بوشعيب حمراوي في عالمٍ يدّعي احترام التعدد الثقافي وحرية المعتقد، يبدو غريبًا أن يُدان شعبٌ فقط لأنه يحتفي بالزمن، أو لأنه يرفض أن يُصادر حقه في الاعتراف بمساراته التاريخية المتعددة.
في المغرب، حيث تتعايش الهويات دون صدام، وحيث يشكّل التنوع مصدر قوة لا ضعف، ما يزال البعض – في الداخل والخارج – يصرّ على محاكمة المغاربة بسبب احتفائهم برؤوس سنوات مختلفة: الهجرية، والأمازيغية، والميلادية.
إنها مفارقة أخلاقية عميقة؛ فالعالم الذي يطالب بالتعددية، ويروّج للتسامح، ويحتفي بالاختلاف، يتردد فجأة عندما يتعلق الأمر بالمغرب، وكأن هذا البلد مطالب بأن يختزل تاريخه في زمن واحد، وهويته في بعد واحد، وذاكرته في لون واحد .
المغرب… هوية متعددة لا تقبل الوصاية
المغرب ليس دولة طارئة على التاريخ، ولا كيانًا يبحث عن هوية مستوردة. هو أرض التقاء الحضارات، وملتقى القارات، وجسر بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي والمتوسطي. تعاقبت عليه الثقافات، وامتزجت فيه الأديان، وتشابكت فيه الأزمنة دون أن يلغي أحدها الآخر .
في المغرب، لا تُخاض معارك الهوية في الشوارع ولا على منصات الكراهية، بل تُبنى بهدوء داخل الوعي الجماعي. فالهويّة هنا ليست سلاحًا، بل جسرًا. وليست أداة إقصاء، بل مساحة تعايش .
لماذا يُراد للمغاربة أن يعتذروا عن الزمن؟
السؤال الذي يجب أن يُطرح عالميًا هو :
لماذا يُطلب من المغاربة تبرير احتفائهم برأس السنة الميلادية، بينما تُعتبر في بقية العالم مناسبة إنسانية جامعة؟
ولماذا يُختزل هذا الاحتفاء في صور نمطية مغلوطة، وكأنه خروج عن القيم أو انحراف أخلاقي؟
الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون هي أن السنة الميلادية ليست طقسًا دينيًا، بل نظامًا زمنيًا عالميًا تُدار به شؤون الدول والاقتصادات والمؤسسات. بها تُوقّع الاتفاقيات، وتُحدد الأجور، وتُدار الجامعات، وتُحسب الأعمار، وتُضبط المواعيد الدولية .
بل أكثر من ذلك، إن المغرب – مثل باقي دول العالم – يعيش وفق هذا التقويم في كل تفاصيله اليومية، من الإدارة إلى الاقتصاد، ومن الصحة إلى التعليم. فكيف يُطلب من شعب أن يعيش زمنًا، ويُمنع عليه الاعتراف به؟
ازدواجية المعايير… حين يصبح الزمن تهمة
الغريب في الأمر أن الذين يهاجمون الاحتفاء برأس السنة الميلادية، هم أنفسهم من يستعملونها في حياتهم اليومية دون حرج. يسافرون وفق مواعيدها، يتقاضون أجورهم بناء عليها، ويُحاسَبون بها قانونيًا وإداريًا، ثم يخرجون لاتهام غيرهم بـالانسلاخ أو التغريب.
أليست هذه ازدواجية صارخة؟ أليس الأجدر مواجهة التخلف بدل محاربة التقويم؟
إن النقاش الحقيقي ليس في الأرقام ولا في أسماء الشهور، بل في عدم الانخراط الكلي من أجل دعم كل مشروع تنموي يحرر الإنسان من الهشاشة، ويمنحه كرامة العيش، ويؤهله للمشاركة في صناعة المستقبل .
الاحتفاء ليس طقسًا… بل موقف حضاري
الاحتفاء برأس السنة، في جوهره، ليس طقسًا دينيًا ولا حفلاً صاخبًا بالضرورة، بل هو لحظة وعي جماعي، لمراجعة الذات، وجرد الحصيلة، واستشراف القادم. هو فعل إنساني قبل أن يكون اجتماعيًا .
إن المجتمعات الحية لا تخجل من زمنها، ولا تخاف من محاسبة ذاتها. بل تعتبر الزمن حليفًا لا عدوًا، وشاهدًا لا خصمًا .
المغرب لا يحتاج دروسًا في التعايش، فقد عاشه قبل أن يُدرّس في الجامعات. ولا يحتاج وصاية ثقافية، لأنه صاغ هويته عبر قرون من الانفتاح المتوازن .
ما يحتاجه المغرب اليوم هو احترام اختياراته الحضارية، وفهم خصوصية نموذجه المجتمعي، وعدم اختزال تعقيده في صور نمطية جاهزة.
فالتعدد ليس تهديدًا… بل ثروة. والاختلاف ليس خطيئة… بل حق
والزمن، مهما اختلفت تسمياته، يظل ملكًا للإنسان، لا سيفًا مسلطًا عليه.
هكذا نحتفي بالزمن… دون ضجيج، دون عقد، ودون وصاية
.
السنة الميلادية… حين يصبح الزمن مرآة للوعي والهوية
مهما تعددت واختلفت أسماء الشهور والسنوات في المغرب، بين الهجري والميلادي والأمازيغي، فإنها تظل جميعًا محطات زمنية محمّلة بدلالات تاريخية، وروحية، وثقافية، وإنسانية. ليست مجرد أرقام تتعاقب، ولا أوراق تُطوى من مفكرة الحياة، بل هي ذاكرة أمة، وسجل حضارة، وشاهد حيّ على تحولات مجتمع تشكل عبر قرون من التفاعل، والتلاقح، والتعايش .
في المغرب، لا تعيش الأزمنة في صراع، بل تتجاور وتتداخل، مثل فسيفساء حضارية نادرة. فالسنة الهجرية تحمل عبق الروح والتعبد، والسنة الأمازيغية تختزن عمق الأرض والهوية، والسنة الميلادية تمثل نبض العصر وإيقاع الحياة الحديثة. كلها تسكن وجدان المغربي دون صراع أو تناقض، لأن هذا البلد علّم أبناءه كيف يصالحون بين الخصوصية والانفتاح، وبين الأصالة والمعاصرة .
إن ما يعيشه المواطن المغربي اليوم، من تحديات اجتماعية واقتصادية وثقافية، لا تحسمه أسماء الشهور ولا شكل التقاويم، بل تحسمه القدرة على تحويل الزمن إلى فرصة، والاختلاف إلى قوة، والتعدد إلى مصدر غنى. فالأيام، مهما اختلفت تسمياتها، لا تصنع وحدها التنمية، وإنما يصنعها الإنسان حين يؤمن بأن الزمن لا يُستهلك، بل يُستثمر .
تتعدد الرؤوس… والجسد واحد
ليس في الاحتفاء برؤوس السنوات الثلاث – الهجرية، والميلادية، والأمازيغية – أي تناقض أو مساس بالهوية. بل هو تعبير صادق عن نضج مجتمعي يعي أن الهوية المغربية نُسجت من روافد متعددة، وأن قوتها تكمن في قدرتها على استيعاب التنوع دون أن تفقد بوصلتها .
فالاحتفال برأس السنة الأمازيغية في 14 يناير، أو برأس السنة الميلادية في فاتح يناير، أو برأس السنة الهجرية في فاتح محرم، لا ينبغي أن يكون مناسبة للجدل العقيم أو التخوين أو التضييق، بل لحظة إنسانية للتلاقي، وتبادل التهاني، وتعزيز قيم الفرح المشترك، في إطار الاحترام المتبادل والخصوصيات الثقافية .
إن المغرب، عبر تاريخه الطويل، لم يكن يومًا بلد الإقصاء، بل كان فضاء للتعدد، وملتقى للثقافات، ومجالا للتسامح الديني والإنساني. لذلك، فإن أي دعوة لإلغاء أو تحقير أحد هذه المكونات ليست سوى تعبير عن ضيق أفق، أو قراءة مبتورة لهوية وطن تشكل عبر قرون من التفاعل الحضاري.
السنة الميلادية… واقع لا يمكن إنكاره
قد يختلف البعض حول المرجعيات، لكن الواقع يفرض نفسه بقوة. فالسنة الميلادية اليوم هي العمود الفقري لتدبير شؤون الحياة اليومية للمغاربة. بها تُؤرخ الولادات والوفيات، وتُحسب سنوات الدراسة والعمل، وتُحدد مواعيد الامتحانات والعطل، وتُبرمج المشاريع الاقتصادية، وتُضبط المواعيد الإدارية، وتُحسب الأجور والمعاشات، وتُنظم العلاقات الدولية .
بل إن حتى أكثر اللحظات خصوصية في حياة الإنسان – من الحمل إلى الوفاة – تُؤطر زمنياً بالسنة الميلادية. فكيف يُعقل أن نستفيد من كل هذا التنظيم والدقة، ثم ننكر على أنفسنا حق الاعتراف والاحتفاء الرمزي ببداية سنة جديدة؟
إن الأمر لا يتعلق بتبني طقوس دينية أو استنساخ ثقافات غريبة، بل بالاعتراف الواقعي بالدور الذي تلعبه السنة الميلادية في حياتنا اليومية. فالاحتفاء بها لا يعني التخلي عن الهوية، بل يعكس نضجًا في الوعي، وقدرة على التمييز بين ما هو تعبدي وما هو تنظيمي .
بين القداسة والعقلانية
التاريخ الهجري يظل مرجعًا روحياً ودينياً لا غنى عنه في العبادات والشعائر، وهو جزء من وجدان الأمة الإسلامية. غير أن تحويله إلى أداة لإدارة كل تفاصيل الحياة المعاصرة لم يعد ممكنًا في عالم تحكمه السرعة والتقنيات والتقويمات الموحدة .
المشكلة ليست في التقويم، بل في طريقة التعامل معه. فبدل أن ننشغل بصراعات وهمية حول “أي سنة أحق”، كان الأجدر بنا أن ننشغل ببناء الإنسان، ومحاربة الفقر، وتجويد التعليم، وترسيخ قيم المواطنة، والعدالة الاجتماعية .
إن من المؤسف أن يُختزل النقاش في جدل عقيم كلما اقترب رأس السنة الميلادية، في حين أن الأجدر هو استثمار هذه اللحظة لمساءلة الذات، وجرد الحصيلة، وتقييم ما تحقق وما أخفق، واستشراف آفاق جديدة بروح إيجابية ومسؤولة .
الاحتفاء ليس انحرافًا
لا أحد يدعو إلى مظاهر الانفلات أو المجون أو التقليد الأعمى لطقوس لا تشبهنا. فالاحتفال ليس سكرًا ولا انفلاتًا أخلاقيًا، بل قد يكون لحظة وعي، وتأمل، وشكر، وتجديد للعهد مع الذات والوطن .
الاحتفاء الحقيقي هو ذاك الذي يكرم الإنسان، ويحتفي بالمنجز، ويعترف بالجهود، ويمنح الأمل، ويشجع على الإبداع، ويصالح الإنسان مع زمنه. هو احتفاء بالعقل، وبالعمل، وبالاستمرارية .
خلاصة القول إن تعدد الرؤوس لا يعني تعدد الجسد. فالجسد المغربي واحد، نابض بتاريخ عريق وهوية متجذرة، وروح منفتحة على العالم. وما أحوجنا اليوم إلى وعي جماعي يعلو فوق الصراعات الهامشية، ويضع الإنسان في قلب كل مشروع حضاري .
فلنحتفِ بالسنوات كلها… لا لأنها متشابهة، بل لأنها جميعًا تشكل نسيج حياتنا، وتمنحنا فرصة جديدة لنكون أفضل، وأكثر إنسانية، وأكثر وفاءً لوطن اسمه المغرب .