عبد الرفيع حمضي: الزلايجيّة

عبد الرفيع حمضي: الزلايجيّة عبد الرفيع حمضي ومشهد لحرفي زلايجي مغربي
هناك كلمات تُولَد صافية مثل الماء، ثم تَتَشوّه دلالاتها بأيادي الاستخدام العابر . و«الزلايجية» واحدة من تلك الكلمات التي خرجت من قلب الحرفة العريقة ومن ورش الطين والنار، ومن يد مْعَلْم يقضي يومه بين المطرقة والقياس -وبينهما الصبر والنفس الطويل-، قبل أن تنقلب  الكلمة في لغة مستعملي الزمن الرقمي إلى وصم لا يليق بأصحابها، فيُختزل  الزلايجي  في المتملّق الذي يساوم من أجل قربٍ عابر، ويضع كرامته في ميزان المصالح الصغيرة. 
 
المغربي اليوم كما في الأمس.  لا يحتاج إلى كثير من الشرح كي يفهم معنى الزليج؛ يكفيه أن يُسند ظهره إلى حائط مسجد ،أو يجلس في فناء «رياض» قديم يحتسي اتاي أو على مائدة عشاء في صالون منزل  ، حتى يشعر أن الألوان التي تحت قدميه وعلى الجدران هي جزء من ذاكرته  الفردية والجماعية  لان الزليج ليس مجرد تبليط للجدار، بل هو طريقة في النظر إلى الكون .فحين تتأمل ترتيبه  للفوضى، وتحويله للطين والنار والألوان  إلى هندسة فهي تشبه ما نتمناه في خيالنا لمجتمعنا  من انسجام وتوازن .
قبل أيام، وبدعوة من صديق حضرت ليوم دراسي نظمته وزارة الثقافة حول ترشيح  فن ومهارات زليج فاس  وتطوان لأدراجها على لائحة التراث  الثقافي غير المادي  لليونسكو .

 
كان الفضاء يغصّ بالألوان التي تتدلّى من الجدران كقطع من التاريخ، وكان الزوار يتنقلون بين المعروضات وهم يعودون إلى شيء أقدم من حياتهم بعدة قرون  .في تلك الأجواء التقيت رجلاً بسيطًا في مظهره حاد في نظراته ،تبدو على يديه آثار خشونة الزمن، ورائحة الطين، المبللة بهدوء  الذين يعرفون ماذا تعني «الصنعة». استرسلنا في الحديث، وسألته بحب وببراءة: «واش نتا زلايجي؟». توقّف، تبسم بخجل، ثم قال بنبرة هادئة تختلط فيها الكرامة بالأسف: «أنا زلايجي على أبا وجدي ولكن  بمعناه المغربي الأصيل. ماشي زلايجي ديال الفايسبوك .
 
كانت تلك اللحظة كافية للشعور بالحرج ولفهم حجم الإساءة التي ألحقها الاستعمال الجديد بالكلمة. فلقب «الزلايجي» الذي كان رمزًا للحرفة والدقة والجمال، صار يُستخدم اليوم بشكل يختصره في سلوك لا علاقة له بصاحبه. شيء من الظلم يتسرب إلى اللغة عندما تنزع الكلمة من سياقها الطبيعي وتُلقى في هواء السخرية السهلة حينها لا يكون الجرح لغويًا فقط، بل يمسّ قلب الحرفة نفسها، لأن اليد التي تقطع الطين وتحوله نجوماً هندسية لا تشبه اليد التي تُساوم  
 
ولعل حساسية الرجل لا تُفهم إلا حين نتذكر أن الزليج المغربي ليس مجرد منتوج، بل ذاكرة بصرية وروحية عميقة. فمنذ القرن الثالث عشَر، وبعد تأثره بالفسيفساء اكتسب الزليج المغربي خصوصيته الكاملة: ألوان محدودة لكن عميقة، هندسة صارمة، وتقطيع يدوي يجعل كل قطعة تحمل بصمة من صنعها. وقد حافظ المغرب على هذا الفن حيًا، وظلّ  جزءًا من الوجه المغربي الذي لا يُخطئه الزائر ولا ينساه المقيم.
 
ومع ذلك، لازال من يحاول يدخل هذا الفن إلى سرديته  الخاصة عن التراث، متناسيا أن هذه الهندسة الدقيقة وُلدت هنا، بين طين فاس وتطوان ،لا في مصانع تختزل الحرفة في قالب واحد.وما يقلق أكثر هو أن هذه السردية الخارجية وان كانت مشروخة فهي  تجد في بعض استعمالاتنا الداخلية أرضًا رخوة. كيف ندافع عن هذا الفن في العالم، بينما نُفرّغ اسمه من معناه في لغتنا اليومية؟ وكيف نواجه الاستيلاء الخارجي، ونحن نترك المفردة الحاملة لكل هذا العمق تقع في فخ السخرية والانزلاق الدلالي؟ إن حماية التراث تبدأ من حماية لغته، ومن إعادة الكلمة إلى أهلها.
وفي نهاية ذلك اليوم، وأنا أغادر المعرض، أدركت أن المسألة تتجاوز النقاش حول كلمة. إنها مسألة كرامة مهنة، وذاكرة بلد، وجمال صنعه رجال معلومون ، وآثارهم لا تزال تحرس جدران المساجد والمدارس والرياض. أدركت ايضاً أن الزلايجي رجل لا يتقرب إلا من الجمال، ليضع الطين في محراب الهندسة، وليرسم  بالألوان ما تعجز الكلمات عن وصفه.

 
لهذا، فإن إعادة الاعتبار لكلمة «الزلايجية» ليست تصحيحًا لغويًا فقط، بل فعل مقاومة ثقافية. هو كذلك دعوة إلى احترام الحرفة وأصحابها، وإلى تقدير ما يصنعه المغربي بيده، وإلى حماية التراث من التشويه الخارجي ومن العبث الداخلي.
 
فالزلايجي، في النهاية، هو الذي يُحوّل الطين إلى لغة، ويصنع من القطعة الصغيرة لوحة، ويترك على الجدار أثرًا يبقى طويلاً… حتى بعد أن يغيب صانعه.