الحمد لله، عاد المطر، فعادت معه الثقة إلى المزاج العام، والطمأنينة إلى نفوس الفلاحين، والأمل إلى الحقول، وعاد السيلان إلى عدد من الوديان والأنهار. ففي بلادنا، الغيث ليس مجرد معطى طبيعي، بل حدث ديني واجتماعي ونفسي بامتياز، يوقظ الذاكرة الجماعية، ويعيد ترتيب العلاقة مع الأرض والزمن.خاصة بعد سنوات متتالية من الجفاف، بلغت ذروتها خلال موسمي 2023 و2024، فجاءت هذه التساقطات لتكسر قسوة الانتظار، وتمنح الإحساس بأن دورة الحياة لم تنقطع.وهذا طبعا احساس مشروع، بل ضروري، لأنه يذكرنا بأن الطبيعة، رغم قسوتها، تظل قادرة على منح فرص جديدة.
غير أن اللحظات الإيجابية، بطبيعتها تحتاج إلى قدر أكبر من الوعي. ليس خوفا من الفرح، بل حماية له من التحول إلى طمأنينة زائفة. فالمطر، حين يقرأ خارج سياقه، قد يبعث على الارتياح، لكنه لا يبني فهما عميقا لطبيعة التحولات التي نعيشها.
فأزمة الماء في المغرب ليست ولم تكن، في أي مرحلة، أزمة ظرفية أو مفاجئة. بل مسار طويل من التحولات المناخية والبنيوية، حيث جرى التنبيه إليه علميا منذ عقود. ومن بين أكثر الوثائق دلالة في هذا السياق، تقرير روبرت أمبروجي لسنة 1995، المنشور ضمن أعمال أكاديمية المملكة، والذي تم تداوله بقوة في الأيام الأخيرة والذي لم يكتف بتفسير جفاف بل وضع، علامة إنذار واضحة على الفترة الممتدة بين 2023 و2024، واصفا إياها بجفاف خطير متوقع، مع الإشارة إلى عودة دورية للأمطار.
بهذا المعنى، فإن أمطار 2025 لم تكن حدثا غير متوقع. بل كانت جزءا من سيناريو محتمل ومعروف. كما أن هذا المعطى لم يبق حبيس الدراسات الأكاديمية، وإنما انتقل، بشكل عملي، إلى منطق التدبير العمومي نفسه. فالحكومة المغربية، منذ ستة أشهر، أعدت ميزانيتها المرتقبة لسنة 2026 على أساس توقع سنة فلاحية جيدة، وهو ما يعني أن عودة الأمطار كانت ضمن أفق التخطيط، لا خارجة عنه.
ورغم ذلك، تعاملت وسائل الإعلام العمومية، وخاصة التلفزية، مع هذه التساقطات كما لو أنها قطيعة نهائية مع سنوات الجفاف. اكيد ان الأمر لا يتعلق بسوء نية، بل بنمط تواصل يختزل الزمن، ويفصل الحدث عن سياقه، ويغلب منطق اللحظة على منطق المسار.
ويظهر هذا الخلل بشكل أوضح في الصمت الإعلامي الذي رافق، في الآونة الأخيرة، مشاريع مهيكلة كبرى لا تزال تنجز على أرض الواقع. فمشاريع تحلية مياه البحر، التي كانت تحظى بمتابعة يومية خلال مرحلة الجفاف، غابت فجأة عن النشرات والبرامج، وكأنها توقفت أو فقدت راهنيتها. الأمر نفسه ينطبق على ما سمي بالطرق السيارة للماء ، وعلى مشاريع تحويل المياه بين الأحواض، والتي لا تزال أوراشها مفتوحة، وتشتغل فيها المقاولات ، وتُرصد لها استثمارات كبرى.
هذا الغياب لا يمكن قراءته إلا كجزء من التواصل المعطوب ذاته. فحين يتوقف الإعلام عن الحديث عن هذه المشاريع بمجرد نزول المطر، يُعطى الانطباع، ولو دون قصد، بأن الرهان على التحلية والنقل كان مرتبطا فقط بسنوات الشح، وأن الحاجة إليه انتفت مع أول موسم مطير. والحال أن هذه المشاريع وُجدت أصلا لأنها استراتيجية بعيدة المدى، لا لأنها حلول ظرفية.
التواصل المعطوب لا يعني غياب المعلومة، او الخطأ في الخبر،وانما القصور في المعنى. وبالتالي فحين يقدم المطر كخبر مكتف بذاته، دون ربطه بالمعرفة وبمنطق السياسات العمومية الجارية، تتحول النعمة إلى صورة جذابة، لكنها تفقد بعدها التربوي والتوعوي. وهنا، بدل أن يساهم الإعلام في ترسيخ وعي جماعي بنذرة الماء، يعيد انتاج وهم الوفرة ولو بدون قصد .
ويزداد هذا الوهم خطورة إذا استحضرنا أن مخزون السدود لا زال لم يتجاوز حتى أربعين في المئة، وأن التوزيع الجغرافي للتساقطات لم يشمل سوى أقل من عشرة في المئة من التراب الوطني. وهي معطيات كافية لتأكيد أن الحديث عن نهاية الجفاف سابق لأوانه.
فالمناخ لا يشتغل بمنطق الاستقرار، بل بمنطق التذبذب. سنة ممطرة لا تلغي سبع سنوات من الجفاف، كما أن سنوات الجفاف لا تمنع عودة الغيث. هذا الفهم البسيط هو جوهر التواصل السليم. أما حين تقدم الأمطار كدليل على أن الأزمة أصبحت من الماضي، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن تكون ناقصة، وربما مضللة.
الأخطر في هذا النمط من التواصل، هو أنه يهدد بتبديد التراكم الإيجابي الذي تحقق خلال سنوات الشح ، حيث تشكل ولو ببطء وعي جماعي ،وبدأت في التغبر سلوكيات فردية وجماعية وربط النقاش العمومي قضية الماء بالمسؤولية والاستدامة. وهكذا فالعودة إلى خطاب الاطمئنان السريع تعني، في العمق، العودة خطوة إلى الوراء.
في المقابل، من الإنصاف التنويه بالمجهود الكبير الذي بذله المغرب خلال السنوات الأخيرة في مجال السياسة المائية. فقد انتقل التدبير من منطق الانتظار إلى منطق الاستباق، عبر تعزيز البنية السدية، ونقل المياه بين الأحواض، وإطلاق مشاريع تحلية مياه البحر، إضافة إلى برامج ترشيد الاستهلاك، انسجاما مع الرؤية الملكية الهادفة إلى تحقيق السيادة المائية وضمان الأمن المائي للمملكة. وهي اختيارات لم تكن نتيجة وفرة، بل نتيجة وعي عميق بنذرة الموارد.
غير أن هذه السياسات، مهما بلغت أهميتها، تحتاج إلى خطاب يواكبها ويمنحها معناها المجتمعي. خطاب يحافظ على الرصيد التحسيسي الذي تراكم خلال سنوات الجفاف، ولا يفرغه من مضمونه عند أول موسم مطير. خطاب لا يقتل الفرح، ولا يضخم القلق، بل يضع الأمور في حجمها الطبيعي، ويربط اللحظة بالسياق.
ففي زمن التغير المناخي، يختبر نضج المجتمعات بقدرتها على عدم نسيان الدروس القاسية في لحظات الانفراج. فالمطر، مهما كان مرحبا به، لا ينبغي أن يقطع خيط الاستمرارية في الوعي، ولا أن يحول الارتياح المؤقت إلى ذاكرة قصيرة. وحده التواصل الرصين، الذي يربط الفرح بالمسؤولية، والحدث بالمسار، قادر على تحويل الغيث من خبر عابر إلى درس مستدام.

