الاثنين 15 إبريل 2024
كتاب الرأي

أحمد الحطاب: الإنسانية والدين

أحمد الحطاب: الإنسانية والدين أحمد الحطاب
الدينُ تأكيدٌ للإنسانية والإنسانية في حاجةٍ إلى الدين، والقاسم المشترك بينهما هو السَّعيُ إلى الخير. فما هي الإنسانية وما هو الدين؟
الإنسانية مستعملةٌ في هذه المقالة ليس كمرادف ل"بشرية"، أي مجموع البشر، لكن كوضعٍ مُجتمَعي مقترنٍ بمجموعة من القيم يتَّصف بها البشرُ دون غيرهم من المخلوقات. وهذه القِيم تصبُّ كلًّها في صالِح هؤلاء البشر. من بين هذه القيم، المنعوثة ب"الإنسانية، أذكرُ على سبيل المثال : الأخوة، التَّعايش، الاحترام، التَّسامح، التَّضامن، التَّعاطف، التَّفاهم… وللتوضيح، لولا هذه القيم، لما استطاع بنو آدم أن يتساكنوا وأن يتعايشوا في تجمُّعات بشرية تُسمى "المجتمعات". فالإنسانُ  كائن اجتماعي، أي كائن يتعايش مع أندادِه، أولاً، في مجتمع صغيرٍ يُسمَّى الأسرة حيث يتعلَّم لغةَ التواصل وأبجديات القيم الأنسانية قبل أن ينتقلَ إلى المجتمع الكبير الذي كلُّه تعليمٌ وتعلُّمٌ، بمعنى أن الحياةَ تُعلِّم الإنسانَ وهذا الأخيرُ يتعلَّم من الحياة. 
انطلاقا من هذا التوضيح، ما أقصِده ب"إنسانية" هو "الوضعُ الذي تتميَّز به مجموعة بشرية ويكون خيطُه الناظِمُ هي الأخلاقٍ العالية". وضعٌ يختلف اختلافا كليا عن ما يُسمَّى ب"البهيمية" bestialité. فعندما نقول مثلا : فلانٌ تصرَّف بإنسانية، فهذا معناه أن فلاناً هذا تصرَّف بأخلاق عالية. وحينما نتحدَّث عن تطوُّر الإنسانية، فالأمرُ يتعلَّق بتطوُّرها أخلاقيا، إما في الاتجاه الذي فيه نفعٌ للجميع، وإما في الاتجاه الذي قد يكون فيه ضررٌ للبعض أو للجميع. والفرقُ بين الإنسانية والبهيمية هو، في الحقيقة، الفرق بين الإنسان والحيوان. الأول رزقه اللهُ عقلا أو مَلَكَآت فكرية تجعله يًميِّز بين الحق والباطل وبين الطيب والخبيث وبين الخير والشر… أما الثاني، فسلوكه يعتمد فقط على الغريزة. الأول له عقلٌ يُسيِّرُه عن وعيٍ والثاني مُسيَّرٌ بغريزته. والغريزة شيءٌ فطري يمكن تلخيصُها في السلوكيات والأفعال التي تُنجَز بدون تجربة أو تجارب مسبقة. الغريزةُ تولد مع الحيوان وهي التي تٌُسيِّرُ حياتَه بجميع مظاهرها. فنقول مثلاً "غريزة البقاء" instinct de survie. وغريزة البقاء هي التي تدفع الحيوانات إلى البحث عن القوت أو الغذاء وهي التي تدفعها إلى التناسل أو التكاثر وإلى الدفاع عن نفسها أو عن منطقة عيشها… 
أما الدين، فهو عبارة عن مجموعة من المُعتقدات والطقوس والممارسات التي، بواسطتها، يعترف الإنسان بوجود قوة عليا يكون مصيرُ حياتِه مرتبطا بها أو يُسنِد هذه القوة العليا لعنصرٍ من عناصر الطبيعة. والدينُ يمكن أن يكونَ مُنزَّلاً عن طريق الوحي للأنبياء والرُّسل. كما يمكن أن يكون وَضعِياً، أي من صُنع الإنسان نفسه. وعليه،  فالقوة العليا هي الله بالنسبة للأديان السماوية والصَّنم بالنسبة لعَبَدَة الأصنام وبوذا bouddha بالنسبة للبوذيين… ويمكن القولُ هنا بأن فكرةَ الدين مقترِنةٌ بوجود الإنسان (العاقل). بمعنى أنه لا وجودَ للدين بدون وجود الإنسان. والدليل على ذلك أننا لم نسمع، في يومٍ من الأيام، أن للمخلوقات الأخرى دينٌ، خارجَ جنس الإنسان. ولهذا، قلتُ في بداية هذه المقالة : "الدينُ تأكيدٌ للإنسانية والإنسانية في حاجةٍ إلى الدين". لماذا الدين تأكيدٌ للإنسانية؟ ولماذا الإنسانية في حاجة إلى الدين؟
جوابا على السؤال الأول، أي "لماذا الدين تأكيدٌ للإنسانية؟"، يمكن القولُ بأن وجودَ كل الديانات مقترن بوجود الإنسان. وكل الديانات، سواءً كانت مُنزَّلةً أو وضعيةً، فهي موجَّهة حصريا للإنسان الذي يتميَّز عن سائر المخلوقات الأخرى ب"إنسانيتِه" كما سبق تعريفُها في بداية هذه المقالة. وهذا دليلٌ لا جِدال فيه بأن الدينَ، سماوياً كان أم وضعِياً، جاء ليُعزِّزَ هذه الإنسانية.
وجواباً على السؤال الثاني، أي "لماذا الإنسانية في حاجة إلى الدين؟، يمكن القولُ هنا بأن طبيعةَ الإنسان تتأرجح بين الخير والشر. لماذا نقول "تتأرجح"؟ لأن طبيعةَ الإنسان غير ثابتة، بمعنى أن هذه الطبيعة ليست مستقِرَّة بصفة نهائية لنقولَ مثلا أن فُلاناً طَيِّبٌ وأن فلاناً آخر شِرِّير طيلةَ حياتهما. لا، إن هذه الطبيعة تتغيَّرُ حسب نفسِيةِ الأنسان وحسب مصالحه وحسب ظروف الوسط أو المجتمع الذي يعيش فيه. فضلا عن أنها تتغيَّر من إنسانٍ إلى آخر علما أن ما يراه الإنسانُ خيراً هو، في الحقيقة، ما يرى فيه نفعاً أو منفعةً له ولأندادِه. وحتى الشَّرُّ يرى فيه صاحبُه منفعةً له وإن ادَّى هذا الشر إلى الإضرارِ بمصلحة الآخرين. هذه هي طبيعةُ الإنسان، أنجبت خيراً أو شراً، فوراءها دائما منفعةٌ. فأين يوجد الاختلافُ؟
يوجد الاختلافُ في كون صاحب الخير يُراعي و يحترم القِيمَ الإنسانيةَ وأدبياتِ ومبادئ التَّعايش والتَّساكن داخلَ المجتمع بينما صاحبُ الشر لا يرى إلا مصلحتَه ولا تهمُّه هذه الأدبيات والمبادئ. وهذا شيءٌ واضحٌ للعِيان في مختلف المجتمعات سواءً على مستوى الأفراد والجماعات، بل على مستوى دولٍ بأكملها. الكل يتشدَّق باحترام القيم الإنسانية وأدبيات ومبادئ التَّساكن والتَّعايش. لكن الواقعَ، في غالب أطواره، يُكذِّب هذه الادِّعاءات. الأفرادُ والجماعات والدول يبحثون، أولا وقبل كل شيءٍ، عن مصالحهم. وهذا شيءٌ مشروعٌ. لكن، يجب أن لا ننسى أن الإنسان، كما سبقت الإشارةُ إلى ذلك، كائنُ اجتماعي. وكونُه كائنا اجتماعياً، يحتِّم عليه، من الناحية الأخلاقية، أن يشعُرَ أن عليه واجبات، من بينها، احترامُ شروط التَّعايش والتَّساكن. وهنا، يتبيَّن، بكل وضوح، أن الإنسانَ، كمخلوقٍ عاقلٍ و كفردٍ تتأرجح طبيعتُه بين الخير والشر، في حاجة إلى الدين. وبما أن الدينَ تأكيدٌ للإنسانية، فدوره، بالنسبة للإنسانِ، هو جعلُ هذا الأخير يميلُ كليا للخير أو، على الأقل، يكون مُيولُه للخير أرجح بكثيرٍ من مُيولِه للشر. وهنا، لا بدَّ من توضيحٍ من الأهمية بمكان.
فعندما أقول إن الأنسانيةَ في حاجةٍ إلى الدين، فهذا لا يعني، على الإطلاق، أنه بمُجرَّد ما يتدخَّل الدينُ ليُعزِّزَ الإنسانية، أن تعايشَ البشر يسيرُ على ما يُرام وطِبقاً لما تمليه الإنسانيةُ من أخلاقٍ وقيمٍ إنسانية. لا أبدا! ويكفي أن نقرأَ القرآنَ الكريم ونطَّلع على تاريخ البشرية، لنلاحِظَ أن هذه البشريةَ لم تكن، في يومٍ من الأيام، مِثاليةً أخلاقيا وإنسانيا. فالميول الى الخير والميولُ إلى الشر كانا موجودين منذ عهد آدم، وإن اختلفا شكلا ومضمونا، فلا يزالان موجودين إلى يومنا هذا. بل إن ما يراه بعض الأفراد والجماعات والدُّول خيرا، قد يراه أفرادٌ وجماعات ودُولٌ أخرى شرّاً. وهذا شيءٌ نلمسُه في جميع مجالات الحياة : في السياسة، في الاقتصاد، في العلم، في التِّكنولوجيا… فالسياسة تُنجِب الحق والباطل والطيب والقبيح وقد تُحوِّل الحق إلى باطل والعكس وقد تُرضي شريحةً من البشر وتُسيء لآخرين… والاقتصاد يُنجِب الغنى الفاحش والفقر المدقع كما يُنتِج الريعَ والربحَ المشروع والسعادةَ والتَّعاسة… والعِلم قد يكون نافعا وقد يكون مُدمِّراً وقد يقود إلى البناء والتَّشييد وإعمار الأرض أو إلى الخراب والخوف والهلع… والتِّكولونيا سيف ذو حدين، حدٌّ كله منافع وحد كله مشاكل ومآسي…  وما يزيد في الطين بلةً هو أن السياسةِ والاقتصادَ والعلمَ والتِّكنولوجيا… من إنتاج وصُنع الإنسان العاقل، وبالتالي، فهو مُنتِج وصانع الخير والشر.
وفي نهاية المطاف، الإنسان، كما نقول في لغَتِنا الدارجة المتداولة، من طبعِه "صَاحْبْ حَاجْتُو"، بمعنى أن كلَّ ما يجد فيه مصلحتَه يميلُ إليه، سواءً كان خيرا أو شرا. ولهذا، فالإنسانُ لا يمكن أن يكونَ، بصفة نهائية، خَيِّراً أو شِرِّيراً. لقد صدق من قال : "الإنسان ابن بيئته".
 
نعم، الإنسان ابن بيئتِه لكن ما يؤسفُ له هو أن هذه البيئة، في الوقت الراهن، شرُّها طاغٍ على خيرها إلى درجة أنه لم يعد ينفع معها لا الدينُ ولا الإنسانيةُ إلا مَن رحِم ربي.