الكولونيل ماجور مولاي أحمد بوي… ذاك الاسم الذي كلما تردّد في الذاكرة الجماعية لطانطان والصحراء المغربية، نهضت صورة رجل نحيل القامة، عظيم الروح، يلوّح براية حمراء تتوسطها نجمة خضراء، في فضاء كان يختنق برايات الغزو والاحتلال.
كان يُلقَّب بأسد الصحراء، لا من فراغ، بل لأن خطواته كانت تُسمع كزئير في رمال الجنوب، ولأن حياته كلّها صيغت من خيوط نادرة من الوطنية والإقدام والإخلاص.
وُلد مولاي أحمد بوي سنة 1929 في طانطان، في زمن مضطرب تهتز فيه خرائط العالم وتشتد فيه قبضة الاستعمار على الصحراء، فشبَّ وهو يرى وطنه مُجزَّأ ورايته غريبة عن سمائه، فاختار منذ الصغر أن يجعل من العلم والمعرفة سلّمًا إلى المقاومة والعمل.
انتقل طفلًا إلى لاس بالماس، وهناك، بين مقاعد الدراسة وجدران الغربة، تكوّن وعيه الوطني مبكرًا؛ كان تلميذا متفوقا، لكن تفوقه الحقيقي كان في قدرته على تحويل المعرفة إلى سلاح هادئ ينتظر لحظة الانفجار.
حين التحق بالأكاديمية العسكرية في مدريد وتخصّص في سلاح المواصلات، لم يكن شابًا يبحث عن مجد شخصي بقدر ما كان ضابطًا يستعد لليوم الذي يضع فيه خبرته في خدمة أرضه. في طرفاية، وهو يشرف على المدرسة العسكرية للاسلكي، لم تكن الأسلاك الهوائية تلتقط فقط إشارات الأوامر العسكرية، بل كانت تمرّ عبرها همسات الأحرار، ورسائل المقاومة، وبذور أول نواة لجيش التحرير بالصحراء، التي نسج خيوطها إلى جانب رجال صدقوا ما عاهدوا الله والوطن عليه.
عندما غادر صفوف الجيش الإسباني ومعه رجاله وعتادهم صوب تكانت، كان يعبر حدودًا تتجاوز الجغرافيا؛ كان يعبر من موقع "الخاضع" إلى موقع "المقاوم". هناك، في الشعاب والمرتفعات، أعاد تنظيم الصفوف وضرب مواقع المستعمر بضربات موجعة، حتى اضطر العدو إلى سحب قواته من طانطان وسيدي إفني، لتستعيد الرمال شيئًا من كرامتها.
وسنة 1958، حين انتصب الشاب أحمد مولاي بوي فوق سماء طانطان، وأنزل العلم الإسباني ورفع العلم المغربي عاليًا، لم تكن مجرد لحظة بروتوكولية؛ كانت لحظة ميلاد مدينة في حضن الوطن، وميلاد رجل في ذاكرة الأمة.

بعد ذلك بسنة، ارتدى الزي العسكري للقوات المسلحة الملكية، فكان انتقاله من جيش التحرير إلى الجيش الملكي استمرارًا طبيعيًا لمسار واحد: الدفاع عن المملكة ووحدتها. في حرب الرمال سنة 1963، ضمن الفيلق السادس بقيادة الجنرال إدريس بن عمر، برز شجاعته كأنها قدر مكتوب؛ واجه النار بالثبات نفسه الذي واجه به رياح الاستعمار في الجنوب، فحاز تقدير قادته، لكنه استجلب أيضًا غيرة الحاسدين. حين لفّقوا له الوشاية وزُجَّ به رفقة أخيه الشهيد المهدي بوي في السجن أربع سنوات، لم تنكسر فيه الروح، بل اشتد عوده، وخرج أكثر صفاءً، كما تخرج المعادن الثمينة من عمق النار.
بانكشاف المؤامرات الانقلابية ضد الملك الراحل الحسن الثاني، انجلت الحقيقة وعاد الرجل إلى مكانه الطبيعي، لا كمجرّد ضابط بُرِّئ، بل كإطار وطني موثوق. استقبله الحسن الثاني وأسند إليه مهام دبلوماسية سرية في موريتانيا ومالي والسنغال ودول إفريقية جنوب الصحراء؛ هناك، بعيدًا عن عدسات الكاميرات، كان يمارس نوعًا آخر من الجندية: جندية الكلمة والاتصال وبناء الجسور، خدمةً لقضية المغرب الأولى ووحدته الترابية. كان يتحرك بخفة الظل البدوي ودهاء العسكري المجرب، ينسج التحالفات ويُطفئ التوترات، واضعًا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
وموازاة مع مساره العسكري، حمل لقب باشا على دائرة المسيد بأمر من الملك الراحل، فلم يتعامل مع المنصب كامتياز إداري، بل كمسؤولية أخلاقية تجاه الناس والأرض والقبيلة.
وحين دوّت طبول حرب الصحراء من جديد، عاد إلى الخنادق دون تردد، يتقدم الصفوف في الوحدة 32 للمخزن المتنقل، يقود رجاله في معارك كانت رمالها تحفظ أسماءها عن ظهر قلب: رأس الخنفرة، توكات، الفارسية، الجديرية، المسيد، الوركزيز، السويحات، عظم الريح، تويزكي… في كل هذه المحطات، كان يقف بين جنوده لا أمامهم، يعلّمهم أن الشجاعة ليست تهورًا، بل انضباط وإقدام وحب صادق للأرض التي يقاتلون من أجلها.
على تخوم تفاريتي والبير لحلو، وقبل أيام قليلة من وقف إطلاق النار ودخول قوات الأمم المتحدة، قاد مجموعته في عمليات تمشيطية حاسمة، طارد خلالها ميليشيات البوليساريو إلى مشارف عين بنتيلي في التراب الموريتاني، وأسر مقاتلين مدججين بالسلاح، ليُثبت مرة أخرى أن الدفاع عن الصحراء ليس شعارًا يُقال، بل عرقًا ودمًا يُبذل في الخفاء والعلن. كانت تلك السنوات الأخيرة من الحرب خاتمة ميدانية لمسار طويل من الصمود، خطّ فيه أسد الصحراء ملحمة من الانتصارات الصغيرة التي تتراكم لتصنع وطنًا آمنًا.
وراء البذلة العسكرية والرتب اللامعة، كان هناك رجل قبيلة وإنسان مجتمع؛ عُرف تاريخيًا بالأب الروحي لقبائل يكَوت، لا بسلطة السلاح بل بسلطة الاحترام والتأطير والقدرة على جمع الكلمة. كان يحضر حلقة النقاش كما يحضر اجتماع القيادة، يهدّيء النفوس، ويرفع منسوب الوعي، وينفخ في الأجيال روح الانتماء إلى وطن أكبر من الخيمة والقبيلة. لذلك تحوّل مع الوقت إلى مرجع أخلاقي، يُستشار في الملمات، وتُروى سيرته كدرس في الإيثار ونكران الذات.
لم يكن التكريم في حق مولاي أحمد بوي منّة من أحد، بل كان اعترافًا طبيعيًا بمسار استثنائي؛ توِّج بثلاثة أوسمة للنجم الحربي، ووسام الاستحقاق الوطني، ووسام الشجاعة، ووسامي العرش من الدرجة الممتازة ودرجة فارس، ثم وسام الحمالة الكبرى، إلى جانب أوسمة وتنويهات أخرى ورسائل تقدير من الملك الراحل الحسن الثاني ومن كبار قيادات القوات المسلحة الملكية. كل وسام على صدره كان حكاية معركة، وكل رسالة تنويه كانت ختمًا رسميًا على ما عرفه الناس عنه أصلاً: أنه رجل لا يساوم في حب وطنه ولا يتراجع حين تُختبر الرجولة في لحظة الحقيقة.
ظل الكولونيل ماجور مولاي أحمد بوي ثابتًا على العهد حتى اللحظة الأخيرة من حياته؛ عاش للجندية والإمرة وخدمة القبيلة والوطن، ومات سنة 2020 وقد ترك وراءه سيرة تشبه الراية التي رفعها أول مرة في طانطان: عالية، نقية، لا تنحني. لم يكن فقط ضابطًا كبيرًا ولا مجرد لقب "أسد الصحراء"، بل كان مدرسة كاملة في الوطنية الصلبة، والشجاعة الهادئة، والإخلاص الذي لا يتغيّر بتغيّر المناصب والظروف.
هكذا يمضي الرجال الكبار.. يغيب الجسد، وتبقى السيرة منارة للأجيال، وراية ترفرف في سماء الذاكرة كلما هبّت ريح على رمال الصحراء المغربية.
ابراهيم السالك