حميدي عبد الرفيع: المغرب بين مشروع الدولة الوطنية والثقافة الاستهلاكية

حميدي عبد الرفيع: المغرب بين مشروع الدولة الوطنية والثقافة الاستهلاكية حميدي عبد الرفيع
تحليل البنية المجتمعية وأفق التعاقد الاجتماعي الجديد
منذ لحظة الاستقلال سنة 1956، دخل المغرب في مسار تاريخي مركب، طبعته تحولات بنيوية عميقة مست البنية المجتمعية والسياسية والثقافية على حدّ سواء. ويمكن تأطير هذه التحولات ضمن مرحلتين أساسيتين تميزتا بسياقات متباينة واختيارات متناقضة.
 
المرحلة الأولى مثلت مرحلة بناء الدولة الوطنية، حيث راهنت السلطة السياسية على توطيد الوحدة الترابية، وبناء مؤسسات الحكم، وترسيخ الهوية الوطنية. في هذا السياق، لعب الحراك الجمعوي الناشئ – خاصة الجمعيات التربوية والثقافية – دورًا مركزيًا في التنشئة الاجتماعية ونشر قيم المواطنة والعمل الجماعي. وقد شكّل الإعلام العمومي آنذاك (مثل الإذاعة والتلفزيون والصحف الحزبية) أداة محورية في تشكيل الوعي الجماعي، حيث انخرط في دعم خطاب الوحدة والتحديث، وساهم في تثبيت القيم الوطنية عبر برامج تثقيفية وتربوية تُبث في الفضاء العام، وتواكب مشروع بناء الدولة.
 
أما المرحلة الثانية، ، فقد جاءت في سياق سياسي واقتصادي مختلف جذريًا. فقد تبنى المغرب منذ أوائل الثمانينيات اختيارات ليبرالية واضحة، من خلال تطبيق برامج التقويم الهيكلي بتوجيه من صندوق النقد الدولي، وشرع في خصخصة قطاعات عمومية أساسية، مما أدى إلى تراجع تدريجي لدور الدولة في ضمان الخدمات الاجتماعية، وإعادة تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع.
 
في هذا الإطار، عرفت البنية الاجتماعية تحولات معقدة: تفكك نسبي لبعض الروابط التقليدية، تنامي الفوارق الطبقية، اتساع الحضرنة، وظهور أنماط جديدة من الثقافة الاستهلاكية. وبموازاة هذا، تراجع الدور التربوي والتأطيري للعمل الجمعوي، خاصة مع تصاعد منطق الضبط المؤسساتي و"تدجين" بعض الجمعيات عبر التمويل المشروط. أما الإعلام، فانتقل بدوره من أداة للتعبئة الوطنية إلى وسيلة تسويقية تُكرّس ثقافة الفرجة، وتروج لخطابات النمطية والنجومية، خاصة مع بروز الإعلام الخاص، والقنوات العابرة، وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، مما زاد من تعقيد البناء الفكري والرمزي للأجيال الصاعدة.
 
وهكذا، فإن تطور البنية المجتمعية في المغرب لا يمكن فصله عن دور الإعلام، سواء في مرحلة البناء الوطني، حين كانت وسائط الإعلام تُعبّر عن طموح جماعي مشترك، أو في مرحلة ما بعد الليبرالية، حيث تراجع هذا الطموح لصالح منطق السوق والاستهلاك الثقافي السريع، في غياب بدائل عمومية مؤطرة وفاعلة.
 
من بناء الدولة إلى مجتمع متغير
بعد الاستقلال، ركزت الدولة على توطيد سلطتها المركزية وبناء مؤسساتها، في ظل بنية اجتماعية تقليدية متجذرة في القروية والقبائل والروابط العائلية، حيث شكل الفلاحون الغالبية، وبدأت طبقة برجوازية حديثة بالتشكل. في هذه الأجواء، لعبت الجمعيات التربوية والثقافية دورًا فاعلًا في التنشئة الاجتماعية وبناء الوعي، ضمن مساحات عمل نسبية من الاستقلالية والدعم.
 
لكن مع بداية الثمانينيات، بدأت السياسات الاقتصادية الجديدة في المغرب تتبنى التحرير الاقتصادي والليبرالية، ما أدى إلى تحولات عميقة. شهد المجتمع تسارع الحضرنة، تفكك الروابط التقليدية، وتوسع الفوارق الاجتماعية والطبقية. كما تحول العمل الجمعوي إلى كيان يخضع لسياسات احتواء وتحكم، مع تفضيل الجمعيات الوظيفية الممولة بشروط، على حساب الجمعيات ذات الجذور الشعبية والاستقلالية.
 
ثقافة الاستهلاك والفرجة: مهرجان موازين والكراندي طوطو
في هذه المرحلة الثانية، برزت ظواهر ثقافية جديدة تُجسد التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع المغربي، وفي مقدمتها مهرجان "موازين" وظاهرة "الكراندي طوطو". فمهرجان "موازين"، أحد أضخم التظاهرات الفنية في المنطقة، يعكس توجهًا واضحًا نحو تسليع الثقافة وتحويلها إلى منتوج استهلاكي يُستهلك في أيام معدودات، دون أن يترك أثرًا يذكر في الوعي الجمعي أو البناء الثقافي للأجيال
أما ظاهرة "الكراندي طوطو"، فهي أكثر من مجرد حالة فنية؛ إنها تجسيد صارخ لثقافة الفرجة السريعة والمحتوى اللحظي، حيث تُختزل الهوية الفنية في إيقاع متسارع وكلمات مثيرة، تفتقر إلى أي عمق تربوي أو التزام قيمي. في ظل هذا المناخ، يبدو أن الجيل الصاعد يُحاصر بين الترفيه العابر، وغياب بدائل ثقافية وتربوية جادة، قادرة على بناء وعي نقدي وهوية وطنية مستقلة.
 
كيف وصلنا إلى هذا البؤس الثقافي؟
لم يكن الانحدار الثقافي الذي يطبع ملامح الجيل الصاعد حدثًا معزولًا أو صدفة عابرة، بل هو نتيجة مسار مركب من التراجع السياسي والتربوي والإعلامي، تشكّل على مدى عقود من الخيارات غير التشاركية في تدبير الشأن الثقافي. فبعد مرحلة الاستقلال، حيث كانت الدولة تراهن على المدرسة والجمعيات والإعلام لبناء وعي جماعي مشترك، جاء التحول النيوليبرالي في الثمانينيات ليقلب المعادلة.
 
تقلصت ميزانيات التعليم والثقافة، وتم تفويت العديد من الفضاءات العمومية الحيوية للخواص، مما أفرغها من مضمونها التربوي، وأخضعها لمنطق السوق. هذا التراجع انعكس أيضًا على الإعلام العمومي، الذي انحسر دوره التثقيفي لصالح إنتاج الفرجة والتسلية السطحية. وتَكرَّس هذا التوجه مع صعود "المؤثرين" و"نجوم الاستهلاك اللحظي"، الذين يملؤون فراغ التربية بالتسلية، وفراغ الهوية بالاستعراض، في ظل غياب البدائل الجادة.
 
كما أن المدرسة العمومية، التي كانت فضاءً لتكوين المواطن، أُضعفت بشكل ممنهج، بينما أُقصيت الجمعيات ذات الامتداد المجتمعي من المشهد، لصالح جمعيات وظيفية تشتغل في إطار تعاقدات مؤقتة، وفق أجندات تمويلية لا تفرز بالضرورة وعيًا جماعيًا أو فعلًا ثقافيًا نقديًا.
 
إن ما نشهده اليوم من صعود ثقافة "الكراندي طوطو" ومهرجانات من نمط "موازين"، ليس سوى الوجه الأكثر صخبًا لهذا الانهيار التدريجي، حيث تُصبح الثقافة سلعة، والفن استعراضًا، والوعي هامشيًا.
 
إنه بؤس ثقافي مركّب، لا يمكن تجاوزه إلا بإرادة سياسية حقيقية تستثمر في الإنسان، وتُعيد الاعتبار للمضمون التربوي والثقافي العميق، بدل الانغماس في سياسات الترويج السطحي.
 
أفق التعاقد الاجتماعي الجديد: ضرورة لا مفر منها
في ظل هذا المشهد المتناقض، بات الحديث عن "تعاقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع" ضرورة تاريخية. هذا التعاقد يجب أن يعيد الاعتبار للأولويات المجتمعية الحقيقية: التربية، الوعي، المواطنة، والتنمية الثقافية، بعيدًا عن الانغماس في الترفيه الاستهلاكي الذي يهيمن عليه السوق.
 
يتطلب ذلك تمكين الجمعيات المستقلة من فضاءات العمل، وتوفير الموارد اللازمة، والابتعاد عن التمويل المشروط الذي يُضعف من استقلاليتها، إلى جانب بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد تقوم على الثقة والاحترام المتبادل بين الدولة والمجتمع المدني.
 
إن بناء هذا التعاقد الجديد هو شرط أساسي لتحقيق تنمية ديمقراطية شاملة تضمن العدالة الاجتماعية والحق في التربية والثقافة لكل فئات المجتمع، خاصة الفئات الشعبية التي تعاني من التهميش الاجتماعي والاقتصادي.
 
المغرب اليوم يقف عند مفترق طرق حاسم: فإما الاستمرار في مسار الترفيه الاستهلاكي وثقافة الفرجة الفارغة، التي تُلهي ولا تُربي، وتُشتّت ولا تُعبّئ؛ أو الانخراط الواعي في مشروع مجتمعي يعيد بناء الثقة، ويراهن على وعي الأفراد، وقوة المبادرات التربوية، وعدالة الثقافة. وحده "تعاقد اجتماعي جديد" قادر على تحويل هذا التحول من مجرد شعار إلى خيار وطني يضع الإنسان في صلب التنمية، لا في هامش الترفيه.
 
التربية والثقافة… استثمار في الحياة لا ترفٌ مؤجل
إذا كان البعض يخاف من كلفة العلم، فعليه أن يتأمل جيدًا فاتورة الجهل، لأنها أفدح وأقسى فالتربية ليست مجرد دروس تلقى في حجرات المدارس، بل هي البوصلة التي توجه الشعوب نحو الكرامة، والوعي، والانخراط الفعلي في بناء مصيرها. والثقافة بدورها ليست ترفًا فكريًا للنخب، بل شرط أساسي لصيانة الذاكرة، وحماية الهوية، وتحصين الأفراد من الاستلاب والفراغ.
 
إن الشعوب التي لا تستثمر في المعرفة تدفع الثمن في التخلف، وفي التبعية، وفي هشاشة الوعي الجماعي أمام الاستهلاك السطحي والتوجيه من الخارج. وكل درهم يُقتطع من ميزانية التعليم أو الثقافة، هو دين مستقبلي ستسدده الأجيال في شكل عطالة، وعنف، واغتراب، وضياع للبوصلة.
 
لهذا، فإن بناء مجتمع متماسك لا يبدأ من مراكز القرار فقط، بل من المدرسة، والمكتبة، والمسرح، ودار الشباب، ومن كل فضاء يجعل من الإنسان مركزًا للسياسة، لا هامشًا فيها. وحدها التربية الواعية والثقافة الحرة تصنع مواطنًا حقيقيًا، يشارك لا يستهلك، يبني لا يُبنى له، ويفكر لا يُفكَّر له.