الاثنين 23 مايو 2022
مجتمع

الدكتور محمد تيال: المريض العقلي يمكن أن يقوم بجريمة 10 مرات أكثر من الإنسان السوي!

الدكتور محمد تيال: المريض العقلي يمكن أن يقوم بجريمة 10 مرات أكثر من الإنسان السوي! الدكتور محمد تيال مع صورة تعبر عن إحدى الحالات المرضية العقلية - النفسية (أرشيف)

يسلط الدكتور محمد تيال، الأخصائي في الأمراض العقلية والنفسية والإدمان ونائب رئيس الفيدرالية الوطنية للصحة العقلية، في هذا الحوار الذي أجرته معه "أنفاس بريس"، وفي سياق جريمة مقتل الفرنسية بتيزنيت، الأضواء على عدة جوانب مرتبطة بالخلل العقلي والمأساة التي تواجهها عائلات المرضى دون سند أو دعم من طرف الحكومة..

 

+ ما هي قراءتك لحدث جريمة تيزنيت؟

- إنها بحق مناسبة كي أتكلم عن واقع مؤسف لعدد كبير من العائلات المغربية التي تعيش مثل هذه المأساة. وقد شاهدنا في هذا الإطار فيديوهات لهذا الشاب صاحب فاجعة تزنيت وعائلته. وهو أمر بات مألوفا وسائدا، ونعيش نحن كأطباء نفسانيين تفاصيله باستمرار بشكل مؤلم. وإذ نتأسف على وفاة  السيدة الفرنسية ونقدم تعازينا لعائلتها، فعلينا أن نقف كذلك أمام مشكل عائلة المختل عقليا الذي كان وراء الجريمة  حتى يتبين مدى حجم مأساة عائلات  المختلين عقليا. فقد ذكرت والدته أن  العائلة لا تتمكن من التحكم في سلوك ابنها عندما تضطرب حالته بين الفينة والأخرى، وهذا ما يؤكد أن المرض العقلي الذي هو في الغالب مرض مزمن يلازم المصاب به سنوات، إن لم أقل عمرا كاملا، وقد يكون مستقرا ومتوازنا في بعض الأوقات. ولكن في أوقات أخرى يفقد التوازن ويجعل المريض لا يميز بين الواقع وغير الواقع، ويتعامل مع أحاسيسه فقط التي تدفعه إلى ارتكاب أفعال غير معقولة تكون  خارج إرادته وناتجة عن دافع داخلي فوق سيطرته. وبالتالي فأمام كل هذه المشاكل إذا أعطي للمريض العقلي العلاج الملائم لحالته والاستمرارية في العلاج وكذلك المساعدات الكافية، أعتقد بأن ذلك سيمكنه من السيطرة على نفسه، بل يمكنه أن يعيش حياته بشكل شبه طبيعي، والحد من احتمالية وقوع مصائب مثل مصيبة تزنيت. وأكثر من ذلك  تتقلص مأساة وآلام عائلات كثيرة جدا.

والمثير، أنه لا نفكر كثيرا في أن من خاصيات المرض العقلي أن الإنسان بشكل عام يتعامى عن أفعال يقوم بها  نفسه، ويمكن أن تتسبب في مرضه وفي مرض أبنائه، ولمن يظل يستخف بمرضه العقلي ويعتبره كأنه غير موجود. شيء آخر وجب الانتباه إليه هو أنه يلاحظ أننا نتحدث قليلا عند مقتل شخص من طرف شخص آخر، ولكن يكثر الحديث إذا كان القاتل مختلا عقليا!! لهذا يجب أن نعرف بأن المختل عقليا خطورته أكثر من الأسوياء من الناس العاديين، وقد أوضحت العديد من البحوث أن الذين يرتكبون جرائم لا يتجاوز المصابون منهم بمرض عقلي نسبة 15% وهذا يعني أن 85% من مرتكبي الجرائم غير المختلين عقليا، وهذا يدفعنا إلى القول إن خطورة المرض العقلي ينبغي أن نحذفها من انطباعاتنا، مع الاعتراف كذلك بأن الإنسان الذي يعاني من مرض أو خلل عقلي خطير، يمكنه أن يقوم بجريمة 10 مرات أكثر من الإنسان السوي!!

 

+ البعض يحاول أن يرجع ذلك إلى أعمال إرهابية، في الوقت الذي أكدت التحريات بأن الفاعل مختل عقليا، ما تعليقك؟

- أكيد أنه يوجد دائما أناس يريدون استعمال وقائع  تحصل من أجل أهداف شخصية أو أغراض سياسية. وأعتقد بأنه يوجد الطب الذي يفصل بين العمل الإرهابي والعمل الناتج عن خلل عقلي، والفرق بينهما كبير. وهذا الخلط مؤسف لأنه إذا شرعنا في استعمال المرض العقلي والمصاب بإعاقة ذهنية لأغراض شخصية، فهذا أمر غير إنساني وغير معقول نهائيا. فالمريض العقلي ينبغي أن تحترم كرامته، وتقدم له المساعدات، لأنه مع الأسف لم تمنح له نفس الفرص كالأشخاص الآخرين. فالمرض العقلي، وبالأخص الفصام أو السكيزوفرينيا، يصاب به الإنسان كالصاعقة، وهو في البكالوريا أو في سنوات الدراسة بالكلية، ويختل نظامه العقلي ويؤثر ذلك على العائلة ككل كما قلت، وخاصة على مستوى الأم، وذلك بحرصها الشديد على متابعة ابنها المختل عقليا، في دوائه ودخوله وخروجه وتعامله مع الآخرين، ومسيرته في الدراسة أو الشغل. وباختصار، المريض العقلي مهمش بشكل مؤسف في بلادنا بسبب مرض، ولا ينبغي أن يكون  مسؤولا عنه.

 

+ كيف يمكن محاربة هذه الظاهرة التي انتشرت بشكل واسع داخل المجتمع؟

- يمكن محاربتها بعلاج المرضى الذين يعانون منها وإعطائهم جميعهم إمكانية ولوج مصالح مختصة تتوفر على كل الإمكانيات للمساعدة في العلاج، وإدامة هذه المساعدة بعد الخروج من هذه المصالح، لأن العلاج يتطلب سنوات عديدة بين هدنة ونوبات المرض. وللأسف فهذه المصالح المختصة ليست متوفرة بالشكل الكافي في المغرب. فخلال اشتغالي لمدة 30 سنة في هذا المجال، سجلت أنه على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت من طرف وزارة الصحة مازالت هنالك ندرة من حيث الموارد البشرية. فالمراكز الصحية  تشكو من نقص فظيع في الأطباء أمام تزايد في عدد المرضى، هذا علاوة على قلة الأدوية، وينبغي إتاحة الفرصة للمريض كي يعالج بالدواء الذي «يخصه هو وليس الدواء الموجود»،  وهذا أساسي، كما أن المريض يجب أن يجد السرير في المراكز الصحية والمستشفيات العمومية، وإما في المصحات المختصة عندما يتعرض للنوبات المرضية. كما أن على التعاضديات القيام بدورها في تحمل تكلفة العلاج وفق المسطرة المعمول بها. نحن نطمح إلى أن تعطى للمريض إسعافات ومساعدات وعلاج في محيط راق سليم به أطر مكونة وذات كفاءة، حتى تكون للمواطن الفرصة في العلاج في أحسن الظروف، وحتى لا يعطى المغاربة في المصحات الخاصة علاج ناقص. ونحن في إطار الفدرالية الوطنية للصحة العقلية نحاول ما أمكن تنمية فكرة لدى المسؤولين بجميع جهات المملكة في ان تعطى بالمراكز الصحية فرصة للمصابين بالأمراض العقلية، وذلك بإعادة تأهيل كفاءاتهم، لأن المرض العقلي يحد من هذه الكفاءات. وقد لاحظنا في حالة مريض تزنيت أن أمه أكدت أن ابنها  كان يدرس بالكلية، وهو ما يثبت أن المرض العقلي يزيل الكفاءة العقلية، ولهذا أعتقد بأنه باللجوء إلى تقنيات خاصة يمكن أن نرجع للمريض مؤهلاته ويصبح  شبه عادي كي يمارس حياته. والمسألة الثانية تتعلق بأن تعطى بهذه المراكز الصحية للأفراد من عائلات المرضى عقليا كي يتعلموا كيف يتمكنون في المدى الطويل من تقنيات خاصة نقوم بها بالفيدرالية بواسطة برامج من التعامل مع المريض.

هذه المسائل كلها توضح ما يجب القيام به، حيث لا يمكن إعطاء دفعة للبلاد تتماشى مع رؤية الملك محمد السادس دون أن تخصص مكانة الصحة النفسية والعلاج المناسب للمريض العقلي، وتوفير الظروف الملائمة والمساعدة  لكل العائلات التي تعاني من وجود واحد من أفرادها في وضعية المريض العقلي.

 

+ كيف يتم استقبال المختلين عقليا في المستشفيات؟ وهل تتوفر هذه المرافق على الموارد الكافية بشريا وماديا ودوائيا للعلاج؟

- عدد من المواطنين يشتكون من مأساتهم في هذا الجانب، لهذا أظن أنه ما زال الكثير مما يجب فعله، ومن العزيمة سواء من وزارة الصحة أو من التعاضديات والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، من حيث العلاج من الأمراض العقلية والتغطية في تكلفته. وأجدد قولي مرة أخرى إنه ليس هنالك مرض بالنسبة للعائلات أكثر ألما ومرارة من المرض العقلي الذي تمتد معاناته لسنوات!! وعلى  الجميع  الوعي بثقل العبء على هذه العائلات.

 

+ هل هناك تنسيق بين السلطات والمصالح المعنية لتطويق الظاهرة؛ وما هي وصفتكم في هذا الشأن؟

- السلطات نجدها مجندة عند كل مشكل، حيث تحضر عند أي واقعة، فيتم نقل المريض عقليا ليظل تحت العناية إذا وجد سريرا شاغرا، وإلا فهو يخضع لإسعاف عاجل وتعطى له وصفة. وتتم العملية في وقت وجيز، وهذا شيء لم يعد مقبولا خاصة وأن من المرضى من يكونون في حالة خطيرة. وهكذا يبدو أن هنالك مشاكل في المرضى وفي عائلاتهم وفي العلاج واللوازم الضرورية له، مع  تسجيل تهميش كبير للظاهرة، وهو ما يقتضي إعادة النظر في الطريقة المتبعة بخصوص الصحة النفسية  للمواطن التي يجب أن تحظى بالاهتمام منذ الصغر وفي جميع الأماكن، والتأسيس لسياسة جديدة في المقاربة مع الأمراض النفسية والعقلية والتي لا يمكن الحديث عن تقدم البلاد دون صحة نفسية وعقلية جيدة لمواطنيها...