الثلاثاء 17 مايو 2022
مجتمع

النقيب الجامعي: الجواز الصحي يكشف عن زواج غير شرعي بين السلطتين التنفيذية والقضائية

النقيب الجامعي: الجواز الصحي يكشف عن زواج غير شرعي بين السلطتين التنفيذية والقضائية الداكي يتوسط الجامعي (يسارا) وعبد النبوي

طالب النقيب عبد الرحيم الجامعي، في رسالة موجهة إلى كل من الرئيسِ المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئيس النيابة العامة، ما وصفه بـ "المحافظة على استقلاليتهما وتجنب الزواج غیر الشرعي مع السلطة التنفیذیة"، وذلك على خلفية توقيعهما دورية مع وزير العدل، بشأن إلزامية الإدلاء بالجواز الصحي لولوج المحاكم...

فيما يلي نص الرسالة كما توصلت بها جريدة "أنفاس بريس":

 

أنتم في السلطة القضائیة لستم تابعین للسلطة التنفیذیة، أو منفذین لتعلیماتھا أو لرغباتھا، فلا حق لكم أن تجعلوا المحاكم ملحقات للولایات أو للباشویات تحاصرھا سیارات الشرطة لتمنع المحامین من ولوجھا، حافظوا على لباسكم المدني وقبعاتكم القضائیة لكي تظلوا أمام المتقاضین قضاة، وأمام الدستور سلطة قضائیة مستقلة، فإن كنتم على استعداد للتنازل عن استقلالكم فإن المحامیات والمحامین سیواجھن وسیواجھون كل اتجار سیاسي أو إداري بمبادئ الدستور وباستقلال القضاء، والمطلوب والمفروض أن تظلوا في كراسیكم قضاة فقط، فانحیازكم للسلطة التنفیذیة ولقراراتھا ولإجراءاتھا یفقدكم مصداقیتكم ویشكك في مدى استقلالیتكم، ورسالتم المشتركة لا قیمة قانونیة لھا، لكنكم جعلتم منھا "قانونا للأقویاء"، فرضتم بھا ما شئتم من الإجراءات على نساء ورجال المحاماة، تدركون بالیقین أنه لا حق لكم في اتخاذھا وتطبیقھا وفرضھا بالقوة ..

 

أقول لكم رأیي بغیرتي التي لا أساوم علیھا، لأنه قبل أكثر من سنة، جر علینا قرار الرئیس المنتدب سابقا للمجلس الاعلى للسلطة القضائیة الصادر بتاریخ 16 مارس 2020 انتكاسة مھنیة وقضائیة لا زالت آثارھا قائمة أمامنا وأمام الفاعلین في مجال القضاء، مرتفقین وقضاة ومحامین وموظفین ومعھم باقي مساعدي القضاء، ذلك القرار الفردي الذي نزل عند بدایة "كوفید 19"، والذي اتخذه سرا دون سابق إشعار أو حوار أو إخبار أو تقدیر أو تقییم، فأمر بواسطته كل المسؤولین القضائیین بإغلاق الجلسات وتأخیر الملفات والذین استجابوا لتعلیماته ونفذوھا بسرعة ودون نقاش، فتوقف سیر المرفق بكامله وتم إخلاء المحاكم، وضرب الحصار علیھا كی لا یلج إلى قاعاتھا ومصالحھا، لا محامي ولا متاقضي، مع استثناءات ضعیفة، وھي تعلیمات لم یكن من حقه اتخاذھا لأنھا غیر دستوریة وتمس استقلال القاضي وتدفعه لارتكاب إنكار للعدالة، وظل الجمیع أمام الشطط صامتا.

 

وتسبب آنذاك أول مسؤول في أعلى الھرم القضائي بالمغرب بقراره التحكمي في جائحة مُحرقة أتت على القضاء والمحاكم والمحامین والمتقاضین، فعرقلت سیر المرفق القضائي وقتلت حیویته بأكثر الأضرار التي تسبب فیھا الكوفيد..

 

وقبل أیام قلیلة، تكرر الأمر من جدید لدى السلطة القضائیة بواسطة "رسالة" وقعھا الرئیس المنتدب ورئیس النیابة العامة ووزیر العدل، بنفس الخطأ لكن بأسلوب خطیر ومھین، إذ بواسطتھا اتفقوا فیما بینھم لمنع ولوج المحاكم لمن لا یتوفر على الجواز أو لمن لا یدلي به ببواباتھا ابتداء من الاثنین 20 من دجنبر "الحرام"، فحرموا على المحامین ممارسة مھامھم داخل المحكمة وسلبوا منھم حریة وحقوق الدفاع بجرة قلم حبر وبتوقیع متسرع وبعیون لم تقرأ النص ببصیرة..

 

الیوم صفحة تاریخیة مثیرة للخوف تجتمع فیھا السلطتان وتختلط وتتوحد ضد المحامین وضد السیر العادي للمحاكم والجلسات.

الیوم یشھد التاریخ أن السلطتین معا، القضائیة والتنفیذیة، تجتمعان لاختیار إجراء بأسلوب ینتھك مقومات الدستور وحقوق الا‘سان وحقوق المتقاضین دون رقیب ولا حسیب، لیعلنا حالة استثناء، لأسباب لا تستحق اتفاق الأركان العامة القضائیة والتنفیذیة.

الیوم تقود السلطة القضائیة والسلطة التنفیذیة حملة غیر مسبوقة ملطخة بالشطط ضد ھیئات الدفاع بكامل التراب الوطني، مستعملة من أجلھا قوات الأمن والشرطة العلنیة والسریة، وحواجز بشریة ببوابات المحاكم، بكل مظاھر التخویف وعلامات التھدید التي استنفرتھا لمھمة غیر دستوریة.

 

أنتم بالسلطة القضائیة أصحاب الولایة على سیر مرفق القضاء، منعتم المحامین من ولوج المحاكم إلا بالجواز، لكنكم تعلمون وتعلم معكم السلطة التنفیذیة بأن عشرات الآلاف من المواطنین یستعملون یومیا القطارات ویلجونھا دون الالتفات للجواز، وتعلمون بأن القطارات أكثر وبكثیر من المحاكم ازدحاما ومعرضة أكثر لمخاطر العدوى، فما ھو موقفكم منھا وما موقف زملائكم بالحكومة.

 

أنتم بالسلطة القضائیة تمنعون المحامین من ولوج المحاكم إلا بالجواز، لكنكم تعلمون بأن أكبر المراكز التجاریة وأكبر الأسواق وأكبر الحانات وأكبر محطات الوقود وأكبر المطاعم وأكبر مواقف السیارات وأكبر المراقص، وأكبر الفنادق.. يرتادها عشرات الآلاف یومیا دون رخصة ولا جواز ولا مراقبة.. فلماذا اتفقتم مع زملائكم بالحكومة على إجراءات ضد المحامین؟

 

إن رسالتكم المشتركة إھانة توجه لنساء ولرجال الدفاع بكل الأسف، اخترتموها باسم الحذر واسم الوقایة وباسم الإجراءات الصحیة، وكلھا إن كانت في مبدئھا یمكن القبول بھا دون معارضة، لكن كان علیكم اختیارھا وتدبیرھا بأسالیب حكیمة، ومنھجیة أكثر ذكاء، تقوم على ترك وتفویض الأمر للجھات المعنیة محلیا بداخل كل محكمة وھي ھیئة المحامین والمسؤولین القضائیین، فھم من یٌقدر واقع حال المحكمة وما یحتاجه تنظیم الوقایة من إجراءات بعیدا عن القوة والحواجز الحدیدیة والحصار .

 

إن اتفاقكم مع السلطة التنفیذیة على إجراءات بعیدة عن اختصاصاتكم وغیر مشروعة سیجر مستقبلا مخاطر علیكم وعلى حق المتقاضین في ان تظلوا مستقلین بكل معاني الاستقلال، إنكم لن تستطیعوا التخلص منھا بسھولة، فاستقلالكم مسؤولیة تفرض علیكم التصرف تحت قیودھا، واستقلالكم حق للمتقاضین علیكم.

 

إن استقلالكم قید دستوري على أعناقكم وعلى أیدیكم لا یمنحكم صكا للتخلي عنه وتصریفه لفائدة سلطة أخرى مھما كان الأمر، مما كان یفرض علیكما بالسلطة القضائیة أن تتخذا نفس ما اتخذه زمیلیكم رئیس محكمة النقض الفرنسیة والوكیل العام بھا القاضیانMarin Claude Jean et Louvel Bernard  في رسالتھما المشھورة للوزیر الأول الفرنسي بتاریخ دجنبر 2016.