الخميس 30 يونيو 2022
كتاب الرأي

مراد علمي:الصين تتشبث بعدم إدانة روسيا (3)

مراد علمي:الصين تتشبث بعدم إدانة روسيا (3) د. مراد علمي
لا يمكن للصين أن تتخلى عن أسواق الدول الغربية، لا من كندا، أستراليا، الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة، بالرغم من الدعم اللامشروط لروسيا أو اقتناء الغاز والنفط الروسيي الذي سيبلغ 100 مليار دولار في خلال السنوات المقبلة، لأن الصين في حاجة للذي سيمول لها فرصة الصعود السياسي والرقي الاجتماعي، كما هي في حاجة للطاقة بغية تزويد اقتصادها بالوقود الضروري، لذلك تحاول الصين اليوم التوفــيـق بين الشراكة الاستراتيجية و المصالح المتبادلة التي تربطها بروسيا ولا تريد أن تغضب الغرب ويطردها من أسواقه الثرية أو يفرض عليها عقوبات تجارية مجحفة، بالفعل هي اليوم في مأزق، لذلك شنت أخيرا حربا كلامية شرسة ضد العقوبات التجارية الغربية والتي يستغل الغرب في إطارها الشعب الروسي كرهينة، كما جاء على لسان خارجيتها.
الصين تستعمل تارة المهادنة، الانفتاح الاجتماعي النسبي، وتارة أخرى التصعيد الكلامي كأداة لمواكبة الازمة الروسية ـ الأوكرانية، لذلك سمحت لرواد وسائل التواصل الاجتماعي في أول الأمر استعمال كلمة "عملية"، الكلمة المشفرة ل "الحرب على أوكرانيا"، من بعد "توتر"، وبعد بضع أسابيع كان اللفظ "نزاع" مرغوب فيه، وفي آخر المطاف سمحت السلطات الصينية باستعمال كلمة "حرب" في "وي سين"، نظيره "فايسبوك" في الغرب، فهذا التوجه للاستهلاك الداخلي فقط.
كما أطلقت العنان لمؤثر صيني له أكثر من 30 مليون متتبع، حيث هاجم حلف الناتو الذي لا يخدم السلام لأنه في رأيه يزود أوكرانيا بالسلاح، ويطيل هكذا أمد النزاع ويعطل المفاوضات، فبالنسبة له إن حلف الناتو يصب الغاز في النار، هناك مؤثرة أخرى اسمها "يا تزو دونك" من أب صيني وأم روسية تردد نفس الشيء ولكن بعبارات أخرى، حيث تستعمل حسابها كبوق للأغلبية الصامتة، فهي تقول أن بعض الدول لا يحبون روسيا، ولكن لا تتجرأ أي دولة غربية أن تهاجم روسيا لأن كل هذه الدول تخاف من الأخ الأكبر، ألا وهي الصين، أما بعض المحطات التليفزيونية الصينية ك "سي دجي تي في" تحاول أن ترضي الغرب وتتكلم بصريح العبارة عن "الحرب على أوكرانيا".
ما يخص المحافل الدولية كمنظمة الامم المتحدة فما زال ممثل الصين يمتنع عن تسمية الحرب على أوكرانيا ب "الغزو الروسي" أو ب "العمل العدواني"، مع العلم أن بعض الساسة الغربيين يتكلمون عن "إبادة جماعية" وعن بوتين ك "مجرم حرب" كما قال بايدن مثلا، و كعربون الصداقة الروسية ـ الصينية سمحت السلطات الصينية بعد بضعة أيام فقط من نشوب الحرب على أوكرانيا للقمح الروسي أن يدخل أسواقها، ولو كان محظورا لمدة فاقت 30 سنة، نظرا لبعض الشكوك المتعلقة بالبذور المستعملة، كما أمرت السلطات الصينية "ديدي"، شركة النقل الخاص، منافس شركة "أوبر" الامريكية، تأجيل الانسحاب من السوق الروسي قصد عدم تعكير الأجواء الاقتصادية بين البلدين.
بالرغم من جميع بلاغات المساندة، التعاطف ودعم الموقف الروسي لا زالت الصين جد حذرة وتتجنب ما أمكن أي مواجهة لا تخدم مصالحها أو مستقبلها، واللقاء عبر تقنية الاتصال المرئي بين "بايدن" و"سي دجين بينك" كان حامي الوسيط، ولكن في آخر المطاف اتفقا على تليين المواقف في بيان ختامي مشترك حتى لا يحصل أي انزلاق.
خلال هذه المكالمة حذر بايدن الرئيس الصيني أن لا يمد يد العون لروسيا، لا اقتصاديا ولا عسكريا، في حين أن الدول الغربية تزود أوكرانيا عسكريا بالأسلحة واقتصاديا بالمئات من ملايين الدولارات، مغزى تحذيرات وتهديدات بايدن هي في الاساس الدفع بالرئيس الصيني "سي دجين بينك" أن يتدخل قصد إنهاء الحرب على أوكرانيا، لان الصين القوة الوحيدة التي تملك أوراق عديدة لوقف النزاع الروسي ـ الأوكراني.
أما روسيا نفت أنها طلبت مساعدة اقتصادية أو عسكرية من الصين، لا يمكن لنا أن ندرك ما يدور في الكواليس، ولكن ما يمكن لنا أن نقوم به، هي تخمينات، تكهنات، محاولة فهم ما يجري، وحتى إن وافقت الصين أن تساعد روسيا، فسيكون هذا بطريقة خفية كما وقع في حرب الكوريتين، ولكن بفضل الأقمار الصناعية من المستحيل خدع أي كان، اليوم جميع الدول كتب مفتوحة، وفي مثل هذه النزاعات تكون الحقيقة هي الضحية الاولى.
هدف مكالمة بايدن هي في الاساس محاولة إلقاء الضوء على موقف الرئيس الصيني "سي دجين بينك" من الحرب على أوكرانيا، لأن الصين ترفض ليومنا هذا إدانة روسيا، كما تقر بالحفاظ على سيادة أوكرانيا وسلامتها الاقليمية ولكن في نفس الوقت تعترف بالمخاوف الأمنية لروسيا، لأنه إذا التحقت أوكرانيا بحلف الناتو ستصبح روسيا محاصرة من عدة جهات، في الشمال، الغرب والجنوب، ونفس المخاوف الامنية هي التي دفعت الصين أن تتدخل في حرب الكوريتين بعتادها وقواتها، وتعطش الصين إلى الطاقة الروسية، المصالح المتبادلة، القرب الجغرافي، التاريخ والتجارب المشتركة هي التي ستدفعها دوما إلى مساندة روسيا، حيث ذهبت الخارجية الصينية حتى صرحت أن "الشراكة الصينية ـ الروسية لا تعرف أي سقف".
مكالمة "بايدن" مع "سي دجين بينك" هي كذلك محاولة دفع الصين للابتعاد عن روسيا، ولكن حتى الهند لم تدين روسيا أو تبتعد عنها لحد الآن، لأن الهند في حاجة ماسة إلى المعدات العسكرية الروسية، واردات الهند في هذا القطاع يفوق %50 من إجمالي جميع العتاد الحربي، وهي تمشي اليوم على خيط رفيع حتى لا تعصف بمصالحها الحيوية في روسيا، عادة الهند عدو لدود للصين جراء نزاع حدودي في جبال الهيمالايا، وها هما اليوم في معسكر واحد، تضارب المصالح أحيانا هي خاصية جميع الدول، طال الزمن أو قصر ستضطر لا روسيا ولا أوكرانيا إلى طي صفحة المواجهة المسلحة ونفخ الروح في محادثات السلام بغية مسك العصا من وسطها.