يشهد المغرب لحظة تشريعية فارقة تتقاطع فيها أسئلة الشرعية الدستورية مع مراجعات عميقة تطال المنظومة القانونية برمتها ولا سيما قانوني المسطرة الجنائية والمسطرة المدنية وإدماج آلية الدفع بعدم دستورية القوانين داخل بنيات التقاضي. وفي ظل هذا الحراك يبرز تأسيس شبكة محاميات ومحامي المنظمة المغربية لحقوق الإنسان خطوة تتجاوز بعدها التنظيمي لتعيد تموضع الدفاع ضمن هندسة الحماية الحقوقية وتمنح المنظمة أداة مهنية تعينها على فهم هذه التحولات واستيعاب آثارها على ضمانات المحاكمة العادلة.
فالتحيين المرتقب لقانون المسطرة الجنائية وخاصة ما يتعلق بالحراسة النظرية والبحث التمهيدي وضوابط الاحتفاظ ومعايير الإثبات يضع العدالة المغربية أمام اختبار دقيق: كيف يمكن تحقيق النجاعة القضائية دون الإخلال بجوهر الحقوق الأساسية؟ وهنا تتبدى أهمية الشبكة في رصد مسار تنزيل هذه النصوص وتحليل أثرها على المسطرة التواجهية وصون قرينة البراءة باعتبارها أساس العدالة الجنائية.
وفي السياق نفسه يشكل مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين تحولا بنيويا في المشهد القضائي المغربي لما يدخله من إمكان مساءلة النص التشريعي داخل الدعوى ذاتها. ويتطلب ذلك من الدفاع امتلاك أدوات متقدمة في التحليل الدستوري والقراءة المعيارية للنصوص. وهنا تصبح الشبكة فضاء لتأهيل محامي المنظمة على مواكبة هذا المسار وتمكين المنظمة من رصد تفعيل الشرعية الدستورية في الممارسة القضائية اليومية.
أما إصلاح المسطرة المدنية وقد انصرف إلى محاور واسعة تشمل التبليغ والاختصاص وسلطة القاضي في التحقيق والإثبات وآجال ومساطر الطعن وإجراءات التنفيذ بما هي حلقة مسطرية لازمة لاستكمال آثار الحكم فإنه يكشف الحاجة الملحة إلى قراءة حقوقية قادرة على قياس أثر هذه المقتضيات على الأمنين القانوني والقضائي. ومن ثم يتجاوز دور الشبكة مجرد التعليق على النصوص ليصبح تحليلا واقعيًا يبصر المنظمة بمستوى التناسق بين القاعدة القانونية وامتداداتها التطبيقية.
ويكتسي ميثاق عمل الشبكة الذي اعتمدته المنظمة أهمية معيارية خاصة إذ يرسخ قيم الاستقلالية والنزاهة واحترام السر المهني والالتزام بأخلاقيات المحاماة مع الانفتاح على المرجعية الدولية لحقوق الإنسان. وهي مبادئ تمنح لعمل المحامي داخل المنظمة بعدا مؤسسيا يرقى بالخبرة المهنية إلى مستوى المساهمة في إنتاج معرفة حقوقية دقيقة تربط النصوص بروح الدستور والالتزامات الدولية للمغرب.
وفي هذا الإطار يجيء انفتاح المنظمة على جمعية هيئات المحامين بالمغرب وسائر الفضاءات المهنية امتدادا لروح الإعلان التأسيسي للشبكة على نحو يتيح تقاطع الخبرات القانونية وتعميق القراءة الحقوقية للنصوص من غير أن يمس استقلال المهنة أو يخل بوحدة بنيتها الذاتية. إنه انفتاح محسوب يقوم على قناعة بأن تطوير الممارسة لا يتحقق إلا عبر الحوار مع الحقول المهنية المنظمة.
ويتعزز هذا المسار بعمل الشبكة في رصد المحاكمات وإنتاج تقارير موضوعية حول سير الدعوى وهي آلية أساسية لقياس مدى احترام القضاء للضمانات الجوهرية وتحديد مكامن الخلل أو التعثر في الممارسة. وهنا يغدو الدفاع شاهدا على أداء المنظومة القضائية ومعيارا لقياس جودة العدالة ومصدرا لإنتاج معرفة تساعد في تقييم السياسات العمومية في مجال العدالة.
كما يشكل التكوين المستمر ركيزة محورية لدور الشبكة بما يسمح لمكوناتها بمتابعة تنوع القضايا ذات البعد الحقوقي سواء تعلق الأمر بالهجرة أو الاتجار بالأشخاص أو العنف المبني على النوع أو القضايا المرتبطة بالحرية والسلامة الجسدية وهي أمثلة ضمن نطاق أوسع يلامس مختلف تجليات حقوق الإنسان. هذا التنوع لا يدل على تخصص ضيق بل يعكس الحاجة الدائمة إلى تعزيز المعرفة وربطها بمرجعيات دولية وفقه مقارن متجدد.
وهكذا يتضح أن تأسيس شبكة محاميات ومحامي المنظمة ليس مجرد بناء تنظيمي إضافي بل هو إعادة نحت لدور الدفاع داخل الزمن التشريعي الراهن وترسيخ لشرعية الدستور وروح المعايير الدولية وتثبيت للموقع المركزي للحقوق داخل النصوص والمساطر. إنها خطوة تمنح المنظمة أداة معرفية راقية تسهم في إعادة وصل القانون بالإنسان وضمان ألا يكون الإصلاح مسعى تشريعيا فحسب بل مسارا يقود إلى عدالة أعمق ومساطر أكثر اتساقا وحقوق تمارس ولا تعلن فقط.
أحمد حموش
محام بهيئة المحامين بالدار البيضاء
نائب الكاتبة العامة للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان