الجمعة 1 مارس 2024
كتاب الرأي

مولاي عبد الحكيم الزاوي: عودة البيوغرافيات التاريخية

مولاي عبد الحكيم الزاوي: عودة البيوغرافيات التاريخية مولاي عبد الحكيم الزاوي
إذا أردنا أن نُنصت لأصداء الأسئلة المنهجية المعاصرة في التاريخيات الغربية وجب أن نعود في موضع منها إلى تشكلات النقاش المنهجي حول موضوع البيوغرافيات التاريخية. لم تكن العودة حينها إلى هذا الموضوع بريئة بالمرة، وقد قرأ البعض فيها عودة في الاتجاه الذي يسير نحو تقويض مكتسبات مدرسة الحوليات، وإعادة إحياء الزوايا المهملة في مختبر التاريخ. وحتى أولئك الذين استقرت قراءتهم لهذه العودة من خلفية الهدم والتقويض والتجاوز فالأمر قد يحمل كثيرا من الوجاهة والمعقولية المنهجية...وعلى أي، فالأمر يحيل في جانب منه على جدل واسع ومستمر لم يحسم بعد رؤية في الكتابة. والأدق، حول وضعية الانطلاق في تشييد ما يسمى بـ"العملية التاريخية" بالمعنى الذي يشترطه المؤرخ ميشيل درسرتو. والواقع، أن النقاش يحيل في حلقات منه حول تاريخ البنيات والأنساق من جهة، وتاريخ الأفراد والفاعلين من جهة ثانية، وإذا عالجنا القضية من خلفية جغرافية بين تاريخ المركز وتاريخ والهامش، بين العام والخاص، بين الكلي والجزئي...
وحتى تتحقق شرطية الفهم ضمن هذه الجزئية من مسار ابستمولوجيا التاريخ وجب أن يتأسس النقاش على خلفية زمنية...المؤكد، أن مدرسة الحوليات تحت تأثير رجع الصدى الذي أحدثته موجة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي ساهمت في استبعاد جنس البيوغرافيا من أوراش الكتابة التاريخية. اليوم، لم تعد لهذا الاستبعاد قيمة أكاديمية إذا ما انفتحنا على الخلاصات التي أتت بها الدراسات الأدبية والفلسفية وحتى دراسات علم الاجتماع والأنثربولوجيا الثقافية.
صاحب هذه العودة البيوغرافية التي قادها مؤرخون، فلاسفة وأدباء، وأحيانا أنثربولوجيون...أن أعاد إلى واجهة النقاش سؤال الاستبعاد المنهجي وخلفياته النظرية...من هنا يمكن أن نُنصت بعمق للدعوة التي أطلقها على نحو مبكر المؤرخ فرانسوا دوس وقبله بول ريكور بسنوات قليلة في سياق موجة السجال مع الجيل الثالث من مدرسة الحوليات. من هنا أيضا، يمكن أن نفهم أيضا خلفية الترافع الدفاعي الذي قاده بحماس منقطع النظير المؤرخ الوسيطي جاك لوغوف من أجل إعادة الاعتبار لمكتسبات مدرسة الحوليات، ولصرف النظر عن كتابة جنس البيوغرافيا. لقد شبَّه لوغوف هؤلاء ب"المهاجرين الذين عادوا بعد الثورة الفرنسية دون أن يتعلموا جديدا أو ينسوا قديما".
يتعلق الأمر حسب لوغوف دائما ب "عودة غامضة" إلى مواضيع تاريخية قديمة، مبتدلة ومتجاوزة بحكم التراكم والمكتسبات. الثابت، لقد غدى صدور كتاب "التاريخ المفتت" في حينه من طرف فرانسوا دوس هذه النقاشات المفتوحة والخصبة بين ممتهني الكتابة التاريخية، ورأى فيه البعض تعبيرا عن حدوث نوع من التصدعات الأبستمولوجيا في جدران الكتابة التاريخية، والآخر عن بداية تشكل خلافات بنيوية أحالت التاريخ إلى سلسلة من المواضيع الميكرو تاريخية ذات المنحى الأنثربولوجي.
طبيعي أن يطرح البعض حينها الأسئلة التالية: هل يا ترى يتعلق الأمر بموضة عابرة؟ أم باختلاف بنيوي داخل صرح الحوليات؟ هل هي عودة مؤقتة إلى مواضيع أغفلتها الحوليات؟ هل هو حنين إلى تاريخ الفرد، ومعه التاريخ السياسي الوضعاني؟ أي إضافة ستصاحب الاهتمام بالسير الفردية والجماعية لأشخاص بطوليين وأحيانا هامشيين؟
بعيد عن فرنسا، كان هذا النوع من التاريخ يرسم مساره في الكتابة التاريخية على نحو متميز، فقد انتعشت كتابة جنس البيوغرافيا في بعض بلدان أوروبا الغربية. والتلميح هنا إلى مدرسة التاريخ من أسفل الانجليزية، ومدرسة الميكرإستوريا الايطالية، ومدرسة التاريخ اليومي الألمانية...كانت هذه التجارب الاستوغرافية في حقيقة الأمر صدى عميق لمجمل التحولات التي شهدتها هذه البلدان بعد الحرب العالمية الثانية...ففي رحاب كليات برلين روما ولندن وها بدأت تتشكل رؤية منهجية تعيد إلى دائرة الضوء دور الأفراد في صناعة الأحداث الكبرى، وتسلط الضوء على فئات اجتماعية منبودة وهامشية...وظهرت بالموازاة مع ذلك أشكال جديدة من أجناس السير مثل السير الجماعية، السير متوازية، السير المتقاطعة، السير الفكرية، وسير الناس العاديين...في مقابل ذلك، ناصب رواد الجيل الثالث لمدرسة الحوليات العداء لجنس البيوغرافيا التاريخية بالصيغة التي اقترحته المدرسة الوضعانية، واعتبروا هذا الجنس بمثابة إحياء جثة من جديد، وتحججوا على ذلك بقلة الضبط، والإفراط في الخيال والتخييل، وانتماء التاريخ السردي إلى المدرسة الوضعانية التي كان قد أسسها كل من شارل سينوبوس وفيكتور لانغلوا. الحاصل، لم يكن الأمر كذلك، فمع بداية الثمانينات من القرن الماضي تألقت عدة بيوغرافيات تاريخية، صاغها باحثون من تخصصات مختلفة، علماء اجتماع، باحثون نفسانيون، أنثربولوجيون، اثنولوجيون، كما مؤرخون...فهل تمثل هذه العودة رِدَّة على مكتسبات الحوليات؟ أم فقط استجابة آنية لرغبات سوق القراءة وتلبية لشغف القراء؟ أم هي إحالة على اقتناع البعض ببداية "بؤس التاريخ البنيوي" وحجبه لقضايا تاريخية رئيسية، وبالتالي انتصار لتيار الوجودية في كتابة التاريخ؟
ومهما يكن فالأمر يحيل على لحظة انعطاف أساسية في مسارات الكتابة التاريخية؛ لحظة رسمت توجها جديدا بإيعاز من جامعات أوربية وأمريكية. الحاصل، توجه جديد يعمق التفكير في الفردانيات ويدقق في خصوصيات الحياة الخاصة لبعض الأفراد والمجموعات، ويعيد بناء نسق الأحداث التاريخية من زوايا نظر جديدة...إلى المستوى الذي جعل مجلة لوفيغارو تصف الموجة ب" بالانفجار البيوغرافي".
 
مولاي عبد الحكيم الزاوي، دكتور باحث في علم الاجتماع