السبت 25 مايو 2024
منبر أنفاس

عبد العزيز حنون: الرجال بدورهم يتعرضون لعنف النوع !! 

 
 
عبد العزيز حنون: الرجال بدورهم يتعرضون لعنف النوع !!  الدكتور عبد العزيز حنون
تعنيف الرجال في بيت  الزوجية  له مظاهر متعددة رغم أن  عنف الرجل على المرأة  تاريخيا وواقعيا هو النمط السائد أكثر والذي تسلط عليه الأضواء  نظرا لمنسوبه العالي لحد الآن .. ففي فرنسا مثلا سنة 2022تم تسجيل 118 جريمة قتل للزوجة من طرف الزوج مقابل 27 حالة قتل الزوجة للزوج وهو ما يشكل حوالي 19%. 
ويتميز عنف المرأة على الرجل بكونه عنفا خفيا لا يتم التصريح به بل يخجل الرجل من ذلك حتى في أوربا حيث يصبح مثار سخرية في المجتمع. ولا ننسى بالطبع عنف الأبوين على الأطفال الذي قد يتجاوز الحدود ويشكل شططا  في استعمال السلطة الأبوية الذي مع الأسف قد تستمرئه وتشرعنه عن جهل بعض عادات التربية التقليدية.. عنف الأولاد على الوالدين بدوره غير بارز لكنه أضحى موجودا. أشكال متنوعة من العنف الأسري  كلها موجودة تاريخيا وواقعيا محليا وكونيا.. 
ولعل عنف النوع بالخصوص، بما له من تأثيرات جسدية ونفسية واجتماعية، أصبح يدخل ضمن برامج الصحة العمومية التي تحاول مقاربة الظاهرة علميا عبر الدراسات ووقائيا بالاشتغال على الشروط المنتجة لها وتصحيح الوضع عند وقوع العنف. 
والعنف بين الأزواج له دورة مغلقة معروفة علميا، وهي تتكرر باستمرار.. تبدأ بمرحلة تخزين الغضب و بروز الخلاف لأسباب متعددة، وتنفجر عبر توقيع فعل العنف على الضحية، وتنتهي بالاعتذار والتصالح الذي تعقبه ما يسمى بأيام عسل التي ما تلبث أن تنتهي لتبدأ مرحلة تخزين الغضب من جديد وتوقيع العنف والاعتذار والعسل . وهكذا دواليك ما لم يتم قطع هذه الدورة بتدخلات دقيقة للطب النفسي الأسري الذي يحتاج لمجهودات مضاعفة لتحقيق الهدف .
بعض الثقافات  تعتبر عنف الرجل على المرأة عنفا "مقبولا" لكنها ترفض وتخجل من العكس، أن يكون الرجل موضوعا لعنف المرأة. وهذا ليس في ثقافتها المغربية فحسب ولكن أيضا حتى في الثقافة الأوروبية التي قطعت أشواطا في معالجة العنف الأسري. ولعل أهم المؤشرات الدالة على ذلك هو صعوبة إعلان الرجل الأوربي أنه ضحية عنف لامرأة، فما بالك بالرجل المغربي. وبالتالي فالتصريحات الموضوعة لدى المصالح الاستشفائية طلبا للفحص من آثار العنف وكذا الشكايات الأمنية والقضائية  وتدخلات  الجمعيات الموضوعاتية المهتمة بهذه الظاهرة  وبعض المعالجين النفسيين والمساعدين الاجتماعيين، كلهم أصبحوا يتلقون عددا من حالات العنف ضد رجال مغاربة  ويسجلون سنويا الآلاف منها، لكنها قد لا تعكس كل الحقيقة، وهي وضعية يجب كسر جدار الصمت حولها. فرغم أن الطابع الغالب اجتماعيا وظاهريا كما سلفت الإشارة إلى ذلك هو العنف ضد النساء، يبقى العنف ضد الرجال حاضر أيضا لكنه يشكل "طابو" حقيقي يحول دون التصريح به وبالتالي لا نتوفر لحد الآن على أرقام علمية دقيقة تحدد حجم التفاوت في نسبة العنف بين الجنسين. 
والعنف ضد الرجال يتخذ أشكالا حددتها بعض  الدراسات الوصفية التي تصنفه إلى عنف جسدي الذي تقوم فيه المرأة بالايذاء الجسدي عبر العض واستعمال الأظافر والضرب بجميع المقذوفات المتاحة وبجميع أنواع الآلات المنزلية وأدوات المطبخ كذلك  والمغرفة والكسرونة وسكاكين المطبخ  والضرب في الأعضاء التناسلية. ويصل العنف إلى مداه عبر اللجوء أحيانا للتصفية الجسدية. وهناك أنواع العنف المعنوي كالتحقير والسب والإحراج،  وهناك العنف الجنسي عبر الامتناع عن المعاشرة الجنسية أو التشكيك في الفحولة وفي أقساها القيام بعلاقات غير مشروعة مع الغير بهدف إلحاق الضرر المعنوي بالرجل والتقليل من فحولته. ولا بد من الإشارة  ضمن العنف الجنسي ضد الرجال الاستغلال الجنسي لرئيسات العمل  لمأموريهم، وهناك استغلال الحاجة والفقر لشباب الخدمات الجنسية المدفوعة الأجر .. 
  وهناك أيضا عنف الغيرة  المفرطة التي تدفع بالمرأة إلى مراقبة زوجها بشكل مبالغ فيه حيث تذهب للبحث عنه بشكل مستمر في العمل أو تهاتفه عدة مرات في اليوم لمعرفة هل هو في محل العمل أم خارجه كما تمنع عنه كثيرا من العلاقات المهنية مع النساء وتصبح مع حالة الترصد هاته العلاقة لا تطاق لحد الضيق أو التفكير في الهروب.. هناك العنف أيضا باستعمال الاطفال كرهينة، أو الحديث بشكل سيء عن الأب مما يجعل الأبناء يبتعدون عن الأب ويكونون صورة سيئة عنه.. أيضا هناك الإيذاء عبر القضاء عبر التخطيط لتلفيق اتهم لإيداعه السجن أو الحصول على تعويضات وغرامات ونفقات "عقابية" فوق الطاقة. 
وهناك العنف الإقتصادي خصوصا  في ظل التحولات المجتمعية المعاصرة التي وضعت المرأة في عمق المسؤولية الإقتصادية المباشرة للأسرة، حيث إنتقل كثير من الرجال من دور الرجل المعيل إلى دور المحتاج لمساعدة المرأة ماليا، أو على الأقل التعاون في تغطية المصاريف، وبالتالي يصبح في موقع وموقف غير مقبول عرفيا وثقافيا في مجتمع يعتبر اللجوء للمرأة ضعفا بل انتهازية. فحسب المثل الشعبي الذي يعكس الثقافة المؤطرة للعلاقة المادية بين الرجل والمرأة في المجتمع المغربي " ما يسكن عند النساب غير الجيد في الكلاب" وكلمة كلب تعني ما تعنيه في المخيال الشعبي من معاني الذل والمهانة. هذا الوصف المعنوي العنيف جدا قد يحضر في العلاقة بين الرجل والمرأة خصوصا عندما ترفض  المساهمة وقت الأزمات الإقتصادية للعائلة أو الامتناع عن المساهمة بما كانت تساهم به في اطار إقتصاد الأسرة. أيضا يدخل ضمن خانة العنف الإقتصادي الضغط المستمر على الرجل من أجل شراء أشياء ليست في طاقتة  واتهامه بعدم النجاعة.
ولعل أشكال عنف الرجل على المرأة في جزئها الاقتصادي هي المتداولة بشكل كبير في المحاكم على شكل عدم الإنفاق بهدف إلحاق الضرر، لكن إذا عكسنا الموقف يصبح الأمر غير مألوف في ثقافتنا ويلام الرجل إذا طالب زوجته بالمساهمة في الإنفاق إذا كانت قادرة على ذلك.  
فالتغيرات الإجتماعية هي التي  فرضت هذا النوع الجديد من الضغوطات الإقتصادية بين الطرفين خصوصا عندما أصبحت كثير من مشاريع الزواج تبنى على أساس المساهمة بين الرجل والمرأة في جميع اقتصاديات الأسرة: اقتناء المنزل والسيارة، وتمدرس الأبناء ...وبالتالي مثل هذا العنف الإقتصادي على الرجل قد تساهم فيه بعض  الظروف الإجتماعية السيئة التي تقع على الأسرة برمتها كحالة فقدان الشغل للزوج أو  الإفلاس ، فيتبدل حال اليسر  إلى حال العوز وقد تتغير العلاقة مع الزوجة والأطفال لأنه  واقعيا من يملك المال يملك نوعا مهما من السلطة وبفقدان المال قد تفتقد معها الكلمة " لي معندو فلوس كلامو مسوس " يعني لا يُعتد به. 
ونحن نتحدث عن العنف ضد الرجال لا ينبغي أن نغفل الطابع الشمولي لظاهرة العنف داخل الأسرة، وهذا أمر  ضروري لكل من يفكر في مداخل الحلول التي ينبغي أن تستحضر ابعادا متعددة، من بينها وأهمها  التربية على احترام وتقدير الذات واحترام وتقدير الآخرين والتحكم في الغضب، كما ينبغي محاربة الهشاشة الإقتصادية للأسر رغم أن الدراسات لم  تستطع علميا ربط العنف بالمستوى الإجتماعي فهو يهم جميع الطبقات الإجتماعية،  أيضأ تعميم التدخل النفسي الإجتماعي الناجع والمؤسس على دراسات محلية، وخصوصا فيما يرتبط بالمستوى الوقائي، وأيضا السعي الى التقائية تدخلات كل البرامج والتخصصات الطبية والنفسية والإجتماعية  والتربوية عبر التنسيق الفعال بين جميع القطاعات والمصالح المتدخلة في الموضوع، منها وزارة الصحة والتعليم والثقافة والإعلام والأمن والقضاء. لأن العنف لا يخلف ضحية واحدة بل ضحايا، بما فيهم موقعو العنف أنفسهم، وخصوصا ينبغي حماية الأطفال الذين يحضرون لوقائع العنف المتكررة بين الزوجين، فهم مرشحون للأمراض النفسية وتعاطي المخدرات و أيضا الإخفاق الدراسي وإعادة إنتاج العنف عندما يكبرون، وبالتالي نكون أمام حصيلة كارثية: مجتمع عنيف يتوزع فيه العنف على الجميع .