الأربعاء 6 يوليو 2022
جالية

عبد الله بوصوف: مسجد باريس.. إما أن يكون مغربيا أو لا يكون

 
عبد الله بوصوف: مسجد باريس.. إما أن يكون مغربيا أو لا يكون عبد الله بوصوف ومشهد لمسجد باريس
بالمناسبة فإرهاصات فكرة بناء مسجد باريس جاءت ضمن نصوص ” اتفاقية السلام و التجارة ” الموقعة بين السلطان محمد بن عبدالله وممثل دولة فرنسا بتاريخ ماي 1767 وتحديدا الفصل 11 من هذا الاتفاق الذي يضمن الحرية الدينية للفرنسيين والأوروبيين بالمغرب والحرية الدينية لاتباع الامبراطور المغربي عند تواجدهم بفرنسا…بالإضافة إلى رسائل التقارب بين الجنرال نابوليون والسلطان المولى سليمان ( غشت 1798) حول الشأن الديني ..كما سيعرف تاريخ ماي 1824 تأكيد الرغبة في بناء مسجد بفرنسا من طرف المولى عبد الرحمان ( 1859-1822) …
 
تُـحدثنا بعض وثائق الأرشيف الفرنسي عن محاولات فرنسية أُحَادية في القرن العشرين لبناء مسجد ، لكن الفكرة لم تنجح و لم تحضى بقبول المسلمين لكونها من بناء ” الكفار أو من غير المؤمنين “..مسجد الاغواط سنة 1916 نموذجا..
 
لكن المارشال الداهية ” ليوطي ” وهو المقيم العام الفرنسي بالمغرب و العارف بتقاليد و أعراف المملكة الشريفة ، سيعمل على دفع المسؤولين الفرنسيين بباريس الى الموافقة على بناء مؤسسة إسلامية و مسجد بباريس…يكون بمثابة اعترافا بجميل الضحايا المسلمين من أبناء المستعمرات الفرنسية الذين ماتوا دفاعا عن حرية و استقلال فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى حوالي سبعين الف 70,000جندي ( قتيل ) من شمال افريقيا …فكانـــوا أمام إشكاليتين كبيرتيْـــن:
 
أولهما، قانون الفصل بين الدولة والكنيسة لسنة 1905وما يترتب عليه من استحالة تمويل الدولة الفرنسية لمسجد للمسلمين فوق التراب الفرنسي ومن خزينة فرنسية…وهو ما تم الإلتفـــاف عليه من خلال خلق ” مؤسسة الأحباس والأماكن المقدسة ” سنة 1917و التي ستتلقى قرضا بقيمة 500الف فرنك بعد موافقة مجلس الجمعية العمومية سنة 1920…وهي من ستتولى الموسسة الإسلامية و مسجد باريس…
 
أما الإشكالية الثانية و هي الأعقـــد، فقد تمثلت في ” الشرعية الدينية ” أي الجهة التي ستضفي على المشروع شرعية قانونية و فقهية / دينية … ولأن السلطات الفرنسية في باريس تعلم علم اليقين سواء من خلال الدراسات التاريخية و الاجتماعية المنجزة عن شعوب المنطقة ، أو من خلال تقارير ممثليها الرسميين في مستعمرات شمال افريقيا سواء مقيمين عامين أو حكام أو قادة عسكريين أو كتاب و مفكرين…أو غيرها من المصادر… فإن مسجد باريس إما أن يكون مغربيا أو لا يكـــون…
 
إذ كان وضع مستعمرات فرنسا في شمال افريقيا إما انها كانت أقاليم فرنسية بالكامل كدائرة الجزائر، أو تابعة للامبراطورية العثمانية ويدعو خطيبها يوم الجمعة للسلطان العثماني وهذه حالة تونس…
 
وهنا ظهرت الحاجة الى السلطان المغربي العلوي ” المولي يوسف ” و ما يتمتع به من وظائف روحية و دينية ، فهو سليل الشجرة النبوية الشريفة وأمير المومنين، بالإضافة إلى الخضوع الروحي والديني للعديد من الزوايا الدينية ذات الامتداد في العمق الافريقي..
 
لقد كان إذن، السلطان ” المولى يوسف ” بمثابة الرقم الصعب للماريشال ليوطي و للحكومة الفرنسية في الترافع من اجل بناء مؤسسة إسلامية ومسجد في قلب العاصمة باريس لتحسين صورة فرنسا الاستعمارية أمام الشعوب الإسلامية أولًا …
 
ولتكريم ثانيا من ارْتَــوى بدمائهم التراب الفرنسي في سبيل حرية وكرامة الشعب الفرنسي أثناء الحرب العالمية الأولى (1914/1918)… وهي الحرب التي شارك فيها حوالي 600 ألف جندي من المستعمرات الفرنسية نصفهم من دول شمال افريقيا…صحيح انه تم احترام بعض عناصر هويتهم و خصوصيات تقاليدهم كتقديم الطعام الحلال والدفن حسب طقوس الشريعة الإسلامية و أداء الصلاة خاصة في مكان خاص بملحقة المستشفى سنة 1916…لكنها لم تكن حربهم .. وهو ما قاله الرئيس الفرنسي السابق ” فرانسوا هولاند ” في معرض حديثه أثناء الاحتفال بالذكرى المئوية لانطلاق الحرب العالمية الأولى في شهر نوفمبر من سنة 2014، حيث قال ” الذين شاركوا في حرب كان يمكن ألا تكون حربهم….” وتجدر الإشارة الى المشاركة الفعالة والقوية للجنود المغاربة إذ فاق عددهم 40 ألـف و شاركوا في كل المعارك الحاسمة مثل ” لامارن ” و ” أرتوا ” و ” شامبان ” و ” فردان”. و غيرها…حيث سقط فيها عشرات الالاف من الجنود المغاربة في سبيل تحرير فرنسا…
 
لـقـد كان لزاما توظيف رمزية مؤسسات دينية لها وقع خاص على عقل و وجدان المسلمين .. ومن ضمنها مؤسسة الأوقاف الإسلامية.. وهكذا تم خلق “موسسة الأوقاف والأماكن المقدسة ” سنة 1917 ، و تعيين ” سي قدور بنغبريت ” على رأسها، حيث كان يشغل آنداك وزيرا لدى السلطان المغربي…
 
و“سي قدور ” هذا ، رغم انه من مواليد مدينة تلمسان ( 1868/ 1954) فانه تلقى تعليمه في جامعة القرويين بفاس، كما انه برع في مجال الترجمة حيث كانت له مدرسة فرنسية /عربية بمدينة طنجة سنة 1904..و لأن السلطان المولى عبد العزيز كان قد منح الجنسية المغربية سنة 1895 لكل الجزائريين المقيمين بالمغرب لحمايتهم من إجراءات المستعمر الفرنسي…لذلك يمكننا التأكيد ان ” سي قدور ” كان يتمتع بالجنسية المغربية ولم يكن اجنبيا ..

وهو بهذه الصفة فـقـد تقلد مناصب سامية لـدى بلاط السلطان المغربي، ومنها منصب وزير وهو ما سهل تعيينه كرئيس ” لمؤسسة الاحباس و الأماكن المقدسة ” وبعدها تعيينه على رئاسة مسجد باريس وكل ملحقاته.. كل هـــذا و”سي قدور” تحت سلطة السلطان المغربي ”المولى يوسف”، كما ان الموقع الجديد ”لسي قدور” جعله يتبادل المراسلات مع المقيم العام بالمغرب الماريشال ليوطي…
 
من جهةٍ أخرى، فالأرشيف التاريخي لمسجد باريس يـزخر بالعديد من المراسلات المتبادلة بين السلطان المغربي ” المولى يوسف ” و ” الحسين شريف مكة ” بخصوص قيام ” مؤسسة الأحباس و الأماكن المقدسة ” بشراء عقارات بكل من مكة و المدينة تخصص لايواء الحجاج المغاربيين… وكذا لجمع التبرعات لبناء مسجد العاصمة الفرنسية باريس…كما ان نفس الأرشيف يورخ للحظات خالدة ، كإنفراد السلطان المغربي بتحديد ” قِــبلة المصلين ” و باحتكار تعيين أئمة و خطباء مسجد باريس … وهي اختصاصات تُتيحها له صفته كأمير المؤمنين و صاحب الشرعية الروحية و الدينية…

لذلك فقد جاء تعيين ” سي قدور ” كرئيس لمؤسسة الاحباس و مسجد باريس ، فقط لانه كان يشتغل وزيرا في بلاط السلطان المغربي الشريف و ليس لسبب آخر..كما جاء تعيين اول إمام وخطيب لمسجد باريس في شخص القاضي المغربي ” التيجاني احمد السكيرج ” …تحت جُـبة الشرعية الروحية و الدينية للسلطان المغربي ” المولى يوسف ” ..
 
لقد حرصت السلطات الفرنسية على إضفاء الشرعية الدينية الإسلامية على مسجد العاصمة الفرنسية…و على احترام أدق التفاصيل خاصة في مجال العمارة و البناء…لذلك كلف ” الماريشال ليوطي ” مهندسين معماريين يشتغلون معه في المغرب، وجلب الصناع التقليديين حوالي 450 من امهر الصناع التقليديين و مواد البناء و الخزف و الزليج …كل هذا من المغرب.

وبطبيعة الحال فلن تكتمل الشرعية الروحية و الدينية لمسجد باريس ، إلا بحضور حاملها يوم تدشين مسجد باريس في 15يوليوز من سنة 1926…حيث حضر السلطان ” المولى يوسف ” بوفــد وزاري يضم وزير الأوقاف المغربي ” احمد الجاي ” والوزير ” المقري ”، أما الحضور الفرنسي ليوم التدشين فقد حمل العديد من الرسائل السياسية و العسكرية والتشريعية القوية وذلك من خلال حضور رجال الصف الأول في الدولة الفرنسية وعلى رأسهم رئيس الجمهورية الفرنسية Gaston Doumergue و Edouard Herriot رئيس الجمعية العمومية الفرنسية وهو من المدافعين الكبار عن مشروع مسجد باريس…بالإضافة الى قادة عسكريين كبار…وهو ما كان يعني أهمية هذه المؤسسة الدينية الإسلامية (مسجد باريس) في الأجندة السياسية لفرنسا أمام مستعمراتها الإسلامية في شمال افريقيا و دول غرب إفريقيا…
 
وسيعود مسجد باريس لـــواجهة الاحداث خلال الحرب العالمية الثانية حيث سيصبح المسجد كمكان لجوء اليهود الفرنسيين… حيث قــام ” سي قدور بنغبريت ” و بتوجيه من ” السلطان محمد الخامس” بمساعدة اليهود الفرنسيين و تسليمهم شواهد و بطاقات هوية على أنهم مسلمين و تخصيص اقبية المسجد كمكان لاختباء اليهود الفرنسيين من جنود حكومة فيشي …وبهذه الطريقة تـم إنقــاذ مابين 500 و 1000يهودي فرنسي من المحرقة بعدم تسليمهم الى حكومة فيشي النازية .. و في نفس الآن يمْتـنِع السلطان المغربي ” محمد الخامس ” عن تسليم اليهود المغاربة لحكومة فيشي بقولته الشهيرة ” ليس لدي يهود ، بل مواطنين مغاربة…”.
 
لقد تم تجاوز الإشكاليات القانونية والسياسية والأيديولوجية التي تُـسَيِـجُ علاقة الدولة الفرنسية مع الشأن الديني بمضمون قانون 1905 ، اثناء إجراءات تنفيذ و بناء مسجد باريس و تدشينه سنة 1926 …من خلال مساهمات بلدية باريس والحكومة الفرنسية و اصدار مراسيم استثنائية.. وقد تم تجاوز هذا ” المطب القانوني ” من خلال ” آلــية التوافـق الــسياسي ” …
 
كما أنه لم يتم الالتفات الى قانون سنة 1905 وتــم تقديم قـراءات مطاطية للعلمانية و تبريرات تحت غطاء الثقافة والثرات…
عندما تم تمويل بــنـــاء ” كتدرائية إيـــفــري ” وتعتبر أول كتدرائية فرنسية تــم بناءها في القرن العشرين حيث تقديرات البناء وصلت 60 مليون فرنك فرنسي ( أي حوالي 9,15 مليون أورو ) ، ساهــم فيها Jack Lang وزير الثقافة الفرنسي ب 5 مليون فرنك فرنسي ( 762,000 أورو ) تحت غطاء خلق ” مركز الفن المقدس ” داخل الكاتدرائية…وقــد شملت لائحة المانحين مؤسسات حكومية أخرى ” كجهة إيـل دو فرانس ” و ” البلدية الجديدة ” و غيرها و متطوعين … و تم افتتاحها رسميا في شهر ماي من سنة 1996 و زارها البابا يوحنا بولس الثاني في السنة الموالية 1997….
 
أو عندما تــم تخصيص مبالغ مالية كبيرة جدا من طرف مؤسسات الدولة الفرنسية وشخصيات عمومية فرنسية من أجل تــرميم كتدرائية ” نوتر دام دو باري” بعد حادث إحراقها في شهر ابريل من سنة 2019…حيث تم اعتبار كتدرائية “نوتر دام دو باري ” كثرات وطني و انساني في مجال العمارة و التاريخ ، و حيث عرفت العديد من الزيجات الملكية وتنصيب الامبراطور نابوليون بونبارت بحضور البابا بيوس السابع ….
 
لكن بعد كل هذا الجُهد الفكري والقانوني والسياسي من أجل بناء مؤسسة إسلامية ومسجد باريس بكل مرافقه رغم الموانع القانونية بحكم قانون 1905…أن تكون شاهدة على تكريم فرنسي لكل ضحايا الحرب العالمية الأولى من جنود مستعمراتها من دول شمال وغرب افريقيا…
 
و بعد كل ما حققه المسجد من غايات إنسانية واجتماعية سامية في أوقات تاريخية حساسة … فقد تم السطو عليه من جهات خارجية لا تملك الشرعية الدينية والروحية التي من أجلها ترافع ” الماريشال ليوطي ” ورئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الجمعية العمومية سنة 1926…لقد حاولوا تسييس مسجد باريس فاخرجوه عن سكته الحقيقية و صبغوه بلون المصالح السياسية و الحملات الانتخابية ووزعــوا الأموال يمينا و يسارا… وفـرًقُـوا مُسلمي فرنسا بعد أن كان مسجد باريس جامِعُهُـم…بل انه أصبح مـلحقة لـوزارة الخارجية لتلك الجهة…وأصبح الرئيس والإمام والخطيب مُجرد مُوظفي وزارة خارجيتهم… همهم الوحيد هو كتابة التقارير ، بـدل تأطير وتعليــم الجاليات المسلمة للمبادئ السمحة للدين الإسلامي و لقواعد العيش المشترك، والدفاع عن حرية المعتقد كمبدأ كوني مُؤطر باتفاقيات عالمية لحقوق الإنسان…
 
ورغم ذلك، فإن التاريخ والمراسلات والظهائر الشريفة والشرعية الدينية والعِمارة والزليج و القُـبة والقِـبلة… تقول بأعلى صوت أن مسجد باريس إما أن يكون مغربيا أو لا يكـــون….