الجمعة 27 يناير 2023
كتاب الرأي

إدريس الأندلسي: مالية 2023.. انتكاسة الطبقة الوسطى والوساطة السياسية 

إدريس الأندلسي: مالية 2023.. انتكاسة الطبقة الوسطى والوساطة السياسية  إدريس الأندلسي
حملت أحلام مشروع قانون المالية لسنة 2023 شعارات كثيرة على رأسها تنزيل مصطلح هجين إسمه الدولة الإجتماعية.  حاولت أحزاب الأغلبية أن تتملك الشعارات رغم ما يفرق بينها وسوف يفرق بينها  أكثر في مستقبل قريب ولكن الواقع صعب للغاية.  الدولة الإجتماعية لا علاقة بالاختيارات الليبرالية التي أفقرت الكثيرين عبر العالم  والتي لا يهمها إلا " قانون السوق" و لا يجب أن تكون شعارا لمن يحمي الأرباح الاستثنائية من ضرائب استثنائية. من يدافعون عن الليبرالية  وقانون عدم التدخل في فعل سحر السوق على توازنات مفترضة بين العرض  و الطلب، هم من يحملون شعار ما سموه بدولة اجتماعية. إذا كان الأمر كذلك فالسؤال الذي يجب أن نطرحه هو "هل كانت الدولة غائبة عن التوازنات الإجتماعية" قبل وصول الحكومة الحالية. 
بالطبع لا  و ألف لا. القضية الإجتماعية كانت في صلب الإهتمام السياسي منذ بداية الاستقلال قبل ما يقرب من سبعة عقود. و للتذكير،  فقبل أن يذكر إسم عزيز أخنوش في فضاء ممارسة السياسة و ربما  في الحالة  المدنية و غيره من حلفاءه،  وقف ملك شاب إبن ملك  كبير و كان لخطابه  و فعله وقع كبير على من كانوا ينتظرون العدالة الإجتماعية. و في أول خطاب له موجه  للشعب، قال أن التغيير برنامج  و يحتاج إلى العمل  و أنه كملك لا يحمل عصا سحرية.
مرت سنوات قليلة وبدأ الإشكال الإجتماعي يطرح نفسه كأولوية في سياسة دولة حركت قضايا دستورية  واجتماعية  وحقوقية  و اقتصادية في بداية مرحلة جديدة في مغرب ما بعد رحيل الحسن الثاني. الدولة في أعلى تعبيراتها، اختارت القضية الإجتماعية كأساس للبدء  و حرص الملك محمد السادس على ضبط  وتسريع إيقاع الإصلاحات الإجتماعية  وهو يعلم يقينا أن العدالة الاجتماعية  مفتاح الدخول إلى مضمار التغيير  وإعطاء مدى جديد لممارسة الحكم و الحكامة. 
و هكذا تحولت وزارة الداخلية إلى الفاعل الأساسي في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية . و أستمر دورها يكبر كل يوم في مجال الحكامة الترابية رغم مشروع الجهوية المتقدمة.  و أصبح المهندسون محور كل شيء في التدبير العام. قليل من هذه الفئة المهنية عاشوا مرحلة التكوين السياسي للمهندسين في الخارج  و في الداخل من خلال أم المدارس " المدرسة المحمدية للمهندسين " وجاءت بعدها معاهد  ومدارس كونت جيلا كسب العلم  والخبرة  والتكوين السياسي في بعده الوطني.  وبعدها تطورت أساليب تدمير ماض قريب. غادر كثير من المهندسين ميدان البناء والتعمير  والتدبير إلى مجالات لم يعرفوها من قبل.  ورغم  ذلك استمر الإهتمام بالقضية الإجتماعية من خلال التغطية الصحية للفقراء  و تنزيل التأمين الإجباري عن المرض  وصولا إلى المشروع الاستراتيجي المتعلق بالتغطية الإجتماعية الشاملة.  كل هذا، للتأكيد على اختيارات الدولة المغربية كانت ذات طابع اجتماعي منذ الاستقلال. وزاد زخم هذا الإختيار مع الإرادة التي عبر عنها ملك البلاد منذ سنين.  الدولة الإجتماعية ليست مفهوما للاستهلاك السياسي  و للاستغلال الايديولوجي.  
و بالرجوع إلى واقع اليوم، قد نعي بكثير من الأسف  و الحسرة تراجع الإهتمام بالشأن العام  و باستشراء الجهل في طبقة من النخبة التي تخدم مصالح طبقة دون وعي بدورها في مسار يقود حتما إلى الانحطاط.  و هذا ما هو واقع بالفعل اليوم مع طبقة "سياسية " ضعيفة  و مهلهلة الانتماء الحزبي و السياسي. 
من يقرأ معطيات مالية  2023 قد يقول بتفاؤل أن الميزانية ستصل إلى مصاريف بقيمة  600 مليار درهم.  و قد يبتهج لوعود في مجال التشغيل و القدرة الشرائية  و الخدمات الإجتماعية.  و بعد سنة ستعيد الحكومة  طرح نفس الوعود  و سيستمر الوضع على ما هو عليه. قل ما شئت  فلن يحاسبك أحد. قال البرنامج الحكومي أن الوضع سيتغير بعد سنين قليلة. و مرت السنة الأولى  و كان الخطاب على موعد مع الوعود.  الظرفية الدولية دفعت بهؤلاء الغيورين الوطنيين الأحرار الوزراء  و النواب إلى الرفع من مخصصات صندوق المقاصة  و إلى دعم مهنئي النقل.  أعجوبة في زمن النسيان.  القليل قد تذكر أن حكومة عباس الفاسي الاستقلالي خصصت للمقاصة  45 مليار درهم  و التزمت باتفاقيات اجتماعية مكلفة.  و القليل يعلم أن المغاربة قد كانوا ضحية تمجيد الليبرالية  و حرية الأسعار منذ 2015. و هذا ما قاله مجلس المنافسة قبل شهر حين حاول الإجابة عن سؤال المنافسة  و تسقيف أسعار المحروقات.  نعم أضاع من قرر على بلادنا بنية اقتصادية لها تاريخ  و دور طاقي إستراتيجي.  بسرعة تم البيع  و بسرعة تفاقمت الأوضاع المالية  وبسرعة أكبر تبين أن بلدنا كان ضحية مناورة شارك فيها مسؤولون  و ضاعت بسببها مصالح عامة. و توقفت مصفاة لاسامير إلى أجل غير مسمى. 
اليوم تأتي حكومة أخنوش متسترة خلف ما سمي بالدولة الإجتماعية  لتزيد في تعميق الفوارق الإجتماعية والمجالية. تحاول أن تخفف الضغط الضريبي على الطبقة الفقيرة  و الوسطى  و تزيد في أسعار الضريبة على القيمة المضافة لكثير من الخدمات التي تقدمها بعض المهن الحرة كالمحاماة  و الهندسة  و التوثيق  و غيرها. و الكل يعلم أن هذه الضريبة سيتضرر منها صاحب الدخل المحدود الذي سيلجأ  لخدمات محام  أو موثق أو محاسب او لغيره...
الحكومة ترفض أن تكون هناك ضريبة على الثروة  و لو خلال فترة الأزمات. الحكومة تعفي كبار أصحاب الاستغلاليات الفلاحية الكبرى  و تزيدهم غنى عبر الصناديق المانحة للخيرات  و ترفض إعفاء بعض فئات الاجراء الذين لا يتجاوزون  دخلا شهريا يصل إلى  4000 آلاف درهم.  حكومة " الدولة الإجتماعية " تستنزف دخول المتقاعدين بالاستمرار في فرض الضريبة على اجورهم.  و من بين هؤلاء أطر كبرى خدمت البلاد  و كانت عفيفة  و لم  تراكم ثروات  و لكنها  وجدت نفسها في مواجهة الهشاشة بعد خدمات امتدت لعقود.  و في المقابل تربع الوصوليون  و الانتهازيون على الكراسي  و هيأوا  لأنفسهم التقاعد المريح  و الدخول المجدية سياسيا و ماليا.
ولحكومة ما يسمى " الدولة الإجتماعية " شجاعة مذهلة لتصوير الأشياء بمكبرات الصورة.  يتم التركيز على أمل الدعم المباشر  و السجل الإجتماعي  و نفقات صندوق المقاصة كأن الطبقات الميسورة تضحي بكل ما لديها  و العكس هو الصحيح. النفقات الجبائية، أي مجموع الاعفاءات الضريبية لصالح الاغنياء، تصل سنويا إلى  35 مليار درهم  و تصل المنح الموجهة لكبار رجال الصناعة  والزراعة  و الخدمات إلى أكثر من  40 مليار درهم.  و الأكثر من هذا أن الجزء الأكبر من صفقات الدولة  و التي تتجاوز  200 مليار سنويا درهم تستفيد منها المقاولات الكبرى.  وهذا لا يعني أن هذه الأخيرة غير مرغوب في دورها الاستراتيجي في الإقتصاد الوطني. ورغم كل المجهود الذي يتحمله دافع الضرائب،  فإن  المقابل من طرف المستفدين الكبار لا زال ضعيفا جدا. و لو أفرجت  وزارة المالية عن المعطيات الدقيقة لمساهمة الفئات الإجتماعية في الضريبة على الدخل  وعلى القيمة المضافة، لراينا أن الطبقات الفقيرة و المتوسطة تدفع أكثر من  80% من  هذه الضرائب.  و مع الأسف أن الحكومة التي ليست جديدة  و حتى اؤلئك الذين سيروها من حزب العدالة و التنمية، ينكرون غياب العدالة الإجتماعية  في الاختيارات السياسية والإقتصادية. 
هل حاولت الحكومة و أغلبيتها الوقوق على حقيقة تطبيق المبدأ الدستوري المتعلق بالعدالة الضريبية الذي يفرض مساهمة كل مواطن في تحمل تكاليف العيش المشترك حسب قدراته. اللحظة السياسة تشوهت  و غاب الخطاب حول المبادئ.  في زمن لا يسأل فيه رئيس حزب كيف تم تمويل حملته الانتخابية  و من طرف من ...لا يمكن أن أثق في أي خطاب عن العدالة الإجتماعية أو عن التنمية الإقتصادية.  أريد أن أرى ميناءا كميناء طنجة المتوسط  و طريقا سريعا من أقصى المغرب إلى أقصاه  و مغربا بكل الأوان  و لكن بمتابعة كل السياسات القطاعية و محاسبة من كانوا مسؤولين عليها. 
سنضع بين يدي هذه الحكومة غلافا ماليا سيصل إلى  600 مليار درهم . و لقد وافق البرلمان على إعطاء ها غلافا  بلغ 520 مليار درهم لتتصرف فيه خلال سنة 2022. لهذا  وجب على كل مكونات هذه الأغلبية أن تقدم الحساب  و تخاطب الرأي العام بمنطق المسؤولية السياسية لا بمنطق تقنوقراط تلونوا بسرعة البرق بألوان أحزاب  و غدا سيغادرونها بنفس السرعة.  
و على ذكر السرعة، تلاحق لجنة المالية الزمن لكي تتم المصادقة في أقرب وقت على مشروع قانون المالية  ولا يهم إن تم فرض الفيتو على كل التعديلات التي قد تنقذ المواطنين من الهشاشة  وتقلل من استفادة اقلية من ثروات الشعب. الملاحظ أن المعارضة البرلمانية التي أولاها دستور المملكة أهمية كبيرة، ستجد نفسها في الصف الأخير خلف جماعات الضغط المهنية. وهكذا قد يظهر أن الحاجة اليها كمكون سياسي ليست مهمة في هذا  الزمن. وهذه إشارة خطيرة إلى تراجع، قد يكون مرسوما، لمؤسسات الوساطة الإجتماعية والسياسية. هل هو زمن التنسيقيات و هروب ممثلي الوساطة السياسية إلى الظل في إنتظار تراجع الضغط المباشر؟ سؤال صعب  والجواب: ألله أعلم. و في إنتظار ظهور كائنات سياسية أخرى لا تخضع لعالم المال و الأعمال وتكون ذات مرجع سياسي وطني متجذر  وليس طارئ، فليعلم من أصبحوا وزيرات ووزراء أن الأمر ليس تميزا جاد به  ولي نعمة ولكن وزرا صعبا.