السبت 22 يناير 2022
كتاب الرأي

ألون بن مئير: التصدّع المأساوي في العلاقات الأمريكيّة - الإسرائيليّة

ألون بن مئير: التصدّع المأساوي في العلاقات الأمريكيّة - الإسرائيليّة

لا شكّ أن قبول رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، دعوة رئيس مجلس النواب، جون بوينر، لإلقاء خطاب أمام الجلسة المشتركة للكونغرس الأمريكي حول إيران قد ألحق ضررا غير اعتيادي بعلاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة الأمريكيّة. ويتجاوز الضرر على أية حال العلاقات الثنائيّة حيث أنّه يدوي ويؤثر بشكل سلبيّ على علاقات إسرائيل مع العديد من الدّول ألأخرى. لقد ظنّ نتنياهو ورسوله الصبيّ، رون ديرمر، سفير إسرائيل لدى واشنطن، بأنهما قد هزما بدهاء البيت الأبيض عن طريق تلفيق هذه الخدعة الساخرة، غير أنهما سيدركان قريبا -إن لم يكونا قد أدركا ذلك حتّى الآن- بأنهما قد انغمسا في هذه السمعة المذمومة التي ستلاحقهما لما تبقّى من حياتهما السياسيّة.    

العديد من الديمقراطيين في الكونغرس شديدو السخط بسبب الإنتهاك الدبلوماسي الذي اقترفه نتنياهو. لقد قرّروا إسقاط التشريعات الجديدة الرامية إلى فرض عقوبات إضافيّة على إيران إلى ما بعد 24 من شهر مارس القادم، وهو الموعد المحدّد للتوصّل لاتفاقيّة من حيث المبدأ ما بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدّولي مع ألمانيا (التي يُرمز لها غالبا ب P5 + 1). وبسبب قصر نظره، فقد خاطر نتنياهو بدعم الكونغرس الأمريكي بحزبيه الجمهوري والديمقراطي لإسرائيل وحقّق في نهاية المطاف عكس ما كان يرغبه تماما.

وبصرف النّظر عن شخصيّة الرئيس ولأي حزب ينتمي، فإن للأمريكيين تقدير عال تجاه المكتب التنفيذي للرئيس. فنتنياهو لم يعامل فقط الرئيس أوباما بازدراء، بل إنّه أهان أيضا المكتب الذي يمسك بصلاحيات دستوريّة فظيعة هي على ما يبدو أبعد من متناول قائم باعمال رئيس وزراء متغطرس.

لن يجرؤ أيّ قائد لديه أي احترام ٍ لنفسه أن يفعل ما فعله نتنياهو بوقاحة. وحتّى لو وصل الأمر إلى أن يلغي نتنياهو الزيارة، فإن الضرر لإسرائيل قد حدث لا محالة، هذا في حين أنّه تسبّب أيضا بضرر شديد لمصالح الولايات المتحدة الإستراتيجيّة.

إنّ تداعيات مخطّطات نتنياهو الغير مدروسة والسيئة التنفيذ عديدة، ولا يستطيع إلاّ شخص متهوّر ألاّ يأخذها بعين الإعتبار. فتآكل العلاقات الثنائيّة ما بين إسرائيل والولايات المتحدة ستصلّد فقط موقف أعداء إسرائيل الأقوياء، بما فيهم حماس وحزب الله وإيران الذين سيسعون إلى استغلال الموقف. وبالفعل، كلما زاد التوتّر ما بين إسرائيل والمدافع الوحيد عنها، كلّما عظمت المقاومة من طرف أعداء إسرائيل حيث أنهم لا يرون أي سبب لإظهار ليونة أو مرونة.

وحلفاء أمريكا الأوروبيّون، بما فيهم بريطانيا وفرنسا والعديد من الدول الإسكندينافيّة، التي لديها خلافات جديّة مع سياسات إسرائيل بالنسبة للمستوطنات واستمرار الإحتلال، لم تتخذ حتى الآن إجراءات عقابيّة شديدة ضد إسرائيل بسبب فقط الحثّ الأمريكي بعدم القيام بذلك. وستشعر هذه الدّول الحليفة الآن بجرأة أكبر للتحرّك ضدّ إسرائيل في المحافل الدوليّة، مقدمة بذلك دعما لحركة المقاطعة وسحب الإستثمارات وفرض العقوبات وطالبة إنزال إجراءات عقابيّة أخرى على النحو الذي يرونه مناسبا.

وبالنسبة للدول العربيّة التي تعتقد بأن الولايات المتحدة في جيب إسرائيل، فإن تحدّي نتنياهو للبيت الأبيض لن يؤكّد إلاّ على اعتقادهم هذا، وبالأخصّ لأنهم سيشاهدون على الأرجح موجات من التصفيق الحارّ وقوفا -ولو أنّها ستكون غير مستحقّة ومفتعلة- من قاعة مجلس النوّاب أثناء خطاب نتنياهو. وهذا لن يزيد فقط من تقويض مصالح أمريكا في الشرق الأوسط، بل إنّه سيحد أيضا من نفوذ أمريكا على الدول العربيّة القياديّة التي بإمكانها أن تمارس ضغطا على الفلسطينيين للقيام بتنازلات هامّة تجاه إسرائيل، وبالأخصّ في عمليّة السّلام.

وكما ذكر السيناتور جون ماك كين، أحد ممثّلي ولاية أريزونا، لمحطة ال "سي.إن.إن" بمناسبة "تقرير حالة الإتحاد" حول وضع العلاقات الأمريكيّة-الإسرائيليّة: "إنّها أسوأ ما رأيت في حياتي، وهذه مأساة بحدّ ذاتها". 

وهناك هؤلاء الإسرائيليّون المتعجرفون بشكل ٍ ممنهج الذين ليس لديهم أية فكرة حول أهميّة الدّعم الأمريكي السياسي والعسكري والاقتصادي لبقاء إسرائيل على الوجود والذين يعتبرون دعم أمريكا لإسرائيل من المسلّمات.

وحتّى لو استطاعت إسرائيل العيش بدون المساعدات الماليّة الأمريكيّة والبقاء على قيد الحياة نوعا ما بدون الدّعم العسكري، فإنها لا تستطيع الصّمود بدون الدّعم السياسي الأمريكي الجوهري الذي لم يعد الآن من المعطيات بسبب تحدّي وخداع نتنياهو اللذين استمرا ستة أعوام حتّى الآن تحت قيادته.

أودّ أن يفكّر كلّ إسرائيلي ولو للحظة واحدة بما سيحدث لو صوّتت الولايات المتحدة، أو على الأقلّ امتنعت عن التصويت، لصالح المشروع الفلسطيني المزمع تقديمه المرّة القادمة في صحوة الأزمة الأمريكيّة-الإسرائيليّة لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يقضي بإقامة دولة فلسطينيّة على حدود عام 1967. حينها ستعترف خلال بضعة أيّام أكثر من مائة دولة بالدولة الفلسطينيّة. وستصبح إسرائيل دولة محتلّة لدولة أخرى وستخضع لعقوبات دوليّة شديدة. ستسحب حينئذ دول عديدة سفرائها من إسرائيل مصعّدة بذلك من عزلة إسرائيل وجعلها دولة منبوذة. هذا إضافة إلى أنّ العشرات من كبار موظفيها سيصبحون تحت طائلة القانون في مواجهة محكمة الجنايات الدوليّة لانتهاكها حقوق الإنسان.

وهناك هؤلاء المغفلين من الإسرائيليين الذين يدّعون بأنّ نتنياهو صائب تماما في قوله بأن أوباما نمر من ورق وأنّه لن يفعل شيئا ً ضدّ إيران. ولنفترض أنّ هذا صحيح، من سيفعل شيئا ً ضدّ إيران؟  نتنياهو؟ لقد كان هذا يخادع طيلة سنوات. وحتّى لو لم يكن مخادعا، هل تستطيع إسرائيل أن تقوم بذلك لوحدها وعلى مسؤوليتها وتصلّي بأن تأتي الولايات المتحدة لإنقاذها؟  

وعلى الرّغم من الدّعم الأمريكي العلني المستمرّ لإسرائيل، على الرئيس أوباما -عدا عن رفضه استقبال نتنياهو- أن يتّخذ إجراءا عقابيّا لينقل رسالة للإسرائيليين مفادها بأنّه لا يمكن لقادتهم أن يرتكبوا مثل هذه الهفوات السياسيّة بدون عقاب. وينبغي على البيت الأبيض على الأقلّ أن يعلن بأن السّفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، رون ديرمر -الذي عمل كمستشار سياسي سابق للجمهوريين- شخصا غير مرغوب فيه لانتهاكه العرف الدبلوماسي (البروتوكول) بشكل متآمر ومدروس وذلك لمنع حدوث مثل هذه الحلقات المؤسفة مرّة أخرى من أجل إسرائيل.

على نتنياهو أن يتذكّر بأن أوباما يعلم أنّه في حالة اقتراب طهران أكثر للوصول لنقطة الإختراق في برنامجها لحيازة الأسلحة النووية، ستتحمّل حينئذ الولايات المتحدة المسؤوليّة لأنها الوحيدة القادرة على فعل شيء حيال ذلك.   

وأخذا بعين الاعتبار الاضطرابات والثورات التي تجتاح الشرق الأوسط والخطر الذي تواجهه إسرائيل، على أيّ زعيم إسرائيلي أن يحافظ على علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة لأن أمن إسرائيل القومي يعتمد على التزام الولايات المتحدة.

وبالرّغم من أنّ العلاقات ما بين الإسرائيليين والأمريكيين، أعني من شعب لشعب، هي علاقات متينة وأكثر استدامة من العلاقات العابرة ما بين رئيسي الدولتين، غير أنّ زعيم مضلّل مثل نتنياهو قد ألحق رغم ذلك على الأرجح ضررا لا يمكن إصلاحه للروابط ما بين البلدين، الأمر الذي لا يمكن سوى لقادة إسرائيليين رصينين وحكماء أن يرمّموه.

يجب على الإسرائيليين أن يرفضوا فترة حكم أخرى لنتنياهو لأنه لو فاز بالإنتخابات، فإن انتصاره سيظهر بأنهم يتبعون راعيا أعمى يدمّر بمنهجيّة علاقات إسرائيل الحيويّة مع الولايات المتحدة في وقت إسرائيل في أمسّ الحاجة لدعم أمريكا الغير محدود.