الجمعة 24 سبتمبر 2021
سياسة

محمد السادس.. ثورة هادئة لإصلاح الحقل الديني

محمد السادس.. ثورة هادئة لإصلاح الحقل الديني
إن استراتيجية إصلاح الحقل الديني، كما وضعها الملك محمد السادس بصفته أميرا للمؤمنين، كان من دوافعها الرئيسية سحب البساط من تحت الحركات المتشددة التي بدأت تتغول في أطراف المدن، إلى درجة أنها بدأت تخترق البنية الدينية العامة للمغاربة، مما اقتضى عدم ترك مجال التأطير الديني للحركات الأصولية المتطرفة لتعيث فيه فسادا، وهو ما أدى إلى استقطاب كفاءات دينية مؤهلة علميا
 
قبل «البينغ بانغ» الذي ضرب الحقل الديني في ماي 2003، كان الجميع يعتقد أن «الثورة على التشدد» مستمرة في النجاح، وأن المغرب يقف على مسافات بعيدة من القنابل السلفية التي تهدد أمنه الروحي والعقدي؛ وقع ذلك تحديدا بعد أقل من خمس سنوات على أول حفل لمبايعة الملك محمد السادس أميرا للمؤمنين (23 يوليوز 1999)، وعلى أول خطاب للعرش، وعلى بعد أقل من سنة واحدة على تعيين أحمد التوفيق وزيرا للأوقاف والشؤون الاسلامية (السابع من نونبر 2002).
ففي ذلك اليوم (16 ماي 2003) اهتزّت الدار البيضاء على وقْع تفجيرات إرهابية نفذها شباب من كاريانات سيدي مومن، الذين تحولوا إلى قنابل موقوتة لم يعهد المغاربة أنها «ماركة محلية»، وأن بإمكان هؤلاء الشبان القادمين من أحزمة الفقر أن ينشروا كل ذلك الرعب بسبب «تشوه كبير في المعتقد»، وبسبب اختلال مريع يعرفه المشهد الديني، إذا بدأ «فقهاء الظلام» يكتسحون المساحات على نحو غير مشهود إعلاميا وتربويا وثقافيا، وتحولت العديد من المساجد غير المراقبة، خاصة في الأحياء الهامشية والقرى البعيدة، إلى محاضن إيديولوجية واسعة لتفريخ التكفيريين وأمراء الدم، وعلى رأسهم يوسف فكري و«مول الصباط» وعبد الوهاب الرباع...إلخ. بل إن البعض من هؤلاء صاروا يطبقون، في واضحة النهار، قانون «التعزير» و«الحد» خارج سلطة الدولة، إيمانا منهم بقدرتهم على إقامة «الخلافة الراشدة» في بلد «الكفر».
لقد أدرك الملك أن هذا التشوه يتطلب الإسراع بإطلاق استراتيجية إصلاح ديني تضرب التوجهات الوهابية في العمق، وهذا ما حمله خطاب العرش (2003)، حيث أكد على «تمسك المغاربة على الدوام بقواعد المذهب المالكي المتسم بالمرونة في الاخذ بمقاصد الشريعة والانفتاح على الواقع وعملوا على إغنائه باجتهاداتهم». وقال «إننا لن نقبل هذه المذاهب المنافية للهوية المغربية المتميزة. وسنتصدى لمن يروج لأي مذهب دخيل على شعبنا بقوة ما تقتضيه أمانة الحفاظ على الوحدة المذهبية للمغاربة، مؤكدين بذلك حرصنا على صيانة اختيارنا لوحدة المذهب المالكي في احترام لمذاهب الغير لان لكل شعب خصوصياته واختياراته». وتابع: «نؤكد أن علاقة الدولة بالدين محسومة في بلادنا في ظل تنصيص الدستور على ان المملكة المغربية دولة إسلامية، وان الملك أمير المؤمنين مؤتمن على حماية الدين وضمان الحريات بما فيها حرية ممارسة شعائر الاديان السماوية الاخرى. وباعتبار أمير المؤمنين مرجعية دينية وحيدة للأمة المغربية فلا مجال لوجود أحزاب أو جماعات تحتكر لنفسها التحدث باسم الإسلام أو الوصاية عليه، فالوظائف الدينية هي من اختصاص الامامة العظمى المنوطة بنا بمساعدة مجلس أعلى ومجالس إقليمية للعلماء نحن مقبلون على تأهيليها وتجديدها وتفعيل أساليب عملها».
لقد حمل ذلك الخطاب الملكي، حينذاك، الإطار العام لمشروع إصلاح الحقل الديني بالمغرب، الذي تمثل، أساسا، في هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وتحسين دور المجالس العلمية، وتأطير عشرات الآلاف من المساجد الموجودة في المملكة، بهدف توحيد الخطاب الديني...
فما هو التقييم العام لحصيلة إصلاح الحقل الديني في المغرب بعد مُضيِّ عقدين على الشروع في تنفيذه؟
إن المتتبع للشأن الديني بالمغرب يدرك أن مسألة الإصلاح في ضوء السقف الحضاري العالمي الحالي تختلف عن الكيفية التي تم بها تناولها في السابق، إذ ترسخت اليوم الكثير من المفاهيم، كحقوق الإنسان، والديمقراطية، والحريات، والحوار والتسامح، كأهداف رئيسية لأي عملية إصلاح سواء كانت ثقافية عامة أو اجتماعية أو سياسية؛ وهي المفاهيم التي وضعها الملك في قلب أولوياته على مستوى تصوره لإعادة هيكلة الحقل الديني ودور مؤسسة إمارة المؤمنين باعتبارها المسؤولة عن حماية الدين من أي اعوجاج أو تشوه.
لقد شكل الخطاب الملكي بالدار البيضاء أمام المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الاقليمية (30 أبريل 2004)، خارطة طريق حقيقية لمشروع الإصلاح الديني الذي وضع خطوطه العريضة في خطاب العرش (2003). فالملك محمد السادس في هذا الخطاب راهن على «تمكين بلادنا من استراتيجية متناسقة، كفيلة بتأهيلها لرفع كل التحديات، في مجال الحقل الديني، بقيادة إمارة المؤمنين، باعتبارها موحدة للأمة ورائدة لتقدمها، بل أيضا بالإسهام العقلاني الهادف لتصحيح صورة الإسلام، مما لحقها من تشويه مغرض وحملات شرسة، بفعل تطرف الأوغاد الضالين، وإرهاب المعتدين، الذي لا وطن ولا دين له».
وركز هذا الخطاب على خمس مقومات رئيسية لإنجاح استراتيجية الإصلاح:
 
أولا: إعادة هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: (إحداث مديرية للتعليم العتيق، وأخرى مختصة بالمساجد، وإعادة النظر في التشريع المتعلق بأماكن العبادات، وتعيين مندوبين جهويين للوزارة، ليسهروا على التدبير الميداني الحديث للشؤون الإسلامية.
ثانيا: تعيين أعضاء المجالس العلمية، من علماء مشهود لهم بالإخلاص لثوابت الأمة وإشراك المرأة المتفقهة في هذه المجالس.
ثالثا: تكليف المجلس العلمي الأعلى باقتراح الفتوى فيما يتعلق بالنوازل الدينية على الملك باعتباره أميرا للمؤمنين ورئيسا للمجلس.
رابعا: إصلاح رابطة علماء المغرب، وتحويل اسمها إلى «الرابطة المحمدية لعلماء المغرب».
خامسا: عقلنة وتحديث وتوحيد التربية الإسلامية، والتكوين المتين في العلوم الإسلامية كلها، في نطاق مدرسة وطنية موحدة.
وتظهر هذه الاستراتيجية التي وضعها الملك أن إعادة هيكلة الحقل الديني تشكل عصب الرحى لعهده وسياساته، خاصة أمام التحديات التي طرحها التشدد الديني على مستوى الإرهاب العابر للقارات (تنظيم القاعدة مع كل تفريعاته المحلية والإقليمية).
وفي هذا السياق قال محمد السادس في الخطاب الملكي ليوم 08 يوليوز 2005 بمناسبة افتتاح دورة المجلس العلمي الأعلى: «... وإذ نؤكد عزمنا على المضي قدما في إصلاح الشأن الديني، الذي قطع خطوات هامة، باعتباره أحد أركان مشروعنا المجتمعي، فإننا ندعوكم وكافة العلماء المستنيرين رجالا ونساء على حد سواء إلى النهوض بالمسؤوليات الجسيمة الملقاة على عاتقكم والانخراط في حركة الاصلاح الشامل الذي نقوده».
بناء على ذلك، فإن تفعيل هذا الورش الإصلاحي تمثل أساسا في هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عبر إحداث مديرية المساجد ومديرية للتعليم العتيق (22 أبريل 2004)، ثم هيكلة المجلس العلمي الأعلى (22 أبريل 2004)، فإحداث الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء (22 أبريل 2004)، وكذا إعادة هيكلة رابطة علماء المغرب بالرابطة المحمدية لعلماء المغرب (30 أبريل 2004)، كما تم خلق إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم (16 أكتوبر 2004)، وبعدها بسنة تم إطلاق قناة محمد السادس للقرآن الكريم (2 نونبر 2005)، فضلا عن إعادة تنظيم مؤسسة دار الحديث الحسنية (24 غشت 2005) ثم تأسيس مركز تأهيل وتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات (2005/2006)، فضلا عن إحداث المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة (6 نونبر 2008)، وإطلاق خطة ميثاق العلماء (29 أبريل 2009)، ثم إحداث مؤسسة محمد السادس لطبع المصحف الشريف (2010)، وإحداث مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينين  (2010).
والواضح أن محور «الاصلاح الديني» الذي أطلقه الملك محمد السادس ينطلق من المذهب المالكي لمواجهة الغلو والتشدد، ولإنهاء تلك التناقضات البنيوية التي تخترق هذا الحقل، عبر تطوير الخطاب الديني وبنياته بالشكل الذي يؤهل الساهرين على تكريس الأمن الروحي للمملكة، والعمل على تأطير الشأن الديني وتأهيله للحفاظ على اختياراته المذهبية والسياسية بعيدا عن تأثيرات الشرق وكل التصورات الصادرة عنه.
لقد جاء الإصلاح، إذن، لمواجهة فاعلين دينيين جدد، يجسدون «مجالا دينيا مضادا ومعاكسا» للمجال الديني الذي تؤطره الدولة، حيث انتقل تدبير الشأن الديني الى تجربة أخرى توسع دائرة المباح وترفع سقف الحرية واحترام العقل الانساني.
وفي السابع من يناير 2011، اطلع الملك بمسجد محمد الخامس بأكادير، على برنامج تأهيل أئمة المساجد (94 ألف و600 إماما يؤطرهم 1426 مؤطرا) الذي رصدت له اعتمادات سنوية تبلغ 125 مليون درهم. ويروم البرنامج تأهيل الأئمة والرفع من مستواهم العلمي والعملي.
أما في 25 يناير 2016، فقد أكد الملكي رسالة وجهها إلى المشاركين في أشغال المؤتمر حول «حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية.. الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة»، أن «تدبير الشأن الديني في المغرب في الوقت الراهن، «يجعل من أهدافه الأساسية منع العبث بتأويل النصوص الدينية، ولاسيما ما يتعلق منها بالجهاد الذي أصدر فيه علماؤنا بيانا قويا قبل أسابيع».
وفي رسالة وجهها محمد السادس إلى وزير الأوقاف بخصوص تدبير المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف (5 يناير 2018)، فقد دعا إلى إعداد مشروع استراتيجية لتحديث أساليب تسيير المؤسسة، تعتمد ، أولا، على الجرد النهائي لمجمل الأملاك الوقفية العامة، فضلا عن التدابير الواجب اتخاذها للحفاظ عليها، سواء على المستوى القانوني أو المادي، وأن تكون هذه الاستراتيجية مرجعا ملزما للإدارة المكلفة حين وضعها للميزانيات السنوية المتعاقبة، وللمجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة، في التقييمات الدورية التي ينجزها، هذا فضلا عن إخضاعها لمصادقة المجلس العلمي الأعلى، كما يتعين أن تلتزم إدارة الأوقاف العامة  التزاما تاما بالمساطر وبالإجراءات المتعلقة بتنظيم الميزانية، وبمجال المالية والمحاسباتية، وكذا بتلك المرتبطة بالنفقات العمومية، وأن تحرص الإدارة المسؤولة على الاستفادة من الملاحظات والتوصيات الوجيهة التي يقدمها المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة، والمتمخضة عن عمليات التدقيق والتقييم الموكولة إليه، قصد تصحيح الاختلالات وأوجه القصور التي يتم الكشف عنها.
إن استراتيجية إصلاح الحقل الديني، كما وضعها الملك محمد السادس بصفته أميرا للمؤمنين، كان من دوافعها الرئيسة سحب البساط من تحت الحركات المتشددة التي بدأت تتغول في أطراف المدن، إلى درجة أنها بدأت تخترق البنية الدينية العامة للمغاربة، مما اقتضى عدم ترك مجال التأطير الديني للحركات الأصولية المتطرفة لتعيث فيه فسادا، وهو ما أدى إلى استقطاب كفاءات دينية مؤهلة علميا، يشتغلون ضمن مؤسسة علمية جديدة برهانات وفلسفة جديدة مؤطرة بالإرادة الملكية في الإصلاح والتجديد وتجفيف منابع الإرهاب وترشيد عمل المجالس العلمية وتفعيل دورها في تأطير الحياة الدينية للمغاربة وحماية تدينهم الوسطي والمتسامح.