الثلاثاء 31 يناير 2023
سياسة

استيتو: أوضاع فرنسا الداخلية بلغت مستويات قياسية من الاحتقان وهذا ما باشره المغرب نحو إفريقيا

استيتو: أوضاع فرنسا الداخلية بلغت مستويات قياسية من الاحتقان وهذا ما باشره المغرب نحو إفريقيا عبد الله استيتو والرئيس إيمانويل ماكرون ومشهد حريق في السفارة الفرنسية ببوركينا فاصو
قال عبد الله استيتو، أستاذ التعليم العالي جامعة ابن زهر بأكادير، إن الأوضاع الداخلية الفرنسية وصلت إلى مستويات قياسية من حيث الإحتقان والتأزم".
وأوضح الجامعي استيتو في حوار مع موقع "أنفاس بريس"، أن " المملكة المغربية استغلت علاقاتها التاريخية العريقة مع الدول الإفريقية، واستثمرت مؤهلاتها الذاتية، وهيأت لنفسها شروط اقتحام عالم أفريقيا من أوسع أبوابه، في ظل قيادة حكيمة للملك محمد السادس الذي أولى عناية شخصية لقضايا الأفارقة."
 
كيف تقرأ تململ العقل الافريقي وبداية تمرده على فرنسا (بوركينافاصو، الغابون، النيجر، مالي..)، خاصة في فترة ولاية الرئيس ماكرون؟
فيما يتعلق بسؤالك حول تنمّر جملة من الدول الأفريقية من السياسة الفرنسية بشكل عام، وسياسة الرئيس ماكرون في القارة السمراء بشكل خاص، لا بد من تأطير هذا السؤال بملاحظات غاية في الأهمية تهم التغيرات الجذرية العميقة التي تهم السياسة الفرنسية عموما، والتي هي آخذة في الانبساط والخروج إلى حيز الوجود منذ بداية الألفية الثالثة إلى يومنا هذا، ومنها:
أولا: التغيرات الحاصلة في فرنسا ذاتها، والتي يمكن ملاحظتها من خلال النقط التالية:
1- التّراجع على كافة المستويات:  بحيث إن المتتبع للشأن الفرنسي منذ نهاية القرن العشرين إلى يومنا هذا، لا بد وأن تحصل له قناعة أكيدة، بأن هذه الدولة أصبحت تعيش على إيقاع حزمة من التراجعات في عدد كبير من القطاعات داخليا، خاصة على مستوى المجالات السوسيو- اقتصادية، والقضايا الحقوقية، ومسألة الهجرة واللّجوء، وتنامي المدّ العنصري، واحتلال اليمين المتطرف مواقع حساسة في البلاد، وعدم قدرة الدولة على مجابهة التحديات الكبرى التي عاشتها مختلف دول العالم، ومنها أساسا جائحة كوفيد 19 التي أسقطت القناع الذي كان يستر عورة فرنسا، ويخفي تجاعيد وجهها القبيح؛ بحيث إن هذه الدولة ظهرت بمظهر شاحب تماما في مواجهة كورونا، واتّضح للمهتمين والمتتبعين للشؤون الدولية أن تلك العظمة والهيبة اللتين كانت باريس تتمتع بهما، لم يبق منهما إلا الاسم، وأن الدولة الفرنسية دولة عادية؛ إذ باتت عاجزة عن تقديم الحلول والبدائل لمواطنيها في مواجهة هذه الجائحة، ولم يكن لها القدرة على التفاعل مع هذه التحديات الحقيقية بالشكل الذي رأيناه في كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وأنجلترا وألمانيا واليابان والهند.
 
إن الأوضاع الداخلية الفرنسية وصلت إلى مستويات قياسية من حيث الإحتقان والتأزم، بعدما ظهر للعيان تواضع المنظومة الصحية الفرنسية، ومخالفة مختبراتها العلمية موعدها مع التاريخ بعجزها عن مسايرة نظيراتها في البلدان السالفة الذكر؛ وأصبحت فرنسا كلها رهينة لتلك الدول أملا في مساعدتها على تجاوز محنتها. وهذا في حد ذاته خَدَشَ كبرياء الدولة الفرنسية، وأظهرها بحجمها الحقيقي بخصوص هذا التحدي الجارف. 
 
2- ضعف فاعلية المواقف الفرنسية في كثير من الملفات الدولية والإقليمية الحارقة.
هذا أكبر مؤشر على أن فرنسا فقدت كثيرا من اعتباراتها، قياسا إلى وزنها وثقل مواقفها في عدد من القضايا والملفات الساخنة التي حبل بها القرن الواحد والعشرون، سواء ما يتعلق بملفات الشرق الأوسط في بعدها العام، أو ما يهم قضايا العالم الإسلامي عامة، أو ما يتعلق بالشؤون الأفريقية وما تنطوي عليه من ملفات محمومة، لم يكن لفرنسا تلك القدرة على إدارتها إدارة تستجيب لطموحاتها وغاياتها؛ إذ إن الحضور الفرنسي ،مثلا، ظل شكليا في شأن حلحلة الصراع العربي الإسرائيلي، والتعاطي مع الأزمات المستمرة التي نشبت بين إسرائيل ولبنان، أو بين إسرائيل والفلسطينيين (سواء في غزة أو في الضفة الغربية)، أو بين إسرائيل وسوريا، أو ما يتعلق بالغزو الأمريكي للعراق، (والوجود الأمريكي عموما في المنطقة)، أو ما يهم الخلايا الإرهابية التي امتلأ بها الشرق الأوسط، وخاصة في بلاد الرافدين والشام واليمن، وما نجم عنها من تحولات كبيرة في ميزان العلاقات الدولية لصالح روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والصين، أو ما يهم القضية اليمنية وصراع المصالح الدولية حولها، والتي ظل الحضور الفرنسي فيها باهتا، وغير مؤثر تماما، ناهيك عن الملف النووي الإيراني الذي أصبحت إدارته بعيدة تماما عن القرارات الفرنسية، وتخضع بشكل شبه كلي إلى الكرملين والبيت الأبيض، دون أن يكون للإليزيه أي ثقل فيه.
 
3- تغييب كلي للدور الفرنسي في ملف التطبيع العربي الإسرائيلي: هذا أكبر ملف أظهر فرنسا بمظهر العاجز عن مسايرة إيقاع التحولات الإقليمية العميقة؛ بحيث إن من يتابع الحضور الفرنسي في الملفات الإقليمية الكبرى خلال القرن العشرين لا يستسيغ أبدا رفع اليد الفرنسية تماما عن هذا الملف؛ لأن فرنسا ظلت على الدوام مهيمنة على المواقف القارية، ومؤثرة في القرارات الدولية، وذات ثقل كبير في إدارة دفة القضايا الإقليمية الحساسة؛ لكن ما هو مؤكد أن فرنسا في عهد الرئيس ماكرون، ليست هي فرنسا في عهد شارل دو غول، ولا فرنسا في عهد فاليري جسكار ديستان ولا في عهد فرانسوا ميتران ولا في عهد جاك شيراك وغيره من الرؤساء الذين أعطوا لفرنسا كاريزما القيادة والتأثير في محيطها الإقليمي والدولي، عكس ما يحدث الآن مع الرئيس الحالي الذي هبطت في عهده سمعة الدولة الفرنسية إلى مستويات قياسية، إلى درجة أن باريس تلقت نبأ سياسة التطبيع العربي الإسرائيلي، سواء مع الإمارات العربية المتحدة، أو مع البحرين أو مع المملكة المغربية أو مع السودان أو غيرها؛ تلقت تلك الأنباء كباقي الدول العادية تماما؛ بل إنها تفاجأت بمحتويات وحيثيات ومضامين هذا التطبيع، واندهشت لامتداداتها وأبعادها وخلفياتها، سيما أن جانبا من جوانب هذه الصفقة، كان بمثابة صفعة قوية للرئيس ماكرون الذي دخل على إثرها في غيبوبة سياسية ملحوظة، وفقد بسببها توازنه، ولم يعد يمتلك القدرة اللازمة على التحكم في بوصلة سياسة بلاده خارجيا بالشكل الذي يلزم، حتى أن هذا الأمر جعل الكثير من الجهات تشك في استقلالية القرار الفرنسي، وترتاب في سيادة المواقف الفرنسية تجاه بعض الملفات الإقليمية الشائكة.
 
ثانيا: التغيرات الحاصلة في المحيط الدّولي:
وهذا العنصر يعتبر بمثابة المرآة الحقيقية التي تعكس الصورة العامة للدولة الفرنسية من حيث قوتها أو ضعفها، ومن حيث فاعليتها وأهميتها في العلاقات الدولية الراهنة، ومدى تأثيرها على بلورة التصورات والاستراتيجيات الدولية مثلما كانت تقوم به منذ القرن 19 وطيلة القرن 20؛ إذ إن الأكيد في هو حصول مستجدات ومتغيرات عميقة في المحيط الدولي، وخاصة ما له صلة بمنظومة الدول الجنوبية، بشكل عام، ومنظومة الدول الأفريقية بشكل خاص؛ لأن أفريقيا ظلت ردحا طويلا من الزمن تأتمر بأوامر دول المتروبول، وتستجيب لتعليماتها وتوجيهاتها في كافة المجالات؛ سيما أن بعض الدول الاستعمارية التقليدية في أوربا لم تغير من سلوكاتها وتصرفاتها تجاه مستعمراتها التاريخية في القارة السمراء؛ مثل الدولة الفرنسية التي استعمرت معظم دول أفريقيا الغربية، ودول شمال أفريقيا، ومكنت لنفسها في هاته الدول لعقود مطولة، واستطاعت أن تُكون إمبراطورية استعمارية شاسعة الأطراف امتدت إلى مختلف القارات، وصلت مساحتها خلال ثلاثينيات القرن 20 إلى أزيد من 13.500.000 كلم2، كثاني أكبر الإمبراطوريات في العالم بعد الإمبراطورية البريطانية (35.500.000 كلم2).
 
وهذه الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية المترامية الأطراف، إن دلت على شيء، إنما تدل على عظمة فرنسا وقوتها وتأثيرها في المحيط الدّولي والقاري والإقليمي خلال القرن العشرين، وتبرز بشكل واضح مدى الدينامية والحيوية اللتين انطبعت بهما السياسة الخارجية لفرنسا منذ القرن 17م إلى غاية نهاية القرن 20؛ لأنها استطاعت أن تجد لنفسها موطئ قدم في جهات مختلفة من القارة السمراء، سواء في أفريقيا الشرقية وجزر المحيط الهندي (لارينيون 1710م، أرخبيل تشاغوس 1721م، سيشل 1756م، مايوت 1841م، جيبوتي 1862م، جزر القمر 1866م)، أو في أفريقيا الاستوائية (ساو تومي وبرينسيب1709م، الغابون 1839م، الكونغو الفرنسية 1875م، تشاد 1900، أفريقيا الوسطى 1905م، الكامرون 1918م)، أو في غرب أفريقيا (السنغال 1677م، غامبيا 1681م، جزيرة كونتا كينتي 1695م، مالي 1883م، مملكة داهومي [بنين] 1883م، النيجر 1890م، غينيا الفرنسية 1891م، فولتا العليا [بوركينا فاسو] 1896م، موريتانيا 1902م) أو في شمال أفريقيا (الجزائر 1830م، تونس 1881م، المغرب 1912م).
 
إن المتمعن في الخريطة العامة لأفريقيا من القرن 17 إلى منتصف القرن 20، لا بد وأنه سيلاحظ أن برج إيفل أرخى بظلاله على أغلب مناطق القارة السمراء، وأن تعليمات قصر الإليزيه باتت تنفذ داخل المجتمعات الأفريقية في غربها وشرقا وشمالها ووسطها، وأن الحضور الفرنسي أصبح أمرا واقعا داخل تلك المجتمعات، وأن فرنسا انتقلت فعليا إلى مرحلة فرنسة أفريقيا، وأجرأة مشروعها الحضاري الهائل في القارة السمراء، بدءً بترسيخ لسان موليير في أبناء هذه القارة، ومرورا بطمس هوية الأفارقة عقديا وتاريخيا وحضاريا وثقافيا، وانتهاء بتنفيذ سياسة الاستغلال والاستيلاب للقارة طبيعيا وبشريا من خلال منظور بعيد المدى، أساسه خلق نخب محلية مؤمنة بـ "المشروع الحضاري الفرنسي"، وإرساء أسس أنظمة فاسدة بمباركة الدولة الفرنسية، وبتغطية مباشرة من أجهزتها، والعمل على تهييئ الأجواء المناسبة لحماية الفساد والمفسدين، ومحاربة مبادرات الإصلاح والمصلحين، وخاصة بعدما خططت لبلقنة إفريقيا المستقلة منذ النصف الثاني من القرن 20، وجعلتها عبارة عن قنابل موقوتة على كافة المستويات، ولاسيما بعدما فبركت قضايا الحدود بين الدول التي كانت تستعمرها، وهيأت بذور الانفصال والانقسام بداخلها، وشجعت القبلية والطائفية في الكثير من شعوبها.
 
ومن أجل الحفاظ على مصالحها في القارة السمراء، أصبحت فرنسا تتدخل بكل الوسائل المتاحة في العمليات الانتخابية في الدول الإفريقية المستقلة، وأفرغتها من محتوياتها، وجعلتها عمليات صورية لا تعبر إطلاقا عن الإرادة الحقيقية لأبناء أفريقيا، بحرمانهم من التعبير الحر عن آرائهم، والتلاعب بأصواتهم، والفصل بينهم وبين واقعهم، وإيهامهم بأهمية وجودها بينهم، وأنها هي من تحميهم، وتضمن لهم الأمن والاستقرار والعيش الكريم، وأن غيابها سيجعلهم عكس ذلك، وسيدخلهم في الفوضى والاقتتال والتجزئة والانفصال!!.
 
ولم يدخر حكام الإليزيه جهدا في سبيل إظهار باريس بمظهر الوسيط الذي يقوم بدور تحكيمي في كل الخلافات التي عمت المجتمعات الأفريقية. وهي الوظيفة التي لم تتنازل عنها فرنسا طيلة القرن 20، وبذلت الغالي والنفيس من أجل الحفاظ عليها، خاصة بعد أن نصبت نفسها "مدافعا" عن قضايا القارة في المحافل الدولية من خلال استمالة بعض حكام أفريقيا، ورعاية مصالحهم الشخصية، واحتضانهم فوق الأراضي الفرنسية، والتغاضي عن سلوكاتهم وتصرفاتهم في معاكسة طموحات شعوبهم.
 
إذن، هكذا كان لفرنسا حضور قوي في إفريقيا لعقود طويلة بعد استقلال الدول الأفريقية. واستطاعت باريس أن ترسخ تقاليد سياسية فرنسية خاصة في أفريقيا المستقلة. هذه التقاليد كانت مبنية على منطق الريع والاستغلال، وحماية المصالح الفرنسية في القارة السمراء، وعدم السماح لشعوبها بالانتقال إلى استقلال حقيقي، يتمتعون فيه باختياراتهم الكبرى فيما يتعلق بتدبير شؤونهم العامة على كافة المستويات، بالتواطؤ مع نخب وفئات متعددة بخصوص تبادل المصالح بين الجانبين.   
 
وخليق بالإشارة إلى أن الشيء الأكثر جذبا لانتباه المهتمين والمتتبعين للشؤون الفرنسية، هو حدوث نكوص مثير للدهشة في ميكانيزمات سياستها الخارجية، وانطباعها بطابع الغموض وعدم الوضوح خلال القرن 21، وعدم قدرتها على استيعاب التحولات العميقة التي أخذت ترسم معالم دول المستعمرات الفرنسية عامة، والدول الإفريقية خاصة؛ بحيث إن فرنسا أبقت على أساليبها التقليدية في تعاملاتها مع هذه الدول، وأصرت على ديمومة تبعية إفريقيا إلى باريس على كافة المستويات، دون أن تجدد وسائل تلك التبعية وآلياتها، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا وغير ذلك، ودون أن تنتبه أيضا إلى الآثار المذهلة التي خلفتها الثورة الرقمية على الشعوب الإفريقية، وكيف أن أبناء إفريقيا انخرطوا في هذه الثورة العلمية الهائلة، واستغلوا ثمارها، ووظفوها في حياتهم العامة والخاصة، وصار لهم وعي جديد بواقعهم، وأصبحوا مدركين تماما لقواعد العبة السياسية التي ظلت باريس تكبلهم بحيلها لعقود طويلة؛ مما سمح لهم بالمناداة بحزمة من المبادرات البناءة في أوطانهم، أساسها الإصلاح الشمولي على كافة الاصعدة، فنادوا بانتخابات حرة ونزيهة في بلدانهم، وطالبوا بتحرير اقتصاداتهم من الهيمنة الفرنسية والتبعية لباريس، وعزموا على التخلص من اللغة الفرنسية في مؤسساتهم وتداولاتهم، وتعويضها باللغة الإنجليزية باعتبارها لغة العلم ومدخلا من مداخل الثورة الرقمية، وآمنوا بأهمية فعل المراقبة والمحاسبة في بلدانهم، وأشاعوا روح التضامن والتضحية من أجل المصلحة العامة في مجتمعاتهم، وساندوا كل الأصوات الداعية إلى تفعيل التعاون جنوب-جنوب، منبهين إلى أن أفريقيا تمتلك كافة المقومات الطبيعية والبشرية لتحقق التكامل بين شعوبها بخصوص عمليات التنمية.
 
كيف يمكن للمغرب أن يستفيد من الأخطاء الفرنسية في إفريقيا؟ وما المؤشرات التي يمكن أن يعتمد عليها المغرب لتعزيز وجوده في افريقيا أكثر؟
إن البيانات والمعطيات التي قدمناها في الفقرات السالفة بخصوص السياسة العامة التي نهجتها فرنسا في القارة السمراء منذ عدة عقود، وما طبعها من استغلال وتسلط، وما وازاها من رغبة أكيدة من باريس في الإبقاء على تبعية الدول الإفريقية إلى فرنسا في كل صغيرة وكبيرة، وعدم وعي حكام باريس بالتحولات العميقة الجارية في القارة السمراء، وإصرارهم على معاملة الأفارقة بنفس الأسلوب وبنفس النظرة التي كانوا ينظرون بها إلى قضايا أفريقيا منذ عقود خلت؛ كل ذلك جعل الحضور الفرنسي في القارة السمراء يفقد جاذبيته، ويتراجع لصالح قوى أفريقية صاعدة، تقودها عدة دول تمتلك من المقومات والقدرات الطبيعية والبشرية ما أهلها لتصبح منافسا شرسا لفرنسا في هذه القارة ؛ مثل المملكة المغربية التي استغلت علاقاتها التاريخية العريقة مع الدول الإفريقية، واستثمرت مؤهلاتها الذاتية، وهيأت لنفسها شروط اقتحام عالم إفريقيا من أوسع أبوابه، في ظل قيادة حكيمة للملك محمد السادس الذي أولى عناية شخصية لقضايا الأفارقة، من خلال مبادراته وزياراته الميدانية إلى عدد من الدول الأفريقية، والتي فاقت 50 زيارة، وما واكبها من معاهدات واتفاقيات تجاوزت 1000 اتفاقية ومعاهدة، وما تضمنته من مشاريع عملاقة، في المجال الفلاحي ومجال الطاقة والصناعة والتجارة والمال والأعمال وقطاع الاتصال والخدمات، وفق شراكة مبنية على منطق رابح -رابح، وليس على قاعدة الاستغلال والتبعية. 
 
 وهو ما جعل المملكة المغربية تحظى بثقة الأفارقة شعبيا ورسميا، وبات لها حضور وازن في مفاصل القارة السمراء، وبدأت ثمار التعاون المغربي- الإفريقي تخرج إلى حيز الوجود من خلال عدة أحداث بارزة طبعت العلاقات المغربية الإفريقية، أهمها ترحيب أغلب قادة إفريقيا بعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي في يناير 2017، وتثمين دور المملكة في الإسهام في تنمية إفريقيا، والتعاطف الصادق مع قضاياها الاجتماعية والاقتصادية، ناهيك عن تراجع عدد هائل من الدول الأفريقية عن مواقفها التي كانت تعاكس الوحدة الترابية للمملكة في أقاليمها الصحراوية؛ بحيث إن جملة من دول القارة أيدت مخطط الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وانخرطت في الدينامية الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها هذه الأقاليم، وفتحت قنصليات عامة لها في كل من مدينتي العيون والداخلة، سيما أن هذا الحضور المغربي في إفريقيا، وكيف أن المغرب تحول إلى منصة وبوابة لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهلها فيما يتعلق بالعلاقات الدولية مع القارة السمراء. هذا الحضور وهذا التحول اعترفت بهما أكبر القوى العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية من خلال موقفها التاريخي بخصوص اعترافها الرسمي بمغربية الصحراء في دجنبر 2020، وتأكيدها على عقد شراكات مع المغرب في أقاليمه الجنوبية، باعتبارها حلقة وصل أساسية مع مختلف الدول الإفريقية. وهذا التوجه نفسه، هو الذي أخذت به دول عملاقة؛ مثل الصين وألمانيا وإسبانيا وغيرها. 
 
وهذا أمر أزعج كثيرا سلطات باريس التي تشبثت بأساليبها التقليدية المتجاوزة في علاقاتها مع الشعوب الأفريقية عامة، ومع المملكة المغربية بشكل خاص، ولاسيما بخصوص مواقفها الغامضة من قضية الوحدة الترابية للمملكة، وسيادتها الكاملة على أقاليمها الصحراوية، التي تدرك فرنسا تمام الإدراك أن لها يدا أكيدة في افتعال ملف الحدود المغربية، والعمل على إدامته، والإصرار على استمرارها في ابتزاز المغرب من أجله، ومقايضة مواقفها تجاهه من خلال الرغبة في الحفاظ على مصالحها الخاصة في القارة السمراء. وهو ما رفضته المملكة المغربية شكلا ومضمونا. إذ بات على فرنسا أن تلتزم بمبدأ الشفافية والوضوح في علاقتها مع المغرب، وأن تخرج من المنطقة الرمادية التي ظلت تراوحها منذ عقود طويلة دون أن يحصل لها وعي كاف بالمتغيرات العميقة في المنطقة.