الثلاثاء 27 سبتمبر 2022
مجتمع

الكلاب الضالة.."الإرهاب الحضري" الذي هزم الداخلية ويهدد سمعة المغرب

الكلاب الضالة.."الإرهاب الحضري" الذي هزم الداخلية ويهدد سمعة المغرب كشف الوزير أن الاعتمادات المرصودة لمحاربة هذه الظاهرة والحد من انتشارها، بلغت أزيد من 22 مليون درهم
بعد مقتل المواطنة الفرنسية بسبب هجوم الكلاب الضالة بمنطقة العركوب بمدينة الداخلة إقليم وإذ الذهب، يوم الثلاثاء 16 غشت 2022، بدت الصورة السياحية لبلادنا جد محرجة وكارثية، ذلك أن انتشار الكلاب الضالة والقطط والدواب في الوسط الحضرى يعتبر من علامات التخلف، بل إن بعض المتابعين لهذه الظاهرة يصنفه في خانة "الإرهاب الحضرى"، لاسيما أنه يسيء إلى صورة البلاد السياحية، فضلا عن أنه يتسبب في عاهات للأشخاص الذين كانوا ضحية للكلاب المشردة، ناهيك عن زهق الأرواح، كما حدث للمواطنة الفرنسية مؤخرا. 

مقتل الفرنسية بسبب هجوم الكلاب ليست حدثا معزولا؛ فقد تسببت الكلاب الضالة، يوم الأحد 4 أبريل 2021، بمنطقة "لاساركا" بالداخلة، في مصرع  رجل مسن بعدما هاجمه قطيع من الكلاب ونهش جسده. وقد عُثر على جثة الراحل ملقاة على الأرض وآثار الدماء والنهش بادية على أطرافه العليا والسفلى،  وعلى رقبته وعنقه وظهره ومختلف أنحاء جسده.

هذه الصورة المرعبة تجعلنا نتساءل من المسؤول عن تفخيخ مدننا وشوارعنا بجحافل "الكلاب المنفردة" على غرار "الذئاب المنفردة" التي تطلق على الإرهابيين الذين يسعون لترويع أمننا واستقرارنا. يقول الأستاذ الجامعي والفاعل السياسي محمد حفيظ، في تصريح لـ "أنفاس بريس" قائلا: "هذا أيضا يمكن النظر إليه كإرهاب.. "إرهاب الكلاب الضالة"، وينبغي التعامل معه بالصرامة نفسها التي يتم التعامل بها مع الإرهاب، فهو يزهق الأرواح البريئة مثل الإرهاب، ويخلف الأعطاب والعاهات المستديمة مثل الإرهاب، ويتسبب في أمراض نفسية مثل الإرهاب، وهو -في حالة مقتل هذه السائحة الفرنسية-، يؤثر على الاقتصاد وعلى السياحة مثل الإرهاب، بل قد يصنف بلدنا ضمن قائمة "البلدان الخطر" مثل الإرهاب. أظن أن مقتل هذه المواطنة الفرنسية قد يحرك هذه البركة الآسنة..".

إلى ذلك، تقر وزارة الداخلية بأن ظاهرة انتشار الكلاب الضالة تشكل خطرا على صحة وسلامة المواطنين، نظرا لما يمكن أن تسببه من أمراض، ناهيك عن الانزعاج الناجم عنها، وتأثيرها السلبي على محيط عيش السكان، كما أن هذه الحيوانات تشكل خزانا رئيسيا ناقلا للعديد من الأمراض الخطيرة كداء السعار. ومع ذلك، فإن تدخل مصالح وزارة الداخلية يظل محتشما إذا لم يكن منعدما، علما أن عبد الوفي لفتيت، وزير الداخلية، أكد في جواب عن سؤال كتابي للفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، بمجلس المستشارين في ماي 2022، حول "ظاهرة الكلاب الضالة"، أن محاربة الكلاب الضالة تندرج ضمن الاختصاصات المخولة للمجالس الجماعية ورؤسائها في ميدان الوقاية وحفظ الصحة، معلنا أن وزارة الداخلية تعمل سنويا، في إطار مواكبتها للجماعات الترابية، على رصد اعتمادات لتعزيز قدراتها في هذا الميدان، حيث بلغت، خلال الخمس سنوات الأخيرة، ما يناهز 70 مليون درهم، من أجل اقتناء سيارات ومعدات لجمع ومحاربة الكلاب الضالة وداء السعار.

وكشف الوزير أن الاعتمادات المرصودة لمحاربة هذه الظاهرة والحد من انتشارها، بلغت أزيد من 22 مليون درهم، مذكرا أنه تم توجيه عدة دوريات إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم بصفتهم رؤساء اللجان والفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات من أجل حث الجماعات على تفادي استعمال بعض الوسائل كالأسلحة النارية ومادة "الستريكنين" للقضاء على هذه الكلاب الضالة، وإشراك الجمعيات المهتمة بحماية الحيوانات والبيئة في احتواء هذه الظاهرة مع تعزيز ثقافة الرفق بالحيوانات.
 
بالنسبة للعديد من الفاعلين الجمعويين، فإن تحرك وزارة الداخلية وخلفها المجالس المنتخبة لم يرق إلى تطلعات المواطنين، ولم يحد من خطر الكلاب الضالة، لاسيما أن المصالح المختصة تتحمل تلقيح أزيد من 80 ألف شخص سنويا مجانا ضد داء السعار. الأمر الذي دفع عبد الواحد زيات، فاعل جمعوي إلى توجيه نداء إلى وزير الداخلية مباشرة بعد انتشار خبر نهش السائحة الفرنسية بمنطقة العركوب، من أجل إعطاء تعليمات حازمة إلى كافة الولاة والعمال على مستوى التراب الوطني، لأجرأة التدابير الوقائية للحماية من خطر الكلاب الضالة التي أصبحت تصول وتجول على شكل قطعان سائبة، مع تفعيل أدوار مكاتب المجالس الصحية على مستوى الجماعات الترابية قصد تفادي الخطر بكافة أشكاله .

واعتبر أحمد الشهبوني، أستاذ جامعي ورئيس مركز تانسيفت بمراكش، في تصريح لـ "أنفاس بريس"، أن  مشكل الكلاب الضالة بات يؤرق صحة المواطنين  والسواح في جميع المدن المغربية. مبرزا أنه "في السابق كانت مصالح مختلف البلديات تجمع الكلاب الضالة وتقتلهم إلى حين نزول دورية لوزير الداخلية تمنع هذا الإجراء، تماشيا مع احترام حقوق الحيوانات، كما هو الشأن في الغرب، ولم يقدم الوزير أية وصفة لمعالجة الظاهرة". و"نسي السيد الوزير –يقول الشهبوني-  أنه في الغرب جل الناس يتعايشون مع الكلاب في بيوتهم، وبالتالي ظاهرة الكلاب الضالة شبه منعدمة، بينما عندنا فأغلبية المواطنين يعتقدون أن وجود الكلب في البيت "يفزع الملائكة" وبالتالي يتجنبون التعايش مع الكلاب !".

وحسب رئيس مركز تانسيفت، هناك حلان اثنان لمواجهة الظاهرة لا ثالت لهما، إما إصدار دورية من وزير الداخلية تأمر جميع البلديات بجمع الكلاب وإخصائهم،castration ، حتى لا يتكاثروا (وهي عملية مكلفة)، وإما اصدار فتوى توصي بالتعايش مع الكلاب في المنازل، ويمكن الاستشهاد بأصحاب الكهف !

وإذا كان لوزارة الداخلية والمجالس الجماعية تجربة في التعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة، فإن موظفا متمرسا بمكتب حفظ الصحة بجماعة الدار البيضاء، أوضح ل"أنفاس بريس"، أن هناك ثلاثة طرق يتم اعتمادها لقتل الكلاب الضالة، أولا: القتل بالسم، وهي طريقة تم منعها من طرف وزارة الداخلية لما تشكله من أضرار على المحيط البيئي. ثانيا: القتل بالرصاص، غير أن هذه الطريقة –يقول مصدرنا - تعرف انتقادات شديدة من طرف جمعيات الرفق بالحيوان . أما الطريقة الثالثة، فهي جمع الكلاب الضالة وحقنها بمواد سامة، وهذه الطريقة تتطلب إمكانيات كثيرة وموارد بشرية من أجل إنجاحها.

إلى ذلك تساءل الموظف نفسه عن الأسباب التي تعيق برنامج مواكبة مكاتب حفظ الصحة التابعة للجماعات، الذي أطلقته وزارة الداخلية في إطار مخطط عمل الممتد ما بين 2019 و2024 ،  والذي بإمكانه أن يساهم في الحد من الظاهرة في مختلف جهات المغرب، خاصة أن هذا البرنامج، الذي تساهم فيه وزارة الداخلية بـ50%  (تكلفته الإجمالية 512 مليون درهم)، يهم إحداث 64 مكتبا جماعيا جديدا لحفظ الصحة، من أجل تدارك الخصاص المسجل بالجماعات التي لا تتوفر على هذا النوع من التجهيزات.