الثلاثاء 4 أكتوبر 2022
مجتمع

عبد الإله حسنين: المخيم التربوي.. أين أنت.. اشتقنا لك؟

عبد الإله حسنين: المخيم التربوي.. أين أنت.. اشتقنا لك؟ عبد الإله حسنين
يجب أن تكون المخيمات الصيفية بفعل التاريخ والتراكمات المعرفية والتجربة في الميدان مؤسسة دستورية للمتعة والاستجمام والترفيه، وجزء أساسي من أنشطة الوقت الحر الذي لا زلنا نطالب به لمصلحة الأطفال المغاربة الذين بلغوا سن التخييم، سواء كانوا في المدن أو في القرى، في الشواطئ أوفي الجبال، وسواء كانوا من المتعلمين المتمدرسين أو من هم في بداية الطريق إلى سوق التكوين والعمل، كل أطفال المغرب الذين وصلوا سن التخييم وحتى الصغار منهم لا بد أن يكونوا سواسية أمام القانون وأمام حقهم في الترفيه وفقا للاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي تؤكد ذلك في المادة 31.
 
لن ولن تكون مخيماتنا حكرا على المتفوقين في الدراسة أو المختارين من بين أطفال الجماعات الترابية أو الذين وقعت تزكيتهم من طرف السياسيين ليكونوا على رأس القائمة لمقاصد قد تكون قبل كل شيء مقاصد سياسية تهدف إلى تحقيق الاستفادة والسبق الانتخابي والتعود على الانتهازية والريع منذ سن الطفولة والمراهقة. إن المخيمات في غايتها تهدف إلى أن يستفيد الأطفال من الطبيعة بالجبل أو البحر أو البادية، وأيضا الاستفادة من الرفقة والنظافة والتغذية الصحية والمتعة الحقيقية والعيش داخل الجماعة.
 
لذلك كان ولا زال من واجبنا كمؤطرين ومنشطين تربويين وكمسؤولين أيضا أن نعمل على تأقلم أطفالنا مع الوضع الجديد بالمخيم المنظم حسب قواعد تربوية وإدارية جديدة على الأطفال، وحسب برامج متنوعة وأيام معدودة تمتد إلى 21 يوما كانت تعتبر الحد الأدنى من الناحية التربوية والبيداغوجية لتأقلم الأطفال، لاسيما وأننا بفضاء مفتوح على العلاقات والصداقات والمواهب واكتشاف المحيط وعرض الإبداعات ...
 
فالمخيمات تاريخيا هي التي سمحت للأطفال لأول مرة باكتشاف البحر ومياهه، والغابة ومكوناتها، والجبل وأشجاره وطيوره وشدي الألحان والموسيقى، ومتعة الأناشيد في الصباح قبل وجبة الفطور، والألعاب الكبرى في الزوال، بل والمسابقات الليلية والسهرات الحرة. بل أنها جعلت من الذكور والإناث على حد سواء يتعوذون على الحياة الجماعية والاستقلال عن العائلة والتحرر من قيود المدرسة والاعتماد على الذات في عدد كبير من الأشغال اليومية التي ينظمها المخيم كأنشطة يومية بعد الاستيقاظ والفطور تمتد من نظافة الخيمة أو المرقد إلى نظافة محيط المخيم والمطبخ إلى المساعدة في تحضير الوجبات والتعرف على المواد والخضر والفواكه وأنواع البهارات أو العطرية بلغتنا الدارجة التي نستعملها في الطبخ والمطبخ المغربي، بل حتى الإطلاع على عدد الغرامات الواجبة لكل طفل في مختلف المواد المستعملة من لحوم ودجاج وسمك وخضر وفواكه... بل يتكلف الأطفال بحطب وجمع الأخشاب حسب المجموعات لتوفير الحطب للمطبخ الذي كان يشتغل بالطريقة التقليدية التي تجعل حياة المخيم حياة طبيعية.
 
وكل ذلك قبل الانطلاق في برنامج الأنشطة اليومية من نزهة واستكشاف وتجول ولعب بالهواء الطلق وتمرين على المسرح والأشغال اليدوية والتحضير للمسابقات الثقافية والسهرات ومعارض نهاية المرحلة، بل كذلك تحمل المسؤولية بالتداول والتناوب للتعود عليها داخل الجماعة وداخل المخيم من خلال مجلس المخيم الذي يتكون من مجالس الجماعات المخيمة، والذي يكون له دور مهم في فض النزاعات والتداول على المسؤوليات وتحفيز المجموعات خلال السهرات والمسابقات.
 
ورغم أن الدولة هي المسؤولة الأولى عن تنظيم وتدبير شؤون المنظومة التخييمية إداريا وقانونيا، إلا أن المصالح الاجتماعية بالعديد من المؤسسات الخصوصية والمقاولات جعلت من حق المخيمات لأطفال العاملين بها مطلبا نقابيا دافعت عليه لسنوات، وسرعان ما تم تنزيله فأصبحنا أمام مخيمات خصوصية للفوسفاط والبترول والسكك الحديدية والتعليم والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والبريد والأبناك والطرق السيارة وغيرها من المصالح الاجتماعية للوزارات والقطاعات الحكومية.
 
ففي البداية كانت المصالح والقطاعات الاجتماعية تعتمد على أطرها أو أطر من الجمعيات التربوية وقطاع التعليم الذي كان معروفا بتأطيره للمخيمات سواء بحكم تواجده بالجمعيات التربوية أو بحكم تأطيره مباشرة لمخيمات التعليم من خلال الجمعية المكلفة بذلك والتابعة للوزارة. إلا أن هذه المصالح والقطاعات الاجتماعية مع تطور الإمكانيات المالية بصفة خاصة بدأت تتخلى عن هذه الخدمة العمومية لمصلحة وكلاء متخصصون في تنظيم الحفلات والمخيمات يستعملون أطرا من الجمعيات التربوية بمبالغ بخسة ويقومون بذلك مقامها مقابل مبالغ مالية مهمة تأتي من جيوب العمال والمساهمين ومن حسابات الباطرونا على حد سواء.
ورغم أن المخيم اليوم من الناحية التربوية والبيداغوجية هو فضاء لاكتساب المعارف والعيش الجماعي والاعتماد على النفس، فضاء لتحقيق الرفقة والصداقة ولو لفترة المخيم؛ إلا أنه أصبح أيضا مرتعا لكل من هب ودب وتجارة موسمية مربحة، بل في بعض الأحيان يمكن تشبيه المخيم بقاعة للأفراح والحفلات، فالبرنامج يغلب عليه الرقص والموسيقى والتغذية وفترات ضئيلة للفعل التربوي والمتعة والترفيه المبرمج.
 
لقد انتقلنا فعلا من مرحلة السبعينات حيث تكون القطارات المملوءة بالأطفال على اختلاف فئاتهم ومستوياتهم الاجتماعية والجمعيات التي تؤطرهم، كلهم سواسية داخل القطار المتوجه نحو محطات الوصول لركوب حافلات النقل التكميلي، وحيث الآباء وأولياء الأمور يودعون أطفالهم لمرحلة كاملة والدموع في أعينهم لأنهم يعلمون أنهم لن يروا ولن يسمعوا أطفالهم لمرحلة كاملة من 21 يوما بدون هاتف جوال أو نقال ودون واتساب أو فايسبوك، ما جعل الأطفال يعتمدون على أنفسهم وجعل الآباء في حالة اطمئنان على أبنائهم إلا في الحالات النادرة. وكانت العائلات تؤمن بأن أبنائهم فعلا متوجهون لقضاء عطلتهم الجبلية أو الشاطئية داخل فضاءات المخيمات.
 
أما اليوم ومع التطور الذي يعرفه المجتمع والتكنولوجيا وارتفاع عدد الأطفال الذين وصلوا سن التخييم، وتقلص الفضاءات المخصصة للتخييم بل وتقلص أيام المرحلة من 21 إلى 15 إلى 12 إلى 10 إلى ثمانية أيام دون احتساب يوم الوصول ويوم الرجوع، بمعنى ثمانية أيام داخل المخيم قد تتحول مستقبلا إلى خمسة أيام حتى نترك نهاية الأسبوع للمسؤولين عن القطاع؛ فالأمر أصبح محرجا للجميع، للوزارة والجامعة والجمعيات والمجتمع برمته بل حتى لبعض اللجن الاستشارية للبرلمان، ولا جواب لنا عن هذا الوضع المزري والمقلق الذي لا يحتمل الانتظار ولا الاستمرار.
 
لقد أصبح التوجه اليوم عند الكثير من مسؤولي وكالات المخيمات نحو الفرد وليس الجماعة، نحو من يدفع أكثر لحجز مقعده بالمخيم، فابتعدنا عن التخييم لأطفالنا الذين يؤثثون أنشطة فروعنا طيلة السنة وتعتبر عائلاتهم سندا ودعما لنا من خلال انخراط أطفالهم لسنوات، واستغل أصحاب النقل التخلي التدريجي للدولة فحلوا محلها لنقل الأطفال بأثمنة باهظة قد تصل إلى أكثر من 500 درهم للطفل دون احتساب المصاريف الأخرى التربوية والصحية والترفيهية وغيرها.
 
فأين نحن اليوم من المخيمات التربوية لأطفالنا وقد كثرت مخيمات الارتزاق التي قد تصل إلى أكثر من 3000 درهم للمرحلة؟ وأين نحن من حق الأطفال في التخييم وعائلاتهم لا حول ولا قوة لهم في دفع أكثر من 300 درهم للمرحلة؟ هل نحن فعلا كجمعيات وطنية تربوية لها تاريخ وشرعية وكأعضاء باتحاد المنظمات التربوية المغربية وكأعضاء بالمكتب الجامعي للجامعة الوطنية للتخييم نعمل لمصلحة طفولة وشباب هذا البلد عندما نقبل بأريحية كاملة بهذا الوضع وهذا الريع داخل إطاراتنا التنظيمية ولا نحرك ساكنا؟
 
أعتقد أن من واجبنا الدفاع عن حق الطفل في التخييم ودون إثقال العائلات بواجبات المخيم التي تتعدى مصاريف المخيم إلى مصاريف عائلات المدير والرئيس وتنقلات المسؤولين المحليين وضيافة أهل الحل والعقد وغيرها من الترهات والمصاريف الجانبية التي لا دخل لها بمنظومة التخييم وداخل الواقع المغربي.