على امتداد أكثر من نصف قرن، وتحديدا منذ أن وضعت حرب الرمال أوزارها، وما تلاها من اتفاق اضطراري حول ترسيم الحدود سنة 1972، ثم ما تلا ذلك الاتفاق من الممارسات العادية للغدر الجزائري، بأمغالا الأولى وأمغالا الثانية، تجاه مغرب كل ذنبه أنه جعل من ثورة الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي انشغالَه الذي لم يَنقُص في شيء عن قضيته الأولى، وأنه منح ثقته لثوار أصيلين قبل أن تختطفهم بنفس الغدر أيادي العسكر، لنبدأ بعد ذلك في الإنصات إلى أسطوانة "الحدود ااموروثة عن الاستعمار"، ثم ليتطور ذلك إلى تفريخ البوليساريو، ومده بالمال والسلاح وبالرجال من كل البلدان المجاورة بواسطة شراء الذمم والمواقف بالمال الحرام، المسروق والمنهوب من مقدرات الشعب المسطول، و"المقلوبة عليه قفة التهجين والتدجين والتعتيم"...
ولم يكف العسكر كل ذلك، فانطلقوا يجمعون فُتات وحُثالات الريافة الفارين من يد العدالة ليس لأسباب سياسية أو من جراء تفعيل حرية الرأي والتعبير، وإنما لأسباب أخرى يندى لها الجبين، مثل الاتّجار في المخدرات، وفي البشر، وفي كل الممنوعات والمحظورات، وصنعوا من هذه الحثالة مكتبا لِما سموه بانفصاليي الريف، والريف المغربي منهم براء، وبدأوا يلوحون بالانتقال إلى دعم هؤلاء هم الآخرين بالمال والسلاح كما فعلوا مع ميليشياتهم الجنوبية، البوليساريو، لولا أن أولئك الريافة المزوَّرين انفضحوا لتوهم وظهروا على حقيقتهم، واتضح أنهم مجرد طفيليين متهافتين ومتكالبين من أجل حفنات من الغازودولار، التي يقدمها نظام العسكر العجزة بسفَهٍ لا نظير له!!
كل هذا ارتكبه ذلك النظام الغادر وما زال يفعل، لتأتي اليوم ساعة الحساب، وليكتوي هو الآخر بنفس اللهب، ويشرب من نفس السم الزعاف، بعد أن لم يبق أمامه سوى نحو أسبوعين وليس أكثر، على "الإعلان الرسمي لجمهورية القبائل المستقلة" من منفاها، بعد أن اطمأن مؤسسوها، وفي طليعتهم الأمازيغي الثائر فرحات مهني، إلى التعاطف المبدئي والمسبق لعدد لا يستهان به من الدول، والانظمة، والحكومات، ومن أعداد أكثر حجما ووزنا من البرلمانات ومجالس الشيوخ، حتى في أعرق الدول مثل المملكة المتحدة، أو بريطانيا العظمى، بعد الجمهورية الفرنسية، التي استأثرت منذ عقود بإيواء رئيس منظمة "الماك" القبايلية تحت سمائها، ومنحت قادتها صفة اللجوء السياسي، واستمرت تستعملها في ممارستها لسياسة العصا والجزرة، تجاه نظام يعلم العالم برمته أنه ما زال يدين بالتبعية للجمهورية الخامسة بمقتضى اتفاقية إيفيان!!
وعلى ذكر هذه الاتفاقية، فهي التي لم تنل الجزائر بموجبها استقلالها ككل المستعمرات الفرنسية السابقة، وإنما هي صيغة من صِيَغ "تقرير المصير"، ولذلك ينعت العالم كله ذلك النظام ودولته بالانتماء بيولوجياً لماماه فرنسا !!
المهم، أن النظام الجزائري، وكل المبتلين بالعنتريات الجزائرية الفارغة، مسؤولين ومثقفين وأحزاباً وإعلاماً وغيرهم، سيتجرعون قسراً من نفس الكأس المر والمسموم الذي حاولوا أن يَسقونا منه نحن المغاربة بكل الوسائل المتاحة، حتى اللاأخلاقية، ولكنهم لم يُفلحوا، لأن الحكمة الإلهية اقتضت "بأن المكر السيّئ لا يحيق حتماً إلاّ بأهله" !!
والعجيب في هذه السخرية اللاذعة لهذا القدَر، أن المغرب لم تكن له أي يد فيما سيقع يوم الرابع عشر من دجنبر الحالي، وإنما هي ثورة أمازيغية أصيلة تنفجر في وجه نظام اختلط فيه الدم الكرغولي بالفرنسي، فنتج لديه من هذا الخليط غير المتجانس هذا المسخ الذي نُعايِنُه اليوم، وبالأمس قبل اليوم، على حدودنا الشرقية... وعلى قول الشاعر طرفة بن العبد:
"سَتُبْدِي لكَ الأيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً
وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَا لَمْ تُزَوَّدِ...
وأما نحن فنقول: الأيام بيننا يا جيران الخديعة!!!
محمد عزيز الوكيلي، إطار تربوي متقاعد.