عبد الإلاه الرابحي: "الغيوانية" والشخصية المغربية

عبد الإلاه الرابحي: "الغيوانية" والشخصية المغربية عبد الإلاه الرابحي
شارك الناقد والكاتب عبد الإلاه الرابحي بورقة حول "الغيوانية" في ندوة الدورة الثانية لمهرجان حلالة بمدينة القنيطرة الذي نظم في الأيام الأخيرة من شهر دجنبر 2025، والذي احتفى بالشاعرة مليكة العاصمي. في حفل ثقافي متميز حضره ثلة من الشعراء والكتاب والمبدعين. ولأهمية الورقة الثقافية لذات الناقد في جال توثيق الدراسات الأكاديمي التوثيقية تتقاسم جريدة "أنفاس بريس" مضمونها مع المهتمين والقراء.
اليكم نص مداخلة الناقد عبد الإلاه الرابحي:
 
- "إذا ما شئنا إعداد نظرية أو وصف أو تأويل ذات صبغة علمية فلابد أن يكون بالإمكان البرهنة على خطئها" (كارل بوبر)
 
النغمة الموسيقية، أو النبرة الموسيقية، أو الأذن الموسيقية، هي، في تقديري، تنشأ منذ الطفولة، منذ البدايات الأولي المبكّرة للطفل مع العالم، تبدأ منذ الترنيمة الأولى للأم وهي تغنّي لطفلها، (وقد أكّد أحد أعمدة المغنى الغيواني أن مصدر الكلمات والايقاعات كانت من أمهات أعضاء المجموعة)، ومن الإيقاعات الصادرة عن مناسبات اجتماعية أو شعائرية، من أعراس الحي، وأناشيد العمل، أو البكائيات (التعداد) أو التراتيل الدينية، ومن الأصوات الصادرة من المذياع الشعبي ...ومن مصادر شعبية عدة. إذن فهي مسألة تنشئة، وبذا أيضا تبدأ الأذن في تخزين إيقاعات متعدّدة نابعة من الوسط الإجتماعي والطبيعي لها. تماما كما الوجدان الشخصي والجماعي في علاقته بالوسط القيمي المحافظ والتقليدي الذي بالكاد يكابد نحو الانفتاح [التباين بين الظاهر والباطن: بين الحداثة والتقليد] 
 
وعليه ف" الغيوانية" كمغنى، قبل أن تصبح معنى، هي كامنة فينا بالنظر إلى طبيعة المغاني والأهازيج، وأغاني الحصادين، وإيقاعات المواسم الفلاحية، ومردّدات الأضرحة والزوايا على طول التنشئة الاجتماعية...ومن ثمّة ف " الغيوانية" ليست أولا "تجربة"، لأن " التجريب" مغامرة إبداعية قابلة للنجاح كما للفشل، وليست أيضا "ظاهرة" لأن الظاهرة غالبا ما تكون طارئة، مستحدثة، أشبه بالغريبة على وسط ما، ومعرّضة للزوال والإندثار في كل حين، بينما "الغيوانية"، كنغمة ونبرة، كامنة في اللاشعور الجمعي المغربي، حتى أنها أسّ من الأسس الأساسية المشكّلة للشخصية المغربية، حتى لا أقول الهوية المغربية، لدرجة أنّه يمكن أن أقول: "من ليس غيواني ليس بمغربي".
 
صحيح أن هذه النبتة المبثوثة في اللاشعور الجمعي، كما كل الكائنات الحيّة، تنتظر شروطا خارجية لانبثاقها، لإيناعها، وهذا بالفعل ما حصل مع "الغيوانية" كمحفل غنائي مغربي صميمي، محض، قادته زرافة مؤثثة بما تمليه هذه النبرة، وبما يستجيب، وينسجم بنبرتها.
 
أقصد بهذه الشروط السياق التاريخي الذي كان محمّلا بحركات التحرّر العالمية، وشيوع النغمة الملتزمة، ومفهوم "المثقف العضوي"، وتفتيت "سيكولوجية الإنسان المقهور"، وانتشار أدبيات "البلاغة المقموعة"، وما إلى ذلك مما يطول شرحه...أي خروج هذه الترسبات " الغيوانية من عقالها.
 
غير أن هذه عوامل الانبثاق، ونظرا لخارجيتها لم تكن إلا عوامل ساعدت النغمة على إيناعها في لحظة تاريخية معينة، حتى أن أحد أعمدة "الأغنية الغيوانية" في إحدى حواراته، وفي خضم تأويل النغمة بهذه الشروط، نفى نفيا قاطعا أن يكون لها كلّ هذا التأويل الذي حضي باهتمام الأكاديميين وهم يعالجون هذه "الغيوانية" بنقلها، مشكورين، من حالتها الغفل، حالتها الطبيعية، من حالتها اللاشعورية، الى عقلنتها، إلى حالتها الشعورية في المدرجات العالمة.
 
وعلى ذكر "العالمة" وسياقاتها المعرفية، أحيل إلى كتاب "جون جاك ناتي"، وهو بالمناسبة من أطلق على وظيفته "مهنة عالم الموسيقى "الموسيقولوجي"، وقد ميّز بين الموسيقى، أو بلغة الندوة، المغنى، المسماة "عالمة"، والأخرى المسماة "شعبية"، وسمّى هذه الأخيرة ب "الموسيقى ذات التراث الشفوي الخارجة من أنغام الأجواء الاحتفالية".
 
تحت هذا المسمّى، في تقديري، يندرج الجوّ الغيواني بما هو معنى ومغنى:
يأتي المغنى كتعبير، ويأتي المعنى، في صفة الشعبية، كتجربة حياتية جماعية، في حين أنّه في العالِم يأتي كتجربة فردية، ويمكن أن نعتمد هذا كمعيار للتمييز، (إن المسألة شبيهة، في تقديري، بالتمييز بين الشعر "الفصيح" المعرب، والشعر الزجلي (العامي) وسأعود إلى هذه النقطة: 
-أولوية التجربة على التعبير:
المعنى والمغنى هو ما أسماه ستيفان هيرشي ب " la cantologie" أي دراسة النغمة في شموليتها، وهو ما اعتمده أيضا الباحث "عبد الحي صاديق" في دراسته "ناس الغيوان: أربعون سنة للأغنية الاحتجاجية المغربية" الصادر سنة 2014 ، يقول: كانت "الغيوانية تجمع بين القدرة الشعرية، والموسيقية، والمشهدية" ، هذه الصورة العامّة هي بالفعل الحصيلة المنسجمة لجماعة فوق الركح، بمعنى آخر كانت "الغيوانية" جزء كبيرا من لا شعورنا الجمعي مشخّصا، مجسّدا (incarné) فوق الخشبة، ولذلك كان طبيعيا أن تكون الانطلاقة من المسرح، الفن الأوّل، وأن تبدأ الجماعة بإنشاد طفليتنا الأولى بأنشودة "قطّتي صغيرة"، وكأنّها تذكّرنا بطفولتنا الجماعية، في لقاء حميمي بين مردّدة الأمّ، والاكتساب الأول من المعلّم الأوّل داخل المحفظة الأولى.. من هنا كان تشخيص "الغيوانية" لحما ودما، بروزها للعيان من خلال الملبس، والوقوف صفا واحدا على غرار الفرق الشعبية، وضفائر الشعر المنفوش والمشعث، وتمايل الأجساد بعيون ناعسة كناية عن تحليق خارج الحضور، عن وجد مستطاب داخل الغياب، وتجاوب الآلات الموسيقية الوترية والإيقاعية، بروحانية خاصّة، وإلا كيف حصلت على هذا الإجماع السريع وسط جل الأوساط المغربية، فانتشرت يردّدها كل لسان مغربي. (سوسية عمر السيد، بوزيرية لعربي باطما، هوارية رودانية علال يعلا، وصويرية عبدالرحمان باكو) لينصهروا في مدينة عمّالية جاءت في مفترق الطرق).
 
كان التعامل الغالب مع هذه "الغيوانية" أنّها جبهة ثورية تتغيى تغيير الوضع القائم، أي نُظر إليها في علاقتها بالخارج، وقلّما نُظر اليها أنّها دعوة لتحرير الداخل، البينذاتي الجماعي، أي تصفية الباطن من كدرات النفس، والإرتقاء به من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان على عقيدة التصوف السني، على طريقة الإمام الجنيد البغدادي، لإنتاج أثر بعيد عن المنتوج، ممتد في الزمن، ليس فقط المادي الملموس، بل لحضور وجداني يعيشه الفرد في عزلته، كما قد يتقاسمه كقيمة مع جل أفراد جماعته، تقول الغيوانية في أشهر مغانيها:
 "بحر الغيوان ما دخلتو بلعاني
تانعيط لشيخي ما تضيق بيا
غرض الله بوعلام الجيلالي"
(هنا استحضار الشيخ والمريد في بعدهما الصوفي)
وتقول الغيوانية أيضا:
"لله يا هلي أهل الحال" بكل مفهوم الحال كانقطاع عن ملذات الدنيا الزائلة...لتقول: "ما بقات رغبة تلهيني..." كدعوة لتأمّل الوجود والكينونة والمصير الإنساني، وهو ما يبرّر هذه النفحة الروحانية التي هيمنت على جلّ المغاني، فحتى تلك التي كانت أكثر خارجية، وأكثر توصيفا للواقع المأزوم استُهلت ب "سبحان الله"، وفي مغنى "غير خذوني" تقول الغيوانية: " بابا وحجّ المقدس... بابا مشتاق نشوفو...بابا نداه فكبادي..." لتقول أيضا: "ما تخمّم ف ضيق الحال...رحمة ربّي ما وسع" لتقول أيضا: هاذ الدنيا ما تدوم ألغوايك شكاها" لتقول أيضا:
"برفاكة الروح
بحق النطق
بحكمة لميازن نكافح
ونكتب نطقي عن اللوح"

ولتقول أيضا في خطاب صريح للموت، للحقيقة الوحيدة فوق هذا العالم:
" تكاديهم تحت التراب.... حفرة وكفن ألالّة.... لقبر والظلام المهياب.... والنفس الكوالة" لتقول أيضا:
"ما يدوم حال
ما يدوم حال يا مجذوب الغيوان".
 
هذا غيض من فيض ما تزخر به هذه الغيوانية المغربية من بعد روحاني، ولا أقول ديني، ونفحة وجدانية ترجّح كل تأويل داخلي ضاع في التأويلات الخارجية المستهلكة والمؤقتة المحكومة بظرفية زائلة. 
 
بهذا المعنى تصبح "الغيوانية" المغربية هذه النزعة الروحانية المتسمة بالتواضع، البساطة، بذمّ الشجع، بالقناعة، بالسلم، بنبذ الخلاف، بالجْماعة، النية، المشورة، ما يصطلح عليه بشكل عام ب "الصَلاح"، ومنه مفهوم الصُلّاح، أو بلاد الأولياء، أو ما نطلق عليه عادة "ولاد باب الله"....وما إليه من قيم داخلية تؤطّر الروحانية المغربية، 
وتشكّل بعضا من ثوابت الشخصية المغربية المتفرّدة. من جهة، وتصبغ على المعنى الغيواني الطابع الوعظي من جهة أخرى....حتى أن بعض الشذرات الغيوانية تسير مسرى المثل السيّار منذ الغيوانية الأولى، أقصد "الصينية"  مثل قولهم "عهدي بلوزيعة فلغنم" أو "شمس الحيين ما تدفي الموتى" أو "ماشي بصياح لغراب كتجي شتا".
  
وتعود استمرارية تجذر هذه "الغيوانية" لثلاث سمات كبرى:
- أولوية التجربة على التعبير: وهي سمة تطبع كل الإبداعات الشعبية الانطباعية، أي الارتباط بالواقع المعيش وبالوسط الطبيعي والجغرافي...بالتجربة الاجتماعية إلى حدّ الالتصاق بها كانعكاسية تكاد تكون مطلقة...ليأتي بعدها التعبير لصيقا بها. لذلك قال قرينه: جيل جيلالة "ناديتك بالغنة".... فالنداء (أو العيطة) معنى، والغنّة تعبير.
 
- المبدأ الحواري: الذي يحكم حتى تجاوب الآلات الموسيقية بغناء جماعي أفقي يتجاوز الغناء الفردي ذي البطل الواحد بتعددية أصوات بوليفونية (Polyphonie) دالّة (استحضار الجوقة والحلقة وفرجة الشارع)، ومشاركة الجمهور في الإلقاء بتجاوز للمغنى الأحادي ذي الطبيعة العمودية. ويظهر ذلك في تداخل الايقاعات وتناوبها داخل المغنى الواحد (التشبث بما أسماه جون جاك ناتي "العلبة العفنة" التي كانت تشمئزّ منها الموسيقى الغربية الكلاسيكية] 
 
- تذويت المنتوج: داخلية التجربة كمكوّن، وكمونها في اللاشعور الجماعي. لذلك تجد كل المغاربة يتجاوبون بتلقائية مع كل الايقاعات الصميمية التي لها علاقة بالتربة المغربية حتى في المحاولات التجديدية الشبابية التي نلاحظها مؤخرا....ويظهر ذلك فيما يمكن أن نسمّيه، المعنى المحايد المتعدّد.

تقول الغيوانية "حالي شمعة بالليل، خلّيني نبكي ونّوح": إسقاط المعنى على كل الحالات الذاتية.
بذا وبغيره، وفي هذا السياق تتأسس "الغيوانية" كأسّ أساسي في تشكيل ما نسمّيه اليوم، عبر وعي، للأسف، متأخر، بالذات، بتمغربيت في محلّيتها القصوى التي أثارت الإهتمام العالمي، ب "الغيوانية" المغربية...ضمن مااصطلح عليه في "معجم مصطلحات فن الملحون" ب "شيخ السجية أو شيخ الكريحة".