الجمعة 23 فبراير 2024
كتاب الرأي

عبد الرحمان العمراني: تلك القاعات السينمائية الشمالية التي في خاطري

عبد الرحمان العمراني: تلك القاعات السينمائية الشمالية التي في خاطري عبد الرحمان العمراني
 
خلال نهاية الأسبوع وفي جولة قصيرة شمالية شملت مدينة القصر الكبير والعراءش وطنجة، وجدتني أبحث عن بعض فضاءات أماكن الذاكرة التي عشت وأنا يافع أنهل من عطائها الفني في ظل تنشئةثقافية كانت حاسمة في تكويناتنا اللاحقة.
ووجدتني أطوف على بعض دور  السينما التي فتحنا فيها أعيننا  على روائع الفن السايع بذخائرها من الأفلام الإيطالية والمصرية والأمريكية والإنتاجات الدرامية من مختلف البلدان: 
سينما بيريس كالدوس pers caldoz بالقصر الكبير تحولت  إلى عمارة من عدة  طوابق، وسينما اسطوريا اصبحت مرآبا لركن السيارات،
وفي العرائش  تحولت قاعتا  كوليسيو  وإديال إلى طوابق شاهقة في وقت أغلب الظن أن المدينة لم تكن تتوفر فيه على وثائق تعمير، وإلا لما سمح بعمارة من ستة طوابق على جنبات شارع لا يتعدى عرضه أقل من عشرة أمتار.
دون أن ننسى المسرح الجميل  مسرح إسبانيا عند مدخل الباسيو شارع وسط المدينة الذي كان تحفة معمارية ومصدر غنى ثقافي، فاستحال إلى علبة إسمنتية لا علاقة لها بمحيطها شكلا ومضمونا.
وحدها قاعة العرض بسينما إبينيدا أفلتت من الهدم، لأنها متموقعة في عمارة من ثلاثة طوابق من الطراز القديم الجميل، ولكنها لم تعد تعرض أفلاما أو تقترح فرجة، وهي الآن في وضعية أشبه ما تكون بمركب أو قلعة مهجورة.
وفي طنجة باستثناء سينما الريف لم أجد في مركز المدينة ما يذكر بقاعات عرض سينمائي كانت عاصمة البوغاز معروفة ومشهورة بكثرتها العددية وتصميماتها الهندسية الجميلة، نموذج قاعة روكسي.
ولست في حاجة إلى التاكيد أن هذا في الغالب هو حال دور العرض السينمائية في كل المدن المغربية.
 وأعرف طبعا الدفع الذي يقدم عادة لتبرير هذا الاهمال، وهذا التحول في استعمالات الفضاءات السينمائية القديمة لأغراض تعميرية تجارية أخرى لا علاقة لها بالفن الدرامي أو أي نوع آخر من الفن والثقافة: سيقال إنه نقص الاهتمام الجماهيري العام بالفن السابع وعروضه في القاعات الكبرى بفعل تطورات تقنية وبسبب انتقال وتحول في الطلبات والاذواق والهوايات في مجال الصورة والكلمة المنطوقة.
ومع أن هذا الدفع لا يمكن الأخذ به هكذا على علاته إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الفن السابع مازال له موقعه وجمهوره ووزنه ودوره في التثقيف والتنشءة الفنية الرفيعة ،ولذلك ترصد له٤ ميزانيات واشكال دعم عمومية متنوعة، وأن أكبر المهرجانات الدولية هي تحديدا مهرجانات سينمائية.
مع استحضار هذه المعطيات عند الرد على هذا الدفع،دفع يبدو  موضوعيا او واقعيا  ظاهريا، ولكنه في العمق مسكون بهاجس مضاراتي،  يمكننا ان نطرح السؤال الاشكالي التالي:
اليس هناك سبيل آخر لتحويل او اعادة توظيف reconversion تلك الفضاءات غير الاستعمال التجاري المركانتيلي الذي يحولها إلى علب اسمنتية ويطمس كليا روحها الثقافية التي جعلت منها على امتداد تاريخ طويل امكنة تنتج قيمة مضافة حضرية حقيقية.
ألا يوجد خيال منتج يسمح باستعمالها استعمالات أخرى ضمن نفس الهوية الثقافية من خلال تحويلها مثلا الى مكتبات أو رواقات عرض أو قاعات لتعلم فن الرسم والتشكيل والموسيقى أو غيرها كثير من الاستعمالات ذات التوجه الثقافي والإبداعي؟
ويتداعى من هذا سؤال آخر ولعله اقتراح ملفوف في صيغة سؤال. لماذا لا تتكلف الجماعات الترابية بلديات وجهات بتدبير هذا النوع من المنشآت و اقتناءها  كلما تبينت نية بيعها او تفويتها، وجعلها بذلك عقارا حضريا meuble urbain في متناول  المجموعة يساهم في التاطير الثقافي وبث القيم الفنية الرفيعة في وقت وزمن نحن اشد ما نكون حاجة فيه الى هذه القيم.
وأعرف أـنه  في الغالب هو اقتراح حالم . وربما مرفوض سلفا .
Benito perez caldos  1843/ 1920
واحد من أكبر الروائيين الإسبان ضمن التيار الواقعي.اشتهر باهتماماته واسهاماته في مجال التاسيس للفن الدرامي كما اشتهر بغزارة انتاجه الأدبي .