأسرة القائمة على الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع "، وبما أن المادة 148 من مدونة الأسرة تنص على أنه لا يترتب على البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية ؛ فإن المطالبة بالحكم بثبوت الأبوة البيولوجية غير الشرعية للبنت مع المطلوب في النقض مع إنقطاع النسب بينهما لا موجب يبرر  الحكم لا شرعا ولا قانونا. والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما عللت ما جرى عليه منطوق قرارها بأنه ثبت لها أن العلاقة التي كانت تجمع كرفي النزاع هي علاقة فساد؛ وأن إبن الزنا لا يلحق بالفاعل ولو ثبت بيولوجيا  أنه تخلق من نطفته لأن هذه الأخيرة لا يترتب عنها أثر يذكر؛ وأن البنت تعتبر  أجنبية عن المطلوب في النقض ولا تستحق أي تعويض ؛ لأنها ناتجة عن فعل غير مشروع كانت امها طرفا فيه. وأن المحكمة لما طبقت القواعد القانونية وقواعد الفقه المعمول به ، وهي بمثابة قانون يقرر  بأن ولد الزنا يلحق بالمرأة لانفصاله عنها بالولادة، بغض النظر عن سبب الحمل هل هو وطء بعقد شرعي أو شبهة او زنا ويكون منقطع النسب من جهة الأب ولا يلحق به بنوة ولا نسبا . وعللت قرارها تعليلا سليما ولم تخرق المحتج به ."" 

لقد بسطنا هذا القرار للتأكيد على االجوء إلى تطبيق المادة  400 من مدونة الأسرة قد لا يفي دائما  بالمطلوب؛ فالشرعية القانونية أقوى حجة على مشروعية التطبيق والإجتهاد، في ظل توفر إرادة لبناء ومأسسة دولة القانون الضامنة للحقوق ، حيث يرجح الحق في  الأمن القانوني على مطلب  الأمن القضائي، والذي لا يعني،  بالنسبة لحكمة المشرع الدستوري، سوى أن الأجل، بصفة إنتقالية وإستثنائية؛  فتح لسماع دعوى الزوجية كفرصة لشرعنة الزوجية التي حالت أسباب قاهرة دون توثيقها، وبذلك في ظلال نذرة عدد القرارات الصادرة بقبول دعوى الزوجية غير المتواترة، ولا يمكن أن تشكل إجتهادا ؛ في ظل ورش الإصلاح المفتوح  حول مدونة الأسرة وفق تحفظ صريح للمَلك بصفته أميرا المؤمنين ومحتكر الشرعية الدينية والذي يؤكد مرارا  لا يمكن تحليل ما حرم الله ولا تحريم ما حلل الله، وبالمقابل يعتبر أن التحديث والإنفتاح ضروريين لنكريس دولة القانون والمؤسسات، رغم أن  العبارة / الشعار يستعملهما  بعض المتشددين بإنتقائية وحسب الأهواء ، كلما  تعلق الأمر بتزويج القاصرات والإذن بالتعدد، متجاهلين أن  الفقه المالكي متعدد وشديد الإختلاف ، وهذا ينعكس على التعدد الجاري  فيما بين القضاة، ناهيك عن ضرورة إستحضار الفرق الجوهري بين العمل القضائي والإجتهاد القضائي وبين آثارهما، مما يتطلب  ضرورة صدور قرار عن الغرف مجتمعة، وإلى ذلك الحين لا يعقل الأخذ بل الخضوع لقرار فريد أسيء تأويله وصارت تتبناه بعض المحاكم الإبتدائية دون تمحيص بإستحضار النسبية والخصوصية، فقد ذاع صيت القرار  لمجرد أنه ورد ضمن تقرير / كلمة  السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى  خلال افتتاح السنة القضائية في  يناير  2023، وفي نظري المتواضع أن هناك توجيه لفتح المجال والأجل لآخر مرة قبل حذف مقتضى ثبوت الزوجية من نص المادة 16 م أ بثغة نهائية لقطع الطريق على كل تعسف في إستعمال هذا الحق، ولأن المناسبة شرط فإن الحكم موضوع نازلتنا رد الدفع المتعلق بكون دعوى سماع الزوجية ،  والتي قدمت بعد  صدور حكم بعدم قبول دعوى الإذن بالتعدد، بكون الزواج سابق على التعدد  وبالتالي لاتنطبق شروط مسطرة التعدد، رغم أن العكس هو الحاصل،  و في هذا الصدد صدر القرار عدد 128 الصادر بتاريخ 25 مارس 2009 في الملف عدد 558 / 2/ 2008 والذي انبنى على خلفية عدم جواز استعمال دعوى الزوجية لتجاوز مسطرة التعدد فقد جاء فيه: 
المحكمة لما قضت بثبوت الزوجية بناء على شهادة المستمع اليه دون بيان السبب القاهرة  الذي حال دون توثيق العقد في إبانه، ودون ان تتحقق من تطبيق النصوص القانونية المنظمة للتعدد في مدونة الأسرة، قد خرقت مقتضيات القانون.  وبذلك فإن التعليل بأن مسطرة التعدد غير مطلوبة بعد ثبوت الزوجية، تعليل ناقص عن درجة الإعتبار لأن الزوجية لا تثبت إلا بعد  صدور حكم يقضي بها ، بدليل أن المحكمة بصدد النظر في توفر شروط الزوجية، وإلا فحكمها سابق لأوانه باعتباره منح صفة الزوجة لطالبة ثبوت الزوجية. وهو حكم مسبق شرعن لعلاقة ( ما ؟ )  قبل التثبت من شروط قبول سماعها ، لم تكلف المحكمة نفسها، قبل الحكم به ، عناء البحث والتحري عن الأسباب المنصوص عليها في الفقرتين 2 و 3 من المادة 16 . وبذلك يتضح  بأن الحكم الإبتدائي موضوع النازلة ، مدد الأجل والحال انه ممنوع حتى  في التعاقد المدني،  وبالأحرى بالنسبة للقانون،  وذلك في المبدأ الدستوري المقر بفصل السلطات،  وبالتالي لا يمكن التشريع محل السلطة التشريعية أو المالك دستوريا للمبادرة التشريعية ، أي لا يمكن قانونا  منح أو تمديد فترة  خارجة  عن الأجل المحدد بمقتضى نص قانوني؛ وبالتالي فحتى المادة 400 م الأسرة تم خرقها فهي تنص صراحة على   ضرورة الرجوع إلى اجتهادات المذهب المالكي في حالة عدم وجود نص قانوني يؤطر قضية ما، والذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف. 

لكن إن هذا  النص إشترط  "حالة عدم وجود نص قانوني يؤطر القضية "، فأليست المادة 16 مدونة الأسرة هي النص المؤطر للقضية ؟، فهي التي اعتبرت أن عقد الزواج هو الوثيقة المقبولة ويمكن قبول سماع دعوى الزوجية في حالة ثبوت سبب قاهر حال دون توثيق الزواج ( بواسطة شاهدين عدلين ) وداخل أجل محدد  قانون انقضى بحلول يوم خامس فبراير 2019 ، ولم يتم تمديده قط منذئذ . ثم  إنه و في إطار توازي الشكليات والوسائل لا يمكن إلغاء أو نسخ نص قانوني إلا بنص قانوني ؛ وليس بمجرد قرار قضائي فريد، هو نفسه لم يعلل الأساس الذي اعتمده  لصرف  النظر عن نص قانوني لا زال قائم الذات ودائم الأثر القانوني ! ناهيك عن كون الفصل 128 ق ل ع والذي جاء فيه بالحرف: 
"" لا يسوغ للقاضي أن يمنح أجلا أو أن ينظر إلى ميسرة ما لم يمنح هذا الحق بمقتضى الإتفاق أو القانون .
إذا كان الأجل محددا بمقتضى الإتفاق أو القانون لم يسغ للقاضي ان يمدده ما لم يسمح له القانون بذلك .  ""
وعلى سبيل الإحتياط وااتحفظ  فإنه وجب تأكيد  مسألتين جديرتين بالإعتبار:
أولا الإستنجاد بالمادة 400 من مدونة الأسرة  لا يتم إلا في حالة وجود فراغ قانوني  ( والحال أن النص متوفر بمقتضى المادة 16 ) وثانيا المادة 400 تنص  على اعتماد الفقه المالكي، و إن الحكم خال من أي موجب للإنتقال من المادة 16 إلى 400 في ظل غياب أي مقتضى يحيل  هكذا ! لأن  المادة 400 مدونة الأسرة تشترط حالة " عدم وجود نص يعالج القضية " والحال أن النص موجود وهو المادة 16 م أ والذي حدد أجلا  ، وهنا لا يمكن للمحكمة أن تبت في نازلة خارج الأجل المحدد  والذي انقضى ، والذي لا يمكن تمديده إلا بمقتضى نص قانوني يعدل ويتمم المادة 16 المشار إليها ، والتي تم القفز عليها وإحلال مقتضى قضائي محل نص قانوني وفي ذلك خرق لقاعدة "" لا إجتهاد مع وجود النص ""  ، ناهيك عن كونه يمس بمبدأ فصل السلطات ، فالأحكام القضائية قد تعتبر مصدرا للتشريع في حالة تواترها  ولا يعقل أن تكون مبررا ووسيلة للتشريع وصنع القانون. 

وقد وجب التنويه على أن اعتماد وجود  " الحمل " أو " أطفال  هو وسيلة فرعية لأجل " المراعاة " وليست وسيلة لإثبات الزوجية، وإن الحكم الإبتدائي تماهت لديه الأمور وتداخلت؛  أي أنها معطيات فرعية تابعة وتبعية من حيث العلاقة السببية، و مدعمة للشروط الواردة في المادة 16 مدونة الأسرة والتي وجب توفرها ، بعد فحص الأجل  ومدى توفر السبب القاهر الذي حال دون إبرام الزواج في وقته . و في جميع الحالات لا يمكن ترجيح الفرع على الأصل والإستثناء على القاعدة إلا بنص قانوني، وفي هذا لا يكفي التذرع بالمصلحة الفضلى للأطفال وبالعمل على تحويل هذا المعطى ( النتيجة ) وهو ثمار علاقة غير شرعية، إلى سبب موجب  لسماع الزوجية،  لأن العلاقة السببية مفارقة ؛ ناهيك عن تجاهل مصالح وحقوق بنات العارض ( والمتدخلة في الدعوى نفسها الرافضة للتعدد المقنَّع ) في حالة ترتيب الآثار القانونية الحكم بثبوت الزوجية . وكنتيجة فإن قرار محكمة النقض المستدل به من قبل المحكمة والمعتمد كتعليل ،  له خصوصيته ، أولا لأنه يتعلق بقضية سابقة على إنقضاء الأجل ، ناهيك عن إستحضاره للمصلحة الفضلى للطفل والذي لا ينكره والداه ( نازلة مراكش )  ، والحال أن  عقد الزواج كوثيقة مقبولة قانونا  لإثبات الزواج لا يمكن قبول غيرها إلا بشروط وداخل الأجل ؛ وأن عبارة " مراعاة " قد تستهدف (من طرف قرار محكمة النقض المستدل به )  حماية الأطفال الناتجين عن زواج الفاتحة من ضياع حقوقهم. لكن تنبغي الإشارة إلى أن مقتضيات المدونة تسمح بإثبات نسبهم في هذه الحالة بسهولة اعتمادا على الإقرار بالنسب، وكذا اعتمادا على شبهة الخطوبة. وهو إطار منظم بإستقلال عن دعوى ثبوت الزوجية ؛ وبالتالي لا يعقل الخلط تعسفيا  بين الوسائل  وبين الظروف المتعين مراعاتها وفق للسلطة التقديرية للقضاء ، والتي لا يمكن أن تتعارض مع حرفية نص المادة 16؛ هذه. المادة 16 من مدونة الأسرة التي تم التحايل عليها بتجاهل وجودها وإلزاميتها، وذلك من شأنه أن يجعل من أي تأويل خارجها تعسفا بل خرقا للقانون وشذوذا عن تواتر  العمل القضائي. ذلك أن  المسلم به أنه متى كانت عبارة النص القانوني واضحة لا لبس فيها ولا غموض فإنها تعد تعبيرا صادقا عن إرادة المشرع ولا يجوز الانحراف عنها عن طريق التفسير أو التأويل أيا كان الباعث على ذلك، وهو ما يعبر عنه علم أصول الفقه بأنه لا اجتهاد مع صراحة النص وضدا على روحه ، فالأصل في النصوص التشريعية هو ألا تحمل على غير مقاصدها وألا تفسر عباراتها بما يخرجها عن معناها، أو بما يؤول إلى الالتواء بها عن سياقها، كما أنه من المستقر عليه كذلك أن المادة 16 من  مدونة الأسرة  لا يجوز التوسع في تفسيرها أكثر مما تحتمل  فهي تشترط أجلا  لا يمكن تمديده بأي وسيلة أو علة أو ذريعة  إلا بمقتضى قانوني وليس بقرار محكمة النقض الذي يحتاج إلى قرارات عديدة متواترة ؛  تسند نشازه وعدم إرتكازه على أساس قانوني يرخص له سماع الزوجية خارج الأجل المحدد.

لربما وجب تقدير " وجود موقف إنساني  بخلفية سياسية  "  دفع مروجي وموظِفي  قرار محكمة النقض إلى مراعاة المصلحة الفضلى  للأطفال  الناتجين عن زواج الفاتحة من ضياع حقوقهم،  لكن تنبغي الإشارة إلى أن مقتضيات المدونة تسمح بإثبات نسبهم في هذه الحالة بسهولة اعتمادا على الإقرار بالنسب، وكذا اعتمادا على شبهة الخطوبة وبالتالي لم يكن من الداعي استعمال المادة 16 من مدونة الأسرة  بل يمكن مباشرة ضمان هذه الحماية والمصلحة الفضلى خارج دعوى ثبوت الزوجية والتي لها شروطها الصريحة، وبنفس القدر يؤاخذ على نفس المحكمة إستنجادها  بالمادة 400 في دعاوى ثبوت الزوجية؛ باللجوء إلى الفقه المالكي، لكن؛ ويا المفارقة، لا تعتمد مقتضياتها  فيما يخص مسطرة التطليق للشقاق بالوكالة ، وهو إجراء فيه مساس بحق الدفاع  ومشوب بشبهة إنكار العدالة.  والموضوع عودة وبقايا!.

مصطفى المنوزي /محام بهيأة الدارالبيضاء رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي