لا يقرأ المستقبل في منظور علم المستقبليات بوصفه إمتداد ميكانيكي للحاضر، وإنما بإعتباره بناء إجتماعي تحكمه علاقات القوة وأنماط الإنتاج، والتحولات القيمية المجتمعية، وتسارع التحول التكنولوجي والرقمي الذي أضحى يحكم العصر.
من هذا المنطلق، إنشغل علماء الإجتماع ورواد الفكر الإستشرافي بتحليل الإتجاهات الكبرى التي تعيد تشكيل المجتمعات والدول، من عولمة متسارعة، وتحول رقمي عميق، وتحولات ديمغرافية ضاغطة، إلى أزمات سياسية تتغذى من تراجع الثقة في المؤسسات. وقد أسس مفكرون من قبيل غاستون بيرجيه، وبرتران دو جوفينيل وألفين توفلر، وهرمان كان وإيمانويل والرشتاين، لنظرة إستشرافية تعتبر المستقبل مجال للإختيار الأخلاقي والسياسي، لا لحتمية التاريخ، وتؤمن بأن السيناريوهات ليست تنبؤات، بل أدوات لفهم البدائل الممكنة وإتخاذ القرار في ظل اللايقين.
من خلال هذه المقدمة النظرية، تبرز سنة 2026 كسنة مفصلية في المسار الوطني، حيث تتقاطع رهانات السياسة بالإقتصاد، ويتشابك الإجتماعي بالأمني، في بيئة جيو سياسية إقليمية ودولية شديدة التقلب. فهي سنة الإستحقاقات الإنتخابية في شتنبر 2026، بما تحمله من إعادة تموضع حزبي وتجاذبات سياسية وتشديد لوزارة الداخلية في تزكية الفاسدين ومدى قدرتها على الضبط والحياد في العملية الإنتخابية، لكنها في العمق سنة إمتحان حقيقي لقدرة الفاعل السياسي على إستعادة الثقة المجتمعية، في ظل إتساع رقعة العزوف، وتنامي النقد الشعبي للأداء الحزبي، وتراجع منسوب المصداقية. كما تطرح 2026 سؤال نجاعة الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية، لا من زاوية النصوص، بل من حيث الأثر الفعلي على الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإستقلالية المؤسسات، وقدرتها على الإستجابة لإنتظارات المواطنين.
ومن الناحية الإقتصادية والإجتماعية، تظل الضغوط قائمة بفعل غلاء المعيشة، وإستمرار البطالة وإتساع مستوى الهشاشة لدى العديد من الأسر المغربية ، وهو ما يجعل من العدالة المجالية وتحويل الإستثمار العمومي إلى رافعة تنموية حقيقية بإعتبارها رهانات لا تقبل التأجيل. كما سيبقى إصلاح المنظومات الكبرى، وفي مقدمتها التعليم والصحة والحماية الإجتماعية، محك حقيقي لصدقية السياسات العمومية، بين منطق الإصلاح العميق ومنطق التدبير الظرفي.
أما على مستوى الأمن الاجتماعي والنظام العام، فتلوح في الأفق تحديات مرتبطة بتدبير الإحتجاجات والجريمة و الهجرة، في ظل تصاعد الوعي الحقوقي وتأثيرات وسائل التواصل الإجتماعي. وهو ما يفرض ضرورة قيام توازن دقيق بين حفظ الإستقرار والسلم العمومي وإحترام الحقوق والحريات، مع تعزيز دور القضاء كضامن لحقوق الانسان في إطار دولة القانون.
وعلى مستوى السياسة الخارجية للدولة، تستمر قضية الصحراء المغربية في صدارة الرهانات الدبلوماسية، وسط تحولات متسارعة في مواقف القوى الدولية، وتزايد أهمية تحصين الجبهة الداخلية سياسيا وإعلاميا في مواجهة الحملات المعادية لتقويض كل تنزيل فعلي لمبادرة الحكم الذاتي التي أقرها قرار مجلس الأمن 2797. كما تظل العلاقات الإقليمية، خاصة في المحيط المغاربي والإفريقي، عامل مؤثر في توازنات السياسة الداخلية،٦ وفي قدرة الدولة على تحويل محيطها الجيوسياسي إلى فضاء للتعاون بدل التوتر.
وفي قلب هذه الرؤى الإستشرافية، يبرز تحدي الخطاب والثقافة السياسية، حيث يتوقع احتدام الصراع بين خطاب شعبوي تبسيطي يستثمر في الغضب والإختزال وتبخيس دور المؤسسات، وخطاب عقلاني إصلاحي يسعى إلى تقديم بدائل واقعية. وهنا يختبر دور النخب الفكرية والإعلامية في تأطير النقاش العمومي، وترسيخ قيم الثقة والنزاهة والكفاءة والمسؤولية، باعتبارها شروط ضرورية لأي انتقال ديمقراطي هادئ.
ختاما إن سنة 2026، بمنطق الإستشراف لا بقراءة المنجمين، ليست سنة عادية، بل لحظة إختبار حاسمة لقدرة الدولة والمجتمع على تدبير التوتر وتحويل الأزمات إلى فرص، وتجديد العقد السياسي الإجتماعي على أسس أكثر واقعية وصدق . فهي سنة الإختيارات الصعبة، حيث لا يكمن السؤال الحقيقي في الحاجة إلى الإصلاح، بل في من يملك الشجاعة السياسية والقدرة المجتمعية على تحمل كلفته وصناعة مستقبله بإرادة واعية، لا بانتظار الزمن بناذا على قاعدة كم حاجة قضيناها بتركها.
د/ الحسين بكار السباعي ،محلل سياسي وخبير إستراتيجي