عبد الغني السلماني: موت الإنسان.. في البحث عن إنسانية مفقودة

عبد الغني السلماني: موت الإنسان.. في البحث عن إنسانية مفقودة عبد الغني السلماني

تمجيد القوة :

الى ابراز القوة واعادة انتاجها وتسويقها، ليس ابتكارا حديثا إنما يعود الى فترة بعيدة من الزمن، استخدام هذا الايحاء لتمجيد القادة والزعماء واستحضار قوتهم وجبروتهم في ذهن الجمهور، عَادَة غارقة في القدم باعتبارها رمز للتفوق واليناعة والصمود . انها ثقافة تمجيد القوة واحترامها وتقديسها. فعقل المنهزم والمهزوم لا يميل الى احترام الطيبة والنضج الكافي والحوار والتعقل .. بل هناك من يعتبرها شكل من اشكال الضعف وهذا ما عبر عنه المفكر الفرنسي " غوستاف لوبون " في كتابه " سيكولوجية الجماهير " (لم تظهر في شعوبنا جماهير متجهة نحو الزعماء الرحيمين والطيبي القلب، انما نحو المستبدين الذين سيطروا بقوة وبأس ) وقد لمسنا ذلك في التعامل مع العمليات العسكرية التي تقع ضد الخصوم وظهر ذلك من خلال حرب أوكرانيا وبشكل جل في الحرب الحالية التي تدار رحاها في غزة ، حيث نجد مشاعر الناس تتجه إلى المحارب القوي المقدام ولا تنتبه لما تخلفه الحرب من ذمار وقتل في العمران والناس ، ورغم أن البون شاسع سأركز على حرب غزة لأنها قريبة من وجداني لكن تحليل هذه الأبعاد فيه تحديات ؛ أطمح أن أتغلب على مشاعري وأنتج خطابا إنسانيا يحترم الإنسان باعتباره غاية في ذاته كما يقول الفيلسوف هيجل . ذلك أن ثقافة تمجيد القوة هي ثقافة مشجعة للحروب والإقتتال ، وحسب ما توصل إليه علم النفس الاجتماعي ان العوامل التي قامت على استقرار هذه الثقافة يعني ــ احترام القوة ـــ وترسيخها عند الشعوب هي الوراثة والبيئة والرأي العام .

وإذا كان تمجيد القوة من بنات أفكار الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه وخاصة في كتابه "هكذا تكلم زرادشت". الكتاب الذي لخَّص فيه «نيتشه» أفكاره ويعد هذا المرجع «دهليز فلسفته». وهو بحقٍّ علامة من علامات الفلسفة الألمانية، فعلى الرغم من مرور أكثر من مائة عام على تأليفه إلا أنه لازالت لأفكاره صدًى متميز؛ لدرجة يعتبره العديد من أعظم مائة كتاب في تاريخ البشرية. يرى الميّالون إلى هذا الكتاب أن العنف والقوة، مصدر إلهام ودعوة لتذمير الألواح القديمة، وقتل للإله وتغيير كل شيء، والوفاء للأرض ونبذ السماء وكواكبها. كما يعتبر مرشدا ودليلا لاحتقار الشفقة والضعف ،فتمجيد القوة هي الثقافة التي وجدت لها مناصرين لأن الأخلاق في نظر نيتشه أسطورة من الأساطير أو هي حيل نفسية لدى البشر للتأقلم مع الوضع التاريخي ، فالعبيد صنعوا لهم أخلاقا يحفظون بها بقاءهم والسادة كذلك. كانت خلفية فلسفة نيتشه هو تغيير ما كان سائدا في عصره من الأفكار والقوالب التي سيطرت على العقل البشري، غايته في الفكر هي هدم وتقويم مختلف التصورات الدينية والأخلاقية والفلسفية بعد أن وصفها بالعدمية والمنحطة ذلك لما وقعت بين أيدي الضعفاء.

فلنترك نيتشه جانبا ونتحدث عن فلسفة القوة والقتل الممنهج ضد البشر ولنعطي مثال لذلك: إذا كانت الحرب بين دولة قوية مع جماعة مسلحة سنجد أن الناس تسعى لتبرير فعلة القوي أي الدولة القوية المسلحة ولو كانت شنيعة، وشيطنة الضعيف باعتباره حركة مقاومة ولو كان فعلها بسيط باعتبار عملها إرهابا ولو استهدف الجهاز العسكري للجيش النظامي الخصم.

وعليه؛ بمنطق الحرب لم يعد للبشر معنى فالسكان الذين تحميهم المقاومة بشر يُستغَلون كذرائع وجب عقابهم لأنهم لم يتمردوا على المقاومة وينسقون مع العدو، والسكان الموجودين في نفوذ الجيش النظامي هم مدنيون وجب حمايتهم والدفاع عن حياتهم. هناك من يجادل بأن الإنسان لا يملك إرادة حرة ومستقلة، فالبشر لا يمكنه أن يكون كائنا من تلقاء ذاته عاشق للأخوة والعيش المشترك، ربما الشروط المادية هي التي تجعله على ما هو عليه بشرا كان أو إنسانا ، وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك إنسان بالمعنى الأخلاقي للكلمة. هناك فقط إنسان بالمعنى الوصفي والذي تخبرنا عنه العلوم الحقة وغيرها باعتبار الإنسان كائن حي يعيش في هذا العالم. وليس هناك شيء اسمه انسان حقيقي، أو إنسان أكثر إنسانية، هناك بشر وحسب. وفقا لهذه الرؤية فإن من يوصفون بأنهم يملكون إرادة حرة (من موقع القوة أو الضعف )، لا يختلفون في شيء عمن لا يظهرون أي إرادة ولا أي قيم أو أخلاق، في النهاية هناك بشر بينهم اختلافات، ولكن هذه الاختلافات لا تحمل أي قيمة معيارية جوهرية، الناس سواسية « يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء». المادة 1 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إنها فروق وصفية مثل أي فروق فيزيائية أو بيولوجية لا تحمل أي دلالة عميقة إنها الألقاب ، هذا هو الإنسان بدون إرادة حُرة او استقلالية تذكر.

غزة القهر المركب:

تعيش غزة ليال قاتمة ومخيفة تحت القصف الإسرائيلي غزة المحاصرة لأكثر من شهر ونصف ،لا ضوء سوى النيران الساطعة التي يخلفها القصف الجوي والبحري من الزوارق ومئات الغارات الحربية التي لم تكسر إرادة الحياة لدى سكان القطاع وكل المتضامنين معه.

هذه الحرب المؤلمة التي توظف فيها كل اليات القهر والبطش بالأطفال والنساء والشيوخ وهي حرب غير متكافئة نتيجة كثافة النيران التي تعرقل حركية سيارات الإسعاف والدفاع المدني في الوصول إلى غزة المحاصرة التي يبلغ طولها 41 كيلومترًا ويتراوح عرضها بين 6 و12 كيلومتراً ويتكدس فيها 2,4 مليون شخص، أكثر من شهر ونصف من القصف والقتل أمام العالم وهذا الأخير يتفرج في الشاشات والقنوان والحصيلة أكثر من 12 ألف قتيل . تتوالى مشاهد العنف الغير المبرر وصور القتلى والجرحى والنازحين بين أنقاض شوارع وأحياء دمرت بكاملها في القصف الهمجي الذي يشنه المحتل الإسرائيلي .

على مدار هذه الحرب، التي تشهد تدميرا إسرائيليا ممنهجا، لمنشآت مدنية فلسطينية في غزة، لايزال النقاش مثارا، أين يقف القانون الدولي من هذا القتل ؟ وهل كان محل احترام من قبل دولة الاحتلال ؟، أين هو القانون الإنساني الدولي الذي يحكم النزاعات المسلحة، والاحتلال العسكري..؟؟ باعتبار هذا الأخير هو مجموعة من القواعد التي ترمي إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة لدوافع إنسانية. ويحمي في الأخير الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة أو بشكل فعال في الأعمال العدائية أو الذين كفوا عن المشاركة فيها مباشرة أو بشكل فعال، كما أنه يفرض قيودًا على وسائل الحرب وأساليبها. هذا هو الجانب المغيب في هذه الحرب الغير متكافئة بين جيش نظامي وحركة مقاومة . متى يصبح القانون مُلزم لكافة الدول بما في ذلك إسرائيل؟ كذلك القانون ملزم للجماعات المسلحة غير الحكومية، المشاركة في القتال بما فيها "حماس" و "الجهاد الإسلامي" وباقي الفضائل الأخرى . كما يمكن التذكير بأن قواعد هذا القانون لا تخضع للمعاملة بالمثل، أي أنها تطبق في حالة الانتهاكات، بغض النظر عما فعله طرف آخر في النزاع، بمعنى أنه لا يمكن تبرير طرف لانتهاكاته، باستهداف المدنيين عمدا، أو فرض عقاب جماعي عليهم، بادعاء أن الطرف الآخر ارتكب انتهاكات مماثلة. وهذا ما تقترفه إسرائيل والعالم يتفرج.

في هذا الألم المركب نجد غزة مدينة تتنفس تحت القصف، واقع يجعل القطاع يعيش صعوبات بما فيها وضع الأطباء وعمال الإغاثة في القطاع المنكوب . إحساس الناس بالغُبن لأن العالم و المجتمع الدولي تخلى عنهم، وتركهم وحيدين يحاولون إنقاذ الآلاف من الجرحى والمصابين. لم يتبق لهم سوى القليل من الحياة العادية ، حتى المنظمات الصحية والإغاثية تكابد كل لحظة وحين؛ من أجل البقاء والصمود ومواصلة تقديم الخدمات للمحتاجين، وكل سكان غزة المحاصرين إن توفر ما يسد رمقهم وقوتهم ولن يكون لهم فسحة حتى في دفن أقاربهم للأسف إسرائيل تتجادل مع الأمم المتحدة حول كمية الغاز والخبز وأشياء بسيطة التي يمكن إدخالها إلى القطاع.

غزة ترحل إلى السماء بعيون منفتحة :

لم يكن المدنيين وسكان غزة وحدهم المستهدفون فقط، بل حتى الصحافة التي توثق جرائم الاحتلال لم تسلم ، حيث اغتالت ألة الحرب الإسرائيلية العديد من الصحفيين في غزة أكثر من 12 صحفيين في أسبوع واحد، معظمهم كانوا مع ذويهم في منازلهم بالقطاع، قبل أن يستهدفهم الطيران الغاشم، من بينهم إبراهيم فلأفي المصور بوكالة عين ميديا، خلال تصويره ما يجري عند حاجز بيت حانون (معبر إيريز)، وهو ابن قيادي بالفصائل الفلسطينية محمد لافي، ليلحق به صديقه الصحفي رشدي السراج مصور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا»، بعد 15 يوما فقط. وهو صاحب قولة «لن نرحل.. وسنخرج من غزة إلى السماء وإلى السماء فقط»، إنها العبارة التي دونها بعد مقتله بغارة إسرائيلية على قطاع غزة. كذلك القتل الجماعي لعائلة الصحفي وائل الدحدوح حيث تسبّبت هذه المجزرة الإسرائيليّة والتي استهدفت منزل يضم عدد من المدنيين إلى استشهاد أكثر من 12 شهيداً من عائلة الدحدوح.

حرب غزة الدائرة مختلفة عن كل الحروب الأخرى إنها تأتي في وقت تتداعى فيه خطوط الصدع التي تقسم الشرق الأوسط، فعلى مدى أكثر من عقدين من الزمن ، كان الصدع الأكثر خطورة في المشهد الجيوسياسي الممزق في المنطقة هو بين أصدقاء وحلفاء إيران أو ما يسمى «بمحور المقاومة»، وكذا أصدقاء وحلفاء أمريكا والإتحاد الأوربي .

أترقب حياة الغزاويين من خلال ما ينشره أصدقائي وخاصة الكاتبة الفلسطينية «نعمة حسن »والمتواجدة في غزة كيف تحكي يومياتها وكيف يتجمع أفراد الأسرة في المكان الذي يظنونه أكثر أمنا أو الأبعد عن الموت الآتي من السماء، و كيف يتسمر الجميع أمام تحديثات الأخبار على شاشات التلفزيون، و كيف لا ينام الأطفال بسبب الخوف من القصف بدون سابق إنذار، بينما يحرص الرجال و النساء على السواء البقاء بملابسهم في البيوت ليتمكنوا ويتمكن من الهروب من المنازل في أي لحظة إذا ما دعت الحاجة لذلك حتى لا تصير أماكن العيش مقابر على رؤوس أصحابها.

يتساءل الفيلسوف باسكال: "أيّ وهم هذا الإنسان؟ بما أن الوهم هو تشوُّه يحدث للحواس، ويَكشِف كيف يُنظم الدماغ ويُفسِّر الإثارة الحسية. وعلى الرغم من أن الأوهام تُشوه الحقيقة، يتشارك فيها عادةً معظم الناس. لكن الإنسان المنخرط في الحرب يكون له وهم آخر فأيّ اكتشاف لهذا الإنسان المتوحش العاشق للقتل والمسؤول عن الذمار، أيّ فوضى هذه التي تتربص بالعالم، أيّ تناقض يشي بعنجهية القدر المشؤوم.

الرغبة في الأنسنة:

لامعنى للتاريخ بدون الإشتراك الفعلي والواعي للإنسان في خدمة أخيه الإنسان كي يكون ذاتا فاعلة في التاريخ، ولا معنى للتاريخ بدون الإشتراك الفعلي والواعي للإنسان فيه، والأنسنة هي العقلانية المتوازنة التي تأخد بكل جوانب العقل والعاطفة الإنسانية بدلا من عقل بارد يفكر ويخترع ، فالإنسان مفروض أن يسير بخطى واسعة لفهم العالم وإحداث التوازن في ربوعه والتخلي التدريجي عن عقائده القاتلة وإيديولوجية المدمرة .

في وهج العدم تُغتال "الإنسانيّة" أكثر فأكثر مع كلّ مذبحة جديدة تتناثر أجساد الأطفال بالحديد والنار رغم طراوتها وقوتها في الحلم والبراءة ؛ تاريخ ألم صبرا وشتيلا غائر، تذكرنا سنوات الجمر والقتل العمد ، وها هي محرقة غزّة الرهيبة ماثلة للعالم . نحن إزاء موت "العاطفة والأحاسيس والقيم " لم يعد بني آدم "إنسانًا" لم يعد جدير بالإحترام والتقدير.

إذا كان ميشال فوكو قد أعلن موت الإنسان ، فيما يستمرّ كتاب ومفكّرون آخرون في إنكار هذا الموت المعلن، غارقين في المزيد من الأوهام والتفاهات وكل المعاني المتناثرة على الوجود كالشعارات "القيم" و"التطوّر" و"الوعي" و"السلام" وكل الشرعيات الواهمة مثل "حقوق الإنسان" بكامل هرائها الإنشائي الذي لا مكان له في القانون المعاش والمتداول ، تاريخيًّا وأنثروبولوجيًّا فمنذ وجود هذا الكائن المتوحّش المسمى "إنسان"،  وهو لا يتوانى في قتل أقرانه وفصيلته (متلذّذًا ومنتشيًا) بأبشع أساليب الذمار، خائضًا حروبه الدمويّة بلا توقّف وبنفَس متجدر ومتجدد ، تحت عناوين "الشجاعة" و"البسالة" و" الجيش الذي لا يقهر "، منفّسًا عن عدوانيّته الكامنة والمتأصلة بذرائع شتى "عرقيّة"، "قوميّة"، "دينيّة"،.. تصبّ بالنهاية في حقيقة وحيدة ثابتة: هذا الكائن المدعو "إنسانًا" مفطور على العدوانيّة والقتل، وهو أوحش الكائنات على الإطلاق، متفوّقًا حتى على الديناصورات المنقرضة !

هذا "الإنسان" المنتشي بالحرب والممجد للفتوحات والخالق لفجوات ظلم فكر الحداثة وما بعدها ، ورغم ادعائه "التطوّر" و"ارتقاء الوعي" و"الحداثة" و"الخروج من الأطوار البدائيّة"، ما انفكّ هو نفسه، كائنًا عدوانيًّا، مجرمًا، ساديًّا، ولم يتبدّل شيء في واقعه فصنع القنابل النووية (وألقى بها) والأسلحة الكيماوية المرعبة والطائرة الحربيّة القاتلة والمدمّرة التي ألغت حتى صفة "الشجاعة" في الحروب والقتال وجهًا لوجه؛ إنه كائن مهزوم في وجدانه ويقينه .

 

                                                                     د.عبد الغني السلماني، كاتب و باحث

 

                                                                               يتبع