الخميس 13 يونيو 2024
كتاب الرأي

إدريس الأندلسي: سبب حقد الكابران الجزائري.. معاداة الثقافة والتاريخ 

 
 
إدريس الأندلسي: سبب حقد الكابران الجزائري.. معاداة الثقافة والتاريخ  إدريس الأندلسي
في البدء كان العلم والعلماء والمثقفين يحملون هم انعتاق المغرب الأوسط من طغيان استعمار فرنسي. ما بين مصلى الحاج وبن باديس تزاوج نضال المثقف الحقوقي برجل التنوير الديني وتنوعت حركات التعبير عن ضرورة بناء كيان جديد بعد قرون عثمانية وما يزيد عن قرن ونيف من احتلال فرنسي. المسألة التاريخية ليست سهلة القراءة بشكل موضوعي.
ويبقى فتح الأرشيف الفرنسي الحقيقي هو المفتاح لإعادة كتابة تاريخ شوهه بعض صحافيي جمال عبد الناصر. الكثير من المغالطات تلف الكتابة الرسمية لتاريخ الجزائر من طرف من استفادوا من تواطئ فرنسا  من عسكريين ومدنيين أصبحوا، بقدرة قادر، مناضلين و زعماء و من تحول من مقيم في الأزهر الشريف رافض للنضال من أجل أرضه  إلى منقلب عن أول رئيس مغربي للجزائر بعد ما سمي بالاستقلال.  
الثقافة عدوة للتفاهة وتعتبر من طرف المنحطين تاريخيا بمثابة قنبلة سوف تنفجر لفضحهم  ولتعريتهم. الثقافة تفضح كل حاكم لا يعترف بأن الفهم المرتبط بواقع ومحاولة فك ألغازه لتغييره يفتح هوة عميقة تؤدي إلى الانحطاط. وهذا هو نهج من شوهوا صورة شعب الجزائر و قوضوا آماله في غد أفضل. ما أصعب أن يقود جاهل شعبا من بينه مثقفون وذوي خبرات في كل المجالات. مع الأسف أن هذا المصاب الجلل هو ما حل بكثير من البلدان ومن ضمنها شعب الجزائر. حين يعادي نظام سياسي قوة الثقافة يقفد البوصلة ويعادي التاريخ.
أبطال الأوراس وشرق الجزائر قدموا التضحيات ووصلت جحافل الوصوليين لتستولي على التاريخ والنضال والثروة والمؤسسات ولكي تزور تاريخ منطقة ولدت من رحم الإستعمار. ويظل السؤال ملحا وكبيرا حول من استفاد حقيقة من انفصال فرنسا بطريقة "ثعلب الصحراء" عن أرض استلمتها بعد تراجع العثمانيين  الذين تخلوا عن "كراغلتهم". الأرشيف المصري  وكبار الصحافيين المصريين تكفلوا بخلق شرعية أزلام فرنسا وبعض دعاة القومية الناصرية لصنع أسطورة "مليون ونصف مليون شهيد". وهناك من ركبوا صهوة الخيال لكي يرفع عدد "الشهداء" إلى 4 أو  خمسة ملايين وقد رفعها تبون إلى ما يفوق 10 مليون. لا أحد أصبح قادرا على  تحمل الضحك المفضي إلى اختناق من فرط إرتفاع الكذب الذي لا يصدقه إلى حزب مسيلمة  الكذاب وحتى حزب سجاح التميمية.  وكلاهما ادعي النبوة. وكلاهما لا يعرفهما الكذاب الأكبر من فرط  الغياب المؤقت. 
فلنفترض أن الشهداء كانوا ملايينا.  المطلوب وثائق تاريخية  و إحصاء دقيق  وخارطة لمواقع سقوط الشهداء. الكراغلة يكرهون كتابة التاريخ بمنهج علمي.  مؤرخو فرنسا، وقد نشك في أبحاثهم، قالوا أنه وحسب وثائق المستعمر، لم تتجاوز عتبة ضحايا الجيش الفرنسي  350 ألف ووصل عدد القتلى الفرنسيين من جنود  ومواطنين فرنسيين  25 ألفا. 
المهم هو أن الشعب الجزائري لم يتنفس الصعداء بعد كل هذه المدة التي تجاوزت عقودا من الزمن. تدهورت الأحوال في بلد مليون مليار دولار من عائدات النفط والغاز. بحث بعض ازلام الإستعمار عن عز نضالي في ميدان عدم الانحياز  فانحازوا.  بحثوا عن حضور في أفريقيا عبر انفاق ملايير البترو دولار كرشوة  فوجدوا أنفسهم في مستنقع المرتشين  وخسروا مثل خسارتهم أخيرا أمام حفيد مرتشى لنلسون مانديلا في افتتاح بطولة أفريقيا للاعبين المحليين. بحثوا عن من يخطط لتطوير اقتصادهم فصدقوا بعض المتياسرين الجدد فصدقوا أن الصناعات المصنعة ستجعلهم أبطالا لهزم أوروبا، ضاعت ملايير دولارات شعب الجزائر ولم يعترف الكراغلة الكابرانات بأخطائهم  ووصلوا إلى العشرية السوداء لتصفية المثقفين  والصحافيين والأبرياء. والوثائق الفرنسية غنية بالمعلومات عن شنقريحة و "رب الدزاير  توفيق" وغيرهم  وكل الجرائم التي اقترفوها. دخل الكابران الأكبر إلى قصر الإليزي وتوقف التصوير الرسمي  لكي يستمر التصوير من أجل الضبط  وتسجيل الصوت وحتى طلب استعمال المرحاض. فرنسا تعرف أن الكابران هو الحاكم الفعلي لبلاد لا زالت لم تعرف تاريخها ولا تعترف بهويتها الحقيقية. 
من يتابع بلاد المغرب الأوسط التي يسيطر عليها "حفاة عراة يعبدون المال" يتأكد أن الثقافة والتكوين العالي ومستوى الكفاءات هي من أكبر التهم التي يمكن أن  يتم تلفيقها لمواطن شريف. كل شرفاء الجزائر يعترفون أن المثقفين أصبحوا عدوا مفترضا في نظر الكابرانات. كل المتفوقين في البحث العلمي وفي صنوف الثقافة ابتعدوا عن تدبير السياسة قهرا.  والنتيجة تدهور مستوى الوزراء وتحول خرجاتهم الإعلامية المدروسة إلى لحظة استهزاء و إشهار ضعف في التفكير  وفي كل التعبير.  يجهلون  كل معرفة بالعلم  وبالمعرفة وحتى باللغات. المواطنون المقهورون يبينون على قدرات تحليلية وتعبيرية أرقى  وأغنى من الوزراء  وحتى من كلفه الكابرانات بالجلوس على كرسي بقصر المرادية. مثقفو الجزائر موجودون بكثرة في حقول الإبداع  والبحث العلمي عالميا  وفي مجال الإقتصاد، لكنهم منبوذون في  بلدهم. هذا الوضع ذكرني بالكره الذي رافق بداية حكم البولتشيف للاتحاد السوفياتي.  وبعد عقود إنتبه "بريجنيف" إلى أهمية "الانتايجانسيا الشعبية" في المسار الثوري. وقبله انتبه "لينين" إلى أهمية التقنيين الحمر. 
المثقف الذي اعتبره المفكر الإيطالي  غرامشي "عضويا" حين يكتسب القدرة على الفعل في المجتمع  و الإسهام في تغييره،  يعتبر عدوا بالنسبة للطغمة الجاثية على قلوب المواطن الجزائري و على مستقبله. ولمن يشك في هذا،  الدعوة مفتوحة للولوج إلى اليوتوب و  للاستسلام للضحك على نوعية خطاب النخبة المسيطرة من وزراء  ومسؤولين. الثقافة تزعج وستظل كذلك بالنسبة لكل من يحاول الاستهزاء بالحق في المواطنة حيثما وجد. وكم اثار انتباهي أن من انتفضوا ضد العسكر الجزائري هم مثقفون من قدماء الجيش الشعبي للجزائر. كل من قرأ وتعلم  وكون قدرة على النقد الموضوعي يتبين له أن الحاكمين بأمر من الجهل جعلت أمامهم القدرة على الكذب وسيلة للحكم بالحيلة و تطعيم اتباعهم بالحقد على النور والنجاح والديمقراطية  والحرية. ولن ينتصروا...