محمد عزيز الوكيلي: "ماكرون" وبلد "الماكاروني".. إنها فعلاً معضلة!!

محمد عزيز الوكيلي: "ماكرون" وبلد "الماكاروني".. إنها فعلاً معضلة!! محمد عزيز الوكيلي
 الظاهر أن "فرنسا ماكرون" دخلت في سرداب لا أول له ولا آخر!.. فلا أحد يستطيع الآن أن يفرز فرزاً دقيقاً تواريخ بدايات السقوط الفرنسي، الذي صار مدوِّياً كرعود "دجنبر الأوروبي"، هل بدأ ذلك مع "جيسكار ديستان" ذي المنظور المترهل للتميّز الفرنسي داخل أوروبا، أو مع "فرانسوا ميتران"، الذي ترك ملفات كثيرة لم يكلف نفسه عناء فتحها، وفي مقدمتها علاقة فرنسا بمحيطها الأوروبي المباشر، لأنه كان اشتراكياً وشديد الاهتمام بالعلاقة مع الأممية الاشتراكية والاستئثار فيها بمكانة متميزة، ولذلك لم يحظ بكبير اعتبار لدى الأوروبيين الليبراليين وما أكثرهم، أم بدأت السقطة مع "نكولا ساركوزي"، الذي كانت تصريحاته وخُطَبُه أكثر بكثير من إنجازاته، أم مع "فرانسوا هولاند"، الذي أجمع الفرنسيون أنفسهم على كونه أضعف الرؤساء المتعاقيبن على الإيليزي، منذ ذهاب الجنرال "شارل ديغول"، الذي بالمناسبة، ربما كانت طريقة خروجه من سدة الحكم على إثر مظاهرات 1968 الأوروبية، الشهيرة والمشهودة، هي البداية التي أنتجت كل هذه السقطات، المتوالية بعد ذلك على "الجمهورية الخامسة"، لأنها أفقدت "فرنسا الحرية والعدالة والإخاء" بريقَها الشعاراتي وأنزلتها إلى زَلْزَلات الواقع، الذي لم يواجهه الحكام الفرنسيون يوماً، بل كانوا يتماهون معه ويراوغونه تاركين رهاناته ومخاطره لِخَلَفِهم!!
 
أم أنّ السقطة "صناعة ماكرونية بامتياز"، تحمل توقيع هذا الرئيس بالذات، ما دام هو الذي خرّب "السمعة والمكانة الإفريقيَتَيْن" لبلاده، ثم أتبع ذلك بتبعية عمياء للولايات المتحدة الأمريكية في محاولة لجر الاتحاد الأوروبي إلى حرب معلَنَة ومباشرة مع "روسيا بوتين"، حتى أن بعض المحللين قالوا، بعظمة أقلامهم، إنه تحوّل إلى "مجرد موظف بالبيت الأبيض"، وإلى بيدق شديد المرونة إلى درجة الرعونة في يد العم ترامب!!
 
مناسبة الخوض في هذا الهبوط الفرنسي العجائبي، ما أقدمت عليه، الحسناء بكل تأكيد، رئيسة الوزراء الإيطالية "جورجيا ميلوني"، من تسفيه للموقف الفرنسي المتمادي في مسايرة تصورات الرئيس دونالد ترامب حول الحرب الروسية الأوكرانية، بل أشارت إلى أن الرئيس "إمانويل ماكرون" يحاول جر أوروبا إلى ورطة أوكرانية لن تجنيَ أوروبا منها سوى البَوَار، بل تمادت في انتقاداتها للرئيس ماكرون فاستعملته جسراً لضرب فرنسا في الموضع الذي يصيبها الوجع فيه أكثر من غيره، وهو موضع "السياسة الفرنسية الإفريقية"، في عهد كل الرؤساء الفرنسيبن منذ الحرب الكونية الثانية، فوصفتهم بمهندسي "النهب الممنهَج" لخيرات إفريقيا، بل زادت على كل ذلك بأن قالت في آخر خطاب لها أمام الملأ الإيطالي، ونظيره الأوروبي، وكذا العالمي، "إن فرنسا لا تستطيع الوقوف إلا بفضل خيرات إفريقيا"، وبفضل "الفرنك سيفا"، الذي استعملته فرنسا لتكبيل ونهب الاقتصادات الإفريقية، وإن فرنسا ستسقط نهائيا بمجرد استعادة بلدان إفريقيا لسيادتها واستقلالها الاقتصاديَيْن... و"سير تضيم يا السي ماكرون"!!
 
الواقع أن جورجيا ميلوني، رئيسة حكومة بلد "الماكاروني"، تشكّل في الظرفية الأوروبية الراهنة استثناءً أوروبياً بلا منازع، لأنها الآن تقول ما لم يستطع قوله أيُّ رئيس أوروبي حتى لحظة كتابة هذه السطور، والعجيب أنها، رغم كل ذلك، لم تذكر الولايات المتحدة ولا رئيسها ترامب بأي سوء، بل اكتفت بصبّ جام غضبها على فرنسا دون غيرها، وعلى الرئيس ماكرون تحديداً، وكأنها بصدد تصفية حسابات إيطالية فرنسية يبدو الآن أنها كانت قائمةً ومؤجَّلةً إلى حين، وها قد حان أوان طرحها أمام العِيان!!
 
فضيحة بكل معنى الكلمة!! خاصة وأنها جاءت مباشرة بعد دعوة ماكرون أوروبا للذهاب إلى أوكرانيا، بالمال والسلاح والخِبرات العسكرية الأوروبية، دون أن ينتبه لفرط عنجهيته وعَوَرِه الفكريّ إلى أنه لم يعد يتكلم باسم أوروبا، ولا باسم الاتحاد الأوروبي، الذي يبدو الآن وكأن "إيطايا ميلوني" تتخذ مواقف شبيهة بما كانت تتخذه المملكة المتحدة قبيل إعلانها التخلي الإرادي عن عضويتها به، وعن انتسابِها إليه!!
 
السؤال المطروح الآن:
"هل سيقف الرئيس ماكرون قليلاً، ليتأمل قليلاً أيضاً، اندفاعَه غير محسوب العواقب، نحو حرب غير مأمونة العواقب هي الأخرى، ضد روسيا، التي بدأت تُمسك بيد الصين من وراء الستار لتجرها إلى صفها في حالة استحابة أوروبا لرهانات ماكْرون، أم أنه سيظل في تماديه إلى أن تخسر فرنسا أوروبيتَها، وتكون في آخر المطاف بمثابة الدولة المنسحبة من الاتحاد الأوروبي ليس طواعيةً، كما فعلت بريطانيا العظمى بكل عزة نفس، بل إضطراراً بعد أن تتوفّق المشاغِبة الحسناء جورجيا ميلوني في إقناع الزعماء الأوروبيبن بنبذ فرنسا ماكرون، ولو إلى أجل مسمى، ما دام هذا الرئيس لم يَرشُد بعد؟.. تالله إنها فعلاً معضلة!!!