خالد الإدريسي: المحاماة في خطر.. نكون أو لا نكون أمام زحف تشريعي ينتزع استقلاليتنا وحصانتنا! 

خالد الإدريسي: المحاماة في خطر.. نكون أو لا نكون أمام زحف تشريعي ينتزع استقلاليتنا وحصانتنا!  خالد الإدريسي، عضو مجلس هيئة المحامين بالرباط
دعا الدكتور خالد الإدريسي، عضو مجلس هيئة المحامين بالرباط، إلى وحدة الصف في الجمع العام الاستثنائي لجمعية هيئات المحامين بالمغرب الذي سيعقد بمراكش يوم السبت 3 يناير 2026 لاتخاذ قرارات نضالية قوية مثل التوقف الشامل.
كما انتقد الإدريسي عضو مجلس هيئة المحامين بالرباط سرية تدبير الملف من قبل رئيس جمعية هيئات المحامين، مما أضعف الموقف التفاوضي، ويستشهد بتصريحات وزير العدل التي تؤكد عدم وجود تفاهمات ملزمة، داعيا إلى الانتقال إلى قرارات نضالية كبيرة مثل توقف شامل مفتوح حتى سحب المشروع أو إعادة صياغته تشاركيًا، محذرًا من "زحف تشريعي" يهدد هوية المحاماة.

 
 كيف يتعارض مشروع قانون مهنة المحاماة مع مخرجات جلسات الحوار السابقة مع وزارة العدل؟
في الحقيقة، وجدنا أنفسنا أمام مشروع قانون مُسرّب قدم على أساس أنه يشكل الأرضية التشريعية المقبلة لتنظيم مهنة المحاماة. غير أن مضمون هذا المشروع صادم، لأنه يمس بشكل واضح المكتسبات التاريخية للمهنة، ويضرب في عمق ثوابتها المرتبطة بالحصانة المهنية، والاستقلالية المؤسساتية، والاحتكار المشروع لأدوار الدفاع. وإلى حدود اللحظة، لا يمكن، من الناحية المؤسسية، الحديث عن وجود "تعارض" أو "توافق" بين هذا المشروع وبين مخرجات الحوار مع وزارة العدل، ببساطة لأننا ـ كجسم مهني ومجالس منتخبة ـ لا نملك أي وثائق رسمية تثبت أن هناك نتائج واضحة ومكتوبة لذلك الحوار. فلا توجد محاضر رسمية موقّعة، ولا وثائق مشتركة توثق ما تم الاتفاق عليه، ولا صياغات نهائية تحمل توقيع الطرفين. كل ما هو متاح للرأي العام المهني مجرد بلاغ للجمعية يفيد بأن المشروع لا يتضمن النقط التي تم التوافق حولها، دون تحديد طبيعتها أو مضمونها أو مستواها القانوني. وهذا يجعل الحديث عن "مخرجات" ضربًا من الافتراض أكثر منه وصفا لحقيقة ثابتة.
من المؤكد اليوم هو أن ما جرى بين مكتب الجمعية ووزارة العدل لم يرقَ إلى مستوى مفاوضات مؤسساتية حقيقية تنتج نصوصاً محررة ومحاضر رسمية، بل كان في معظمه مجرد جلسات تداول عام وأحاديث عامة حول توجهات النص، دون ضبط الصياغات ودون توثيق مضامين النقاش. وهذا يطرح سؤال المسؤولية السياسية والأخلاقية والمهنية لرئيس الجمعية ومكتبها، الذين اختاروا نهج السرية بدل الشفافية، وأداروا هذا الملف الحساس بعيدا عن المقاربة التشاركية الواجبة، ولم يمكنوا الجسم المهني من متابعة تفاصيل الحوار أو تقييم نتائجه أو التأثير في مساره.
وما يعزز هذا المعطى أكثر، هو تصريحات وزير العدل الأخيرة التي أكد فيها أن المشروع أصبح الآن بين يدي الحكومة وسيحال على البرلمان بصيغته الحالية، مع إمكانية أخذ ملاحظات جمعية هيئات المحامين إن كانت "محددة ومحدودة ومنطقية، وهذا الخطاب السياسي والقانوني يُفهم منه ضمنيًا أن الحكومة او الجهة المتفاوض معها لا تعترف بوجود أي اتفاقات مكتوبة أو تفاهمات موثقة مع مكتب الجمعية، وإلا لكان الوزير مضطرًا للإشارة إليها أو احترامها كمرجع تفاوضي ملزم. وبالتالي فإن هذه التصريحات تشكل اعترافًا واضحًا بأن الحوار السابق لم يفض إلى مخرجات مؤسسية موثقة. وبالتالي فإن حدث أضاع على المهنة فرصة الدفاع القوي والمؤسساتي عن حصانتها واستقلاليتها، وترك الباب مفتوحًا أمام نص تشريعي يهدد هوية المحاماة ووظيفتها الدستورية باعتبارها شريكًا أساسيًا في تحقيق العدالة. لذلك، فإن السؤال المطروح اليوم ليس فقط حول تعارض المشروع مع "مخرجات الحوار". بل حول حقيقة وجود هذا الحوار أصلاً بمعناه المؤسساتي، وحول مدى احترام القيادة المهنية لثقة المحامين الذين فوضوها للدفاع عن مهنتهم ومكتسباتهم التاريخية.
 
 كيف يمكن للجمع العام الاستثنائي يوم السبت 2 يناير 2026 بمراكش أن يحدد خطوات عملية موحدة للتصدي للمشروع، مثل الدعوة إلى سحبه أو تنظيم احتجاجات ميدانية، مع ضمان وحدة الصف المهني؟
إن محطة مجلس الجمعية المنعقد بمدينة مراكش ليست محطة تنظيمية عابرة، بل هي لحظة مفصلية في تاريخ مهنة المحاماة بالمغرب، لأن مستقبل المهنة ومستقبل المنتسبين إليها سيتحدد بدرجة كبيرة بناءً على ما سيصدر عن مجلس الجمعية. لذلك فإن المجلس، المكوّن من أعضاء المجالس السبع عشرة، مطالب اليوم بتحمّل مسؤوليته المهنية والأخلاقية كاملة في حماية المهنة وثوابتها ومكتسباتها التاريخية. فلا شك أن البداية يجب أن تمر عبر تقييم موضوعي صريح لمسار الحوار مع وزارة العدل، ولطريقة تدبير رئيس ومكتب الجمعية لهذا الملف الحساس، وما شابه من ارتباك وسرية وغياب للمقاربة التشاركية، وهو ما كان السبب المباشر في تضييع فرص تفاوضية مهمة، وفي إضعاف الموقف التفاوضي للمهنة أمام الجهة الحكومية المكلفة بالتشريع. لكن، ورغم أهمية هذا التقييم وترتيب المسؤوليات، لا ينبغي أن نستغرق فيه وقتا طويلا. لأن المرحلة تفرض علينا أن نكون إيجابيين وأن نعيد بناء وحدة الصف المهني بدل الوقوف طويلًا عند أخطاء الماضي.
فالمطلوب إذن اليوم هو استعادة روح الوحدة والوعي بأننا جسم مهني واحد أمام مشروع تشريعي يستهدف حصانة المهنة واستقلاليتها ومكانتها كآخر خط دفاع عن الحقوق والحريات. نحن أمام "زحف تشريعي" حقيقي يروم إعادة تشكيل وظيفة المحاماة وتقليص أدوارها، وهو ما يفرض على الجمع العام أن يمر من مرحلة التشخيص إلى مرحلة اتخاذ قرارات نضالية عملية وقوية تحمي المهنة ولا تفرط في تراكماتها التاريخية. ومن وجهة نظري، فإن التعامل مع الحكومة والوزارة الوصية يجب أن ينتقل إلى مستوى أعلى من الحزم والوضوح. المرحلة لم تعد تحتمل مبادرات جزئية أو خطوات احتجاجية محدودة، لأن التجربة أثبتت أن تلك الأشكال لم تحقق الأثر المطلوب. الخيار المنطقي اليوم هو الذهاب نحو قرار نضالي كبير وواضح يترجم موقف "نكون أو لا نكون"، وقد يكون في اتجاه توقف شامل ومفتوح زمنياً إلى حين سحب المشروع أو إعادة صياغته في إطار مقاربة تشاركية حقيقية تحترم مكانة المحاماة كشريك أساسي في منظومة العدالة.
وفي المقابل، أنا على يقين بأن الدولة ـ بمفهومها المؤسساتي وليس بمفهوم الحكومة الظرفي ـ تمتلك من الحكمة والمسؤولية ما يكفي لإدراك أن تدبير هذا الملف بهذه الطريقة سيؤدي إلى أزمة بنيوية في قطاع العدالة. وقد رأينا سابقًا أن الدولة سحبت من هذه الحكومة عدة ملفات حساسة بعد أن تأكد عدم قدرتها على حسن تدبيرها. وعليه، فالمطلوب ليس فقط مواجهة الحكومة، بل ايضا تنبيه الدولة إلى المخاطر العميقة التي يحملها هذا المشروع على العدالة، وعلى السلم الاجتماعي، وعلى ثقة المواطنين في المؤسسات. فوحدة الصف، وربط النضال بالشرعية الأخلاقية للمهنة، واتخاذ قرارات شجاعة ومدروسة في محطة مراكش… هي الطريق الوحيد اليوم لحماية المحاماة من مشروع يمس هويتها ويهدد دورها التاريخي كضمير للعدالة وحصن للحقوق والحريات.

ما هي الآليات القانونية والتنظيمية المتاحة داخل الجمعية لفرض تعديلات جوهرية على المشروع أو عرقلة تمريره، وهل يُتوقع تصعيداً عقب الجمع؟
من خلال تتبع تصريحات وزير العدل خلال هذه الأزمة، يتضح أنه يسير بثبات في المسار التشريعي للمشروع، دون اكتراث حقيقي بمواقف جمعية هيئات المحامين أو بمخرجات أجهزتها المنتخبة. هذا النهج ليس جديدًا؛ فالوزير اعتمد نفس الأسلوب سابقًا في ملف مشروع قانون المسطرة المدنية، وكذلك في النسخة السابقة من مشروع قانون مهنة المحاماة، التي بقيت متوقفة بسبب نقاط خلافية واضحة ودقيقة حددها مكتب الجمعية السابق. لكن التجربة بينت أن الحكومة لا تعود إلى طاولة الحوار إلا عندما تواجه موقفًا مهنيًا قويًا ووحدة صف واضحة، كما حدث في بداية الولاية الحالية، حيث اضطرت الحكومة آنذاك إلى التفاوض نتيجة القرارات النضالية الجريئة التي اتخذها الجسم المهني، والتي بلغت في مراحلها المتقدمة حدود التوقف الشامل والمفتوح زمنياً.
ومن الناحية التنظيمية، ينبغي التنبيه إلى أن جمعية هيئات المحامين بالمغرب ليست جهازًا فوق الهيئات ولا تمتلك سلطات قانونية لإلزام الحكومة أو فرض نصوص عليها. فهي إطار تنسيقي ينظم المواقف ويوحد الرؤية ويقود المعركة النضالية باسم المهنة. وبالتالي، فإن قوتها ليست في "سلطة الإلزام"، بل في شرعية تمثيلها للمحامين، وفي قدرتها على توحيد الصف وتعبئة المهنة بشكل منظم ومدروس، وهو ما يشكل في الواقع أقوى أداة ضغط على السلطة التنفيذية والتشريعية على حد سواء. وبالتالي وانطلاقًا من ذلك، فإن المتوقع منطقيًا أن يسفر الجمع العام الاستثنائي عن مخرجات واضحة تقوم على:
• رفض المسودة بصيغتها الحالية بشكل صريح وواضح؛
• المطالبة بسحبها كليًا أو إعادة طرحها للنقاش وفق مقاربة تشاركية جديدة تحترم مكانة المحاماة كشريك في العدالة، مع تحديد خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها؛
• وفي حال عدم استجابة الجهة الحكومية لهذه المطالب، فإن الآلية الوحيدة المتبقية ستكون الانتقال إلى التصعيد النضالي الميداني المنظم، بما في ذلك القرارات القوية التي قد تضطر المهنة إلى اتخاذها دفاعًا عن كرامة المحاماة واستقلالها وحماية العدالة في عمقها القيمي والمؤسساتي.