بسمة الوزاني: "قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط" تفند عزوف الشباب عن القراءة

بسمة الوزاني: "قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط" تفند عزوف الشباب عن القراءة بسمة الوزاني

يتهمون الشباب بالعزوف عن القراءة، والأكيد أن الشباب عندما يجد نصا ماتعا مفيدا يقبل على القراءة بنهم... أنا فتاة وإن كانت تهوى القراءة ومطالعة الكتب وصنف الروايات تحديدا لأنني أسافر من خلالها إلى عوالم وبلدان مختلفة؛ أحس وكأنني أعيش حيوات كثيرة وأخوض تجارب، وأنفتح على الواقع وعادات وتقاليد الشعوب دون أن أتحرك من مكاني، فإنني من خلال آخر مغامرة قرائية لي، وبقراءة رواية "قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط" للكاتب الروائي المغربي «الكبير الداديسي» لم أسافر إلى تخوم الحلم والممكن... فلأول مرة أجد كلمة سفر قاصرة عن المعنى، لذلك  سأستبدلها بكلمة «هجرة» وهي الظاهرة التي عالجها الكاتب في روايته بأسلوبه الراقي الذي جذبني منذ الصفحة الأولى لأغوص في تفاصيل رواية حملت قيما سامية ودررا ثمينة.

لقد صنع لنا الكاتب بروايته هذه بوابة عبور إلى عالم المهاجرين المليء بالمخاطر، وجعلنا نشعر بألم فقد مامادو لأمه، وأحسسنا بحر الصحراء برفقته وهو يخترق الحدود؛ تألمنا من النظرة العنصرية نحوه، عشنا مع ميادة فاجعة فقد زوجها وابنتها، جربنا أعلى درجات الخوف والهلع ونحن نهوي مع البطلين إلى قاع البحر الأبيض المتوسط وكأننا كيان واحد...

لقد نجح الكاتب في توحيد مشاعرنا عند قراءة هذه الرائعة، لقد تسارعت نبضاتنا في كل مرة ظننا فيها أن البطلين سيهلكان، ولكنهما يبهراننا بعزيمتهما وتشبثهما بالحياة، كما شهدنا حبهما الذي كان يبدو مستحيلا، حب شابة سورية وشاب إفريقي من الكوت ديفوار، ورأينا تخطيا لاختلاف الأديان الذي لم يقف عائقا أمام حبهما وزواجها الذي تكلل بإنجاب ابنتهما لمياء، وأحببنا شخصية عمي بو عمامة التي اتسمت بالنقاء والحكمة، فقد كان مركب نجاة لهاذين المهاجرين اللذين خاضا رحلة الموت ولم يأبها بالعواقب فارين من جحيم الوطن الذي كان ملاذهما الوحيد، ورغم نجاة بطلينا إلا أنهما حالة نادرة فغالبا ما نرى أن المهاجرين لا يفلتون من براثن الموت ويلقون حتفهم وهم يحاولون بلوغ الحلم الذي إما يدفن بين كثبان الصحراء أو يغرقه موج البحر الهادر أو توقفه رصاصة أحد حراس الحدود فيموت الحلم وتبقى الجثث لتحكي معاناة أصحابها.

مع رواية "قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط" يكتشف القارئ عوالم إفريقيا بثقافة أهلها، ومظاهرها العمرانية، وعادات شعوبها، في كل ركن من الكوت ديفوار مالي صحراء الجزائر التي قطعها ممادو مشيا على الأقدام، كما نتعرف على جغرافية وتاريخ دول شرق وجنوب البحر الأبيض المتوسط عبر رحلة ميادة من سوريا إلى المغرب، حيث يلتقي البطلان على شواطئ شمال المغرب متعلقين بأهداب حلم الهجرة هناك تنسج خيوط حكاية هذه الرواية التي تدغدغ المشاعر وتجعل كل شبر في جسد القارئ ينتفض وأنفاسه تتسارع تارة وتهدأ تارة أخرى جنبا إلى جنب مع البطلين. فقد لامست قيما إنسانية خالدة تطير بالقارئ بين التسامح والتضامن صحيح أنها انطلقت بنبرة الكراهية والتي تربى عليها كل بطل في ثقافته الخاصة فجعلت العربي الأبيض والإفريقي الأسمر يتبادلان التهم والازدراء، فيعتقد القارئ في الصفحات الأولى وكأن الرواية تبث الكراهية، لكن سرعان ما يغوص القارئ في بحر من القيم السامية حيث اختفاء الفوارق والتمييز على أساس اللون واللغة والعرقة، حين يوحد الحب بين ميادة العربية الإسلامية، وممادو الإفريقي المسيحي.

مهما نطقت الألسن ومهما خطت الأيدي بوصف هذه التحفة فستظل مقصرة أمام روعتها ودقة نسجها، ما عساي إلا أن أقول لكاتبها، لله ذركم لقد أبدعتم بارك الله فيكم ونفع بكم وبقلمكم وجزاكم خير الجزاء.

 

- بسمة الوزاني، تلميذة بثانوية الحسن الثاني/ آسفي