نريد سفراء جنودا لا سفراء سياحا

نريد سفراء جنودا لا سفراء سياحا

منذ فجر الاستقلال، حظي الحقل الدبلوماسي بالرعاية الشخصية للمؤسسة الملكية، إذ كان دائما قرار تعيين السفراء وتغييرهم مندرجا ضمن صلاحيات الملك. وحتى مع الإصلاح الدستوري الأخير(2011) لم تتغير المعادلة إذ ظل قرار التعيين بيد الملك بناء على اقتراح من رئيس الحكومة، وبمبادرة من الوزير المعني.
لكن أهم ما كان يميز هذه المجال الملكي كون الاهتمام كان ينصب في الغالب على البلدان ذات الرهانات الاستراتيجية المباشرة، في حين ظلت سفارات بلادنا في العديد من الدول تخضع إلى تسابق محموم من طرف الأحزاب لتقديم مرشحيها لاعتبارات توزيع الريع الدبلوماسي على المرضي عنهم، إما مكافأة لهم بعد نهاية الخدمة، وإما تجاوبا مع تدخلات عائلية أو زبونية أو سياسية أو إبعادا لهم إلى الخارج لتسريع ترتيبات حزبية داخلية.
 ليس صدفة أن يتم، على سبيل التمثيل فقط، تعيين عبد الرحيم بوعبيد أول سفير للمغرب في باريس بهدف محدد، متمثل في استكمال المفاوضات من أجل الاستقلال. وليس صدفة أن يعين الحسن الثاني عبد الهادي بوطالب سفيرا لبلادنا في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1974 بهدف محدد: إطلاع الأروقة الأمريكية والدولية على تفاصيل ملف مطلبنا الوطني في استكمال تحرير ترابنا، تمهيدا لإطلاق المسيرة الخضراء سنة بعد ذلك.
لم يكن بوعبيد وبوطالب وغيرهما كثيرون مجرد حاملي رسائل، أو مجرد دبلوماسيين اعتياديين، ولكنهم كانوا خداما لقضيتنا الوطنية عبر كل المنعطفات التي شهدتها في لحظات المد والجزر. ومقابلهم كان سفراء آخرون يتنزهون في المحافل الدولية، شغلهم الشاغل مراكمة ثرواتهم الشخصية ورعاية مصالحهم في الداخل.
إن هذا الطابع المزدوج، حيث «السفراء الجنود» يختلفون عن «السفراء السياح»، هو ما ظل يسم نشاط سفرائنا في الخارج.
ولذلك يتوجه ملف هذا العدد إلى تحليل هذا السلوك الدبلوماسي على ضوء القرار المرتقب بتعيين سفراء جدد في العديد من الدول والإفراج عن لائحة المجلس الوزاري بالعيون، وكذلك على خلفيات التطورات الأخيرة التي تعرفها قضيتنا الوطنية بعد تنامي تحرشات المحيط الإقليمي والدولي بنا، خاصة من لدن الإدارة الأمريكية والمحكمة الأوربية ومحيط الأمين العام الأممي.
ضمن هذا الانشغال نسجل ثلاث ملاحظات:
أولا: نسجل استسلام بعض سفرائنا في الدول والمؤسسات التي تعرف توترا مع بلادنا إلى براثن الكسل الدبلوماسي بما يعنيه ذلك من غياب المبادرة، نخص بالذكر السفراء في بعض مكونات المحيط الدولي الذي تأكد أنه لا يتوقف في أن يمارس علينا الابتزاز، من حين لآخر، بعد انتصار الجزائر علينا في اختراق مساحاته التشريعية والمدنية. ونخص بالذكر تحديدا سفارت بلادنا في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإسبانيا والدول الاسكندنافية، إضافة إلى المحور الدبلوماسي الجديد الذي أعطاه الملك دفعا قويا من خلال زياراته لفدرالية روسيا والصين، وزيارة المرتقبة إلى الهند. وهو ما يؤكد الحاجة إلى السفراء الجنود لا السفراء السياح.
ثانيا: نسجل من ناحية ثانية فداحة الغياب الملحوظ اليوم في بعض السفارات المغربية التي بلا سفراء إلى حدود اليوم كما في حالتي الكويت والسويد وسويسرا. ولا نحتاج إلى كبير جهد لإبراز مكانة هذه الدول في رهاننا على الخارج، فالسويد كانت قد أشهرت ضد بلادنا، في صيف 2015، ورقة الاعتراف بجمهورية الوهم، وهو ما يتطلب حضورا ديبلوماسيا وازنا في الدائرة الاسكندنافية. كما لا يعقل أن يستمر غياب السفير المغربي عن الكويت لجسامة مكانة هذه الدولة في علاقتنا مع مجلس التعاون الخليجي، وبالنظر إلى الدور الكويتي في إنعاش مشاريع الاستثمار ببلادنا، خاصة بعد التفاعلات الإيجابية المترتبة عن حضور المغرب في قمة الرياض الأخيرة، أما سويسرا (نقصد بيرن وليس جنيف) فهي الدولة الحاضنة للمنظمات الدولية وبالتالي هي الحاضنة لمعظم الاتفاقيات الدولية، فضلا عن كونها مركزا ماليا عالميا تتحكم في معظم مفاصل الاقتصاد العالمي من حيث التمويل والتأمين وإعادة التأمين وإمساكها بعصب التجارة البحرية العالمية. كما لا يعقل أن نعيش استمرار مشكل البرود الدبلوماسي مع الجارة موريتانيا أو بعض القوى الإقليمية بإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ثالثا: أما الملاحظة الثالثة فتهم باقي دول المعمور الأخرى. وفي هذا الصدد نذكر بالدرس الدبلوماسي الذي يفيد أن السفير لا يمكن أن يعمل فقط في لحظات التوتر. بل المطلوب منه أن يجتهد في استباق الزمن عبر نسج العلاقات والصداقات وصنع الصيغ والأفكار، حتى في الدول الأكثر وفاء وتعاطفا مع قضايانا.
إن فكرة «السفراء الجنود» يمكن أن يكون لها مردودية في كل الدول، خاصة دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية، ودول الشرق الأسيوي حيث ينتظرنا جهد دبلوماسي كبير للتعريف بتطورات ومستجدات قضيتنا الوطنية، ولاستقطاب الاستثمار، ولترويج منتوجاتنا الاقتصادية، ولنسج العلاقات الفاعلة مع كل روافد المجتمع المدني والإعلامي هناك.
فهل تتحقق كل الشروط في السفراء المنتظر تعيينهم في المهام الجديدة؟
لا يمكن أن نستبق التعيينات التي من الطبيعي أنها تخضع لاعتبارات مدروسة. ومع ذلك فإننا نرى أن من واجبنا الإعلامي الوطني التنبيه إلى أن الشرط المغربي الراهن يفترض اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، «بروفيلا» جديدا للسفير، فاعل في رهان مخاطبة الآخر بلغاته، وعارف بحجمه كدبلوماسي يوجد على جبهة الحرب، وليس في نزهة، وقادر على مخاطبة الرسميين وهيئات المجتمع المدني بالدولة المضيفة، ومتمتع بمعرفة واسعة بتاريخ المغرب وثقافته ورصيده الحضاري ومطوق بدفتر تحملات يتعين على السفير أن ينفذه على المدى المتوسط والطويل في البلد الذي سيعين فيه.
 لهذه الاعتبارات نرى التعيينات المرتقبة شوطا حاسما في رهان النهوض بأدائنا الدبلوماسي من جديد.
إن المطلوب راهنا أن نكون على الموعد المتناغم مع حجم التحديات لنحقق وثبة حقيقية في عملنا الدبلوماسي تجاوبا مع الجهد الكبير الذي يبذله المغرب في كل الأوراش الكبرى المفتوحة منذ عام 2000.

 

الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن: الدرس الأسترالي

 

في أعقاب أزمة المغرب مع بان كيمون بسبب وصفه المغرب بالبلد «المحتل»، اجتمع مجلس الأمن لمناقشة الأزمة. وقد ظهر بجلاء الانقسام بين المناصرين لقضية المغرب، ومن بينهم مصر والسنغال وفرنسا واليابان وإسبانيا، وبين بعض أعضاء آخرين حاولوا تمرير وثيقة تدين طرد المغرب لأعضاء بعثة المينورسو، وتساند - دون تحفظ - الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. لكن أصدقاء المغرب تقدموا بقراءة مقنعة تقول إن المشكل حصل أساسا بين الأمين العام للأمم المتحدة وبين المغرب، وأنه لا يقتضي إقحام مؤسسة مجلس الأمن في مثل هذه الحيثيات.
وقد انتهى الأمر بمجلس الأمن إلى  دعوة الطرفين إلى حل مشاكلهما بالحوار. هذا الأمر يؤكد شيئا واحدا، وهو أن المغرب لا ينبغي أن يطمئن إلى الدعم الأمريكي، خاصة أن موقفها من الأزمة كان باردا، كما يؤكد هذا الأمر أن مساندة المغرب لم يعد أولوية لدى الإدارة الأمريكية التي أدركت أن الرباط أخذت مسافة فاصلة بين الرغبة الأمريكية في خلخلة المنطقة العربية وخلق تنافرات وانقسامات طائفية وعرقية، وهو ما لم تنظر إليه واشنطن بعين الارتياح. ومع ذلك، فإن استقراء السلوك الأمريكي يستدعي عدم الانصات إلى صوت العاطفة و الحماس، وعدم التسرع في الدخول في لعبة «الذراع الحديدية» مع هذه الدولة القوية.
وإذا كان المغرب قد استطاع أن يقنع دولة واحدة من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن (فرنسا) بالاصطفاف إلى جانبه، فإنه مدعو إلى توسيع رقعة هذا الصف بإقامة جسور قوية مع الدول الأخرى دائمة العضوية (بريطانيا، الصين، روسيا)، خاصة أن الدول الفاعلة في اتخاذ القرار على المستوى الدولي.
كما أن الارتكان إلى الخطاب المغالي في الاطمئنان من كون فرنسا «حليفا دائما» و«موثوقا» للمغرب فيه مجازفة خطيرة، بدليل أن أستراليا كانت هي الحليف القوي لأندونيسيا في ملف تيمور الشرقية. لكن في آخر لحظة انقلبت أستراليا بالكامل ضد جاكارتا وتحولت ليس إلى مساند للمطالبين باستقلال تيمور وحسب، بل وكانت أستراليا أهم دولة ترسل جنودها فور الإعلان عن استقلال تيمور الشرقية.
من هنا الحاجة إلى وجوب القطع مع تعيين سفراء بباريز بالاستناد إلى نهج سيرة ينص على أن المرشح كان وزيرا سابقا بالمغرب ويعرف النخب الفرنسية. بدليل أن المرحلة الحالية تتميز بوجود سفير مغربي بفرنسا كان وزيرا للداخلية وجالس الرؤساء الفرنسيين السابقين ومع ذلك كانت فترة تعيينه الأسوأ في العلاقة بين باريز والمغرب لدرجة أنها وصلت إلى القطيعة لمدة فاقت سنة.

 

المنظمات الدولية: هل هي الحل أم هي جزء من الخلاف؟

 

إذا كانت «المنظمات الحقوقية» الدولية هي «الضمير المدني» للكرة الأرضية، فإن معركة المغرب، على مستوى المنظمات الدولية المؤثرة في القرار السياسي الدولي، هي أساسا معركة إصلاح  الوضع السياسي والحقوقي الداخلي، علما بأن معركة إقناع هذه المنظمات تبقى هي الحلقة الأهم بالنسبة لتطورات ملف نزاع الصحراء الذي ينحو منحى حقوقيا. ذلك أن الخصوم دائما ما يشهرون ورقة «حقوق الإنسان» لإحراج المغرب في جنيف وبروكسيل ونيويورك ...
وإذا كانت الصراعات بين المغرب وخصومه يجري بشراسة داخل العواصم الحقوقية الدولية، حتى أصبحت المنظمات الدولية جزءا من الخلاف السياسي، وليست هي الحل، ما دامت تعطي الانطباع بأنها تدعم طرفاً على حساب الآخر، أو أنها لا ترى الأمور الا بعين عوراء واحدة.
وهذا يعني أن المغرب مطالب بإبداء نوع من الشراسة الديبلوماسية في الدفاع عن مصالحه داخل العواصم الدولية، سواء تعلق الأمر بعاصمة الأمم المتحدة الحقوقية(جنيف) أوعاصمتها السياسية (نيويورك) أو لدى الاتحاد الأوروبي (بروكسيل)، وذلك في سياق كسب ودّ المجتمع الحقوقي الدولي، أو توضيح وجهة نظر اللاعبين السياسيين المحليين، على أساس وضعهم في الصورة الحقيقية التي يعيشها البلد على المستوى الحقوقي..

 

إسبانيا: حوار الشجعان

 

بين المغرب وإسبانيا، مجموعة من الملفات العالقة، التي تنتظر الحل عوض تفضيل الشكليات التي جعلت البلدين يتظاهران بالمودة وحسن الجوار، وكأنهما محتشمان في فتح الملفات الساخنة، خوفا من مغبة عواقبها إذا لم توجد لها حلول، أو على الأقل منهجية عملية وناجعة لمعالجتها. هذا المعطى يؤكد أن المغرب مدعو إلى تبني أسلوب جديد لاقتحام القضايا الاستراتيجية التي تعمق الهوة بين البلدين، وذلك بإرساء دبلوماسية تعي أنه لا مناص من إيجاد منفذ لحماية المصالح المشتركة وتطويرها. فإسبانيا هي الشريك الاقتصادي الثاني للمغرب، والقضايا التي يتعين معالجتها واضحة، ومنها قضية سبتة ومليلية. وهذا يتطلب عملا ديبلوماسيا غير مندفع مبني على «حوار الشجعان»، خاصة أن إسبانيا تمسك بالكثير من الأوراق التي من شأنها إلحاق الضرر بالقضية الوطنية، بالمقابل يمسك المغرب بالورقة الامنية في التصدي للإرهاب وحاجة مدريد إلى خبرة المغرب في هذا الباب لتجنيبها مرارة وفظاعة العمليات الإرهابية.

 

السويد: العطب الكبير

 

في شتنبر 20115، دخلت العلاقات المغربية السويدية أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، بعد الدعوة التي وجهها برلمان السويد رسمياً للاعتراف بـ «الجمهورية الصحراوية». وعاش المغرب هذا الاختبار ككابوس قبل أن تتراجع حكومة ستوكهولم عن موقفها وتلرفض تبني توصية البرلمان السويدي، بعد أن تحرك المغرب بكافة قواه السياسية والاقتصادية، وخاصة بعد أن انتقل وفد مشكل من ممثلي أحزاب اليسار المغربي إلى العاصمة السويدية لتوضيح التطورات التي يعرفها هذا النزاع الإقليمي وتداعياته الجيوستراتيجية، فضلا عن استعراض تفاصيل مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب كحل في إطار ورش واسع للإصلاحات الديمقراطية المتقدمة.
ويثبت الموقف السويدي أن هناك عطبا كبيرا في العمل الديبلوماسي في ستوكهولم، علما أن السويد تتحرك في العالم على رقعة حقوق الانسان على خلفية صورة رسمتها لنفسها جعلت الرأي العام الدولي يتمثل السويد كدولة تتحرك في هذا المجال الحقوقي الكوني بدون «غاية سياسوية»، لكونها دولة رفاه وتعتبر أكثر تأييدا للحقوق، ما تملك السويد نظامًا كاملاً يضمن توفير الخدمات لمواطنينها، وللمقيمين في الدولة أيضًا. من هنا قيمة سفارة المغرب بالسويد ووجوب أن يكون السفير  المعين من عيار ثقيل.

 

النرويج: مضخة الانفصال

 

ما إن اندلعت الأزمة التي فجرها البرلمان السويدي في وجه المغرب على خلفية توصيته القاضية بالاعتراف بـ«الجمهورية الصحراوية»، حتى تحرك وفد من البوليساريو، على وجه السرعة، إلى أوسلو، لمقابلة عدد من مسؤولي الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني النرويجي. وقد حظي الوفد باستقبال بمقر وزارة الخارجية النرويجية، حيث دعا ممثلو «البوليساريو» خلال هذا الاجتماع دولة النرويج إلى الاعتراف بالجمهورية الوهمية. فماذا فعل المغرب لتحصين قلاعه في النرويج؟
فمن المعلوم أن النرويج هي جنة الجمعيات الحقوقية المشاكسة في العالم، حيث تتلقى تمويلا ودعما سخيين من أوسلو، ذلك أن الجمعيات التي تدور في فلك النرويجيين هي المتخصصة، على المستوى العالمي، في تدويل النزاعات، وهنا علينا أن نستحضر ما حدث في  جنوب السودان وفي  تيمور الشرقية، إذ أن الجمعيات المدنية الممولة من النرويج لعبت دورا حاسما في تأليب الرأي العام تمهيا لقرارفصل جنوب السودان و بتر تيمورالشرقية عن أندونيسيا .. والآن تبدي هذه الجمعيات اهتماما بالغا لنزاع الصحراء، وهو ما يتطلب ديبلوماسيين مغاربة  من النوع «الحربي» القتالي، ولهم دراية بكل التشابكات القانونية والسياسية والتاريخية التي يطرحها هذا الملف. وإلا، فإننا سنكون أمام النسخة المغربية من «تيمور الشرقية».

 

عبد الوهاب معلمي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الحسن الثاني وسفير سابق

 

الجزائر تحتاج إلى أفضل سفير لنا يكون مقربا من الملك

 

يرى عبد الوهاب معلمي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الحسن الثاني بالبيضاء وسفير سابق، أن قضية الصحراء رغم أهميتها، لا ينبغي أن تكون هي المعيار الوحيد لإعادة ترتيب البعثات الدبلوماسية حتى لا تطغى على باقي قضايا السياسة الخارجية المغربية.
ومع ذلك حدد محاورنا العواصم التي يتعين على المغرب أن يتوفر فيها على سفراء متميزين. وتوقف عند السياق الذي أفرز مصطلح «الديبلوماسية الموازية»

 

 

 

m ما أن تطرح قضية الوحدة الترابية وأداء وزارة الخارجية إلا وتطرح معها قضية فعالية  السفراء والديبلوماسيين المغاربة بالنظر إلى أن العديد من الأصوات تحملهم مسؤولية الإخفاق في تحقيق الاختراقات من جهة وتحقيق الإشراقات.  ماالذي يجعل جزءا هاما من الرأي العام يحصر ملف الصحراء في السفراء والديبلوماسيين؟
l لأن ملف الصحراء يعتبر قضية وطنية عليها إجماع لا فقط من حيث المضمون، أي عدالة وصحة المواقف المغربية، و لكن أيضا من حيث أنه ملف يتولى القصر تدبيره بشكل مباشر و شامل، و بالتالي لما تحصل أزمة من الأزمات التي تمس هذا الملف أو أحد جوانبه يرده الرأي العام و معه جزء من الإعلام النقدي وغير الرسمي بشكل تلقائي إلى التدبير الدبلوماسي للملف دونما التدبير السياسي الذي يبقى طبعا خارج أي تساؤل، بينما كل الأزمات التي عرفناها هي ذات طابع سياسي عال لا يكون فيه للدبلوماسي من مستوى السفير الاحترافي المقيم  العادي  إلا دور محدود، كالمتابعة، و الإخبار، و الإنذار  و التنبيه و التصدي أو التمهيد و الاقتراح ولا يرقى، و إن حاول السفير ذلك، إلى الضغط أو التأثير السياسي الذي يبقى من مسؤولية المشرفين  على السياسة الخارجية، من وزير الخارجية فما فوق. خذ مثلا مسألة الاعتراف بالجمهورية الصحراوية المزعومة، فالقرار فيها سياسي سواء تعلق الأمر بالاعتراف أو بعدم الاعتراف أو بسحب الاعتراف. فالسفير سيحاول طبعا من موقعه أن يدافع باستماتة عن مصلحة المغرب لكن لن يصل إلى نتيجة لوحده دون تدخل من مستوى عال. لكن هناك بعض الاستثناءات، ويتعلق الأمر ببعض السفراء مقيمين أو غير مقيمين، محترفين أو غير محترفين، الذين قد تربطهم بصاحب القرار الأعلى في الدولة علاقة خاصة أو يحظون لديه بثقة متميزة، فهؤلاء يمكن أن يكون لهم تأثير سياسي في البلد أو المنظمة المعتمدين لديها أو المبعوثين إليها.

 

m تأسيسا على السؤال الأول ماهو البروفيل الواجب توفره في السفير ليكون ذا مردودية ونجاعة، علما أن اختيار السفراء يتمثله المغاربة كمجال للترضيات الحزبية أو إبعاد المشوشين للخارج بشكل يفقدهم الحماس والشغف؟
l تعيين السفراء مسألة معقدة ندخل فيها اعتبارات عدة منها ما ذكرت. وهذا موجود في كل البلدان. لكن في الدبلوماسيات العريقة يكون هذا محدودا وخاضعا لضوابط تضمن كفاءة ونجاعة العمل الدبلوماسي، حيث يكون الأصل هي الاحترافية بالإضافة إلى الموهبة والتميز. قد يكون السفير دبلوماسيا محترفا تدرج في السلك الدبلوماسي وتلقى تكوينا خاصا في هذا المجال، وهذا هو الأصل. وقد لا يكون دبلوماسيا احترافيا، ولكنه اختير لاعتبارات أخرى منها ما هو وجيه ومنها ما هو دون ذلك، فيعين من خارج الإطار الدبلوماسي، ولكن يكون دائما مدعوما بطاقم دبلوماسي محترف. وعلى كل حال ليس هناك اختيار أمثل ولا سفير أمثل. هناك متطلبات أساسية يفرضها العمل الدبلوماسي المعاصر قد ينجح فيها السفير المعين ويتألق، أو قد يفشل سواء كان سفيرا هاويا أو محترفا. وبالتالي يصعب علي أن أعطيكم مواصفات معينة للسفير الناجح أو الأمثل خارج التكوين المتين والكفاءة العالية في الدراية بالملفات، والملاحظة اليقظة والتحليل، والتمكن من اللغات الأساسية والقدرة على التواصل، والانفتاح على المجتمع  في بلد الاعتماد...إلخ.

 

m هناك 193 دولة بالعالم، والمغرب ممثل في حوالي 90 سفارة فضلا عن تمثيليته في السفارات المتعددة الأطراف بالمنظمات الدولية (الاتحاد الأوربي، الامم المتحدة...إلخ). لو طلبنا منك تحديد السفارات التي يتعين على المغرب الاهتمام أكثر بها بحكم رهاناتها وعلاقة الدولة المضيفة بتفاعلات قضية الصحراء، ماهي العواصم التي على صانعي القرار التركيز عليها أكثر، وبالتالي ما هي الشروط الواجب توفرها في تعيين السفير المغربي بها؟
l ترتيب وإعادة نشر البعثات الدبلوماسية والقنصلية للدولة في الخارج مع توزيع ملائم للموارد المادية والبشرية حسب ما تقتضيه سياستها الخارجية و تطورات البيئة الدولية وإمكاناتها المادية في ظرف معين من الزمن هذا أمر بديهي و تقليدي في العلاقات الدبلوماسية للدول. والمغرب لا يخرج عن هذه القاعدة. وقضية الصحراء هي طبعا من بين المعايير التي تدخل في هذه العملية ولكن ليس لوحدها، ولا يجب أن تكون كذلك حتى لا تطغى على باقي قضايا السياسية الخارجية المغربية. من جهة أخرى قضية الصحراء هي قضية أفقية تهم كل بعثاتنا في الخارج بكل أنواعها وعلى مستويات مختلفة. وهناك بالطبع تراتب قار أو متحرك بين هذه البعثات من حيث عملها على قضية الصحراء حسب أهمية الدولة أو المنظمة التي تعمل فيها من حيث تأثير موقفها أو قرارها في ملف الصحراء. تأتي على رأس هذه البعثات، البعثات الموجودة في الدول الأعضاء في مجلس الأمن وخاصة منها الدول الخمس دائمة العضوية فيه، والبعثات  في المنظمات الدولية الرئيسية وعلى رأسها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. ففي هذه البعثات يتعين بالطبع أن يتوفر المغرب على أحسن دبلوماسييه كفاءة وتجربة وحنكة وعلى موارد في مستوى أهميتها. هناك من جهة أخرى دول في غاية الأهمية في نظري يجب أن نتوفر فيها على دبلوماسيين وسفراء متميزين وهي دول الجوار، مغاربية وعلى رأسها الجزائر وموريتانيا وتونس، ومتوسطية وعلى رأسها إسبانيا وإيطاليا، وإفريقية وعلى رأسها السنغال والكوت دي فوار. أما خارج هذه الدوائر فالمعيار الأساسي يبقى هي الدول المؤثرة دوليا أو جهويا سواء في إفريقيا، كنيجيريا وجنوب إفريقيا، أو في أمريكا اللاتينية، كالبرازيل والأرجنتين و المكسيك، أو في آسيا كاليابان والهند وباكستان و إندونيسيا و إيران.
أريد فقط أن أضيف أنه في ما يخص الجزائر، إذا كنا نريد فعلا أن نصل إلى حل شامل لمشاكلنا معها، بما فيها قضية الصحراء، فإني أرى أنه من الواجب أن نعير لعلاقتنا الدبلوماسية معها عناية خاصة وتكون بعثتنا هناك من أحسن البعثات ويكون على رٍأسها أفضل السفراء ليس من حيث الكفاءة فحسب، بل ومن حيث قربه من صانعي القرار الأساسيين في السياسة الخارجية المغربية وعلى رأسهم جلالة الملك.

 

m هناك 2600 موظف بالخارجية المغربية منهم حوالي 1600 بالسفارات والقنصليات. لماذا يحجم صانعو القرار على توفير الموارد البشرية اللازمة للسفارات: هل المشكل في الجامعات والمعاهد التي لا تكون الأطر أم المشكل في جهل الحكومة والبرلمان بإكراهات العمل الديبلوماسي؟
l ليس هناك دولة في العالم في استطاعتها أن توفر لدبلوماسيتها ما تريد من موارد حتى تكون على الوجه المطلوب أو الأمثل، خاصة وأن هناك اليوم في جميع الدول ضغطا على الميزانيات العمومية لترشيد النفقات أمام تزايد التكاليف و تناقص الموارد. لكن قوة الدبلوماسية من قوة الدولة عموما، والمغرب قوة صغيرة عالميا. وبالتالي فدبلوماسيته هي بحجم إمكانياته المحدودة. و لكن وعلى الرغم من ذلك فدبلوماسيتنا تحتاج بالطبع إلى دعم أكثر خاصة على مستوى البعثات الخارجية، مع الترشيد و العقلنة و تحسين الجودة والأداء عن طريق التكوين والتأطير والانفتاح على الجامعات والتجارب العالمية في هذا المجال.

 

m طفا على السطح مؤخرا مصطلح الديبلوماسية الموازية مع ما يقتضيه ذلك من شراسة في التواجد البرلماني الخارجي والتواجد الحزبي و المدني لتيسير العلاقة مع حلفاء المغرب من جهة وتحييد (من الحياد) الخصوم من جهة ثانية، لماذا لم نفلح في التوفر على ديبلوماسية موازية فاعلة إلى حدود اليوم؟
l مصطلح الدبلوماسية الموازية أتى لأول مرة وبشكل رسمي في خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 34 للمسيرة الخضراء في نونبر 2009، ومن ثم تعددت الأنشطة والمبادرات والندوات وبرزت جمعيات ومراكز ومواقع إلكترونية ونشطت بعض الأحزاب و ظهرت كتابات في الصحف وغيرها حول هذا المصطلح وما يعنيه وحول الكيفية التي يجب أن توظف بها الدبلوماسية الموازية لدعم الدبلوماسية الرسمية في الدفاع عن القضية الوطنية كما جاء في خطاب جلالة الملك. وفي شتنبر 2011 أدخلت إصلاحات على المرسوم المنظم لوزارة الخارجية والتعاون ومن بينها إحداث مديرية للدبلوماسية العامة والفاعلين غير الحكوميين التي من بين مهامها تقوية التفاعل مع مكونات المجتمع المدني ومجموعات التفكير.
إلا أن الدعوة لهذا النوع من الدبلوماسية غير الرسمية أو غير الحكومية لم تكن جديدة إذ سبق وأن نص عليها جلالة الملك في أول خطاب له حول السياسة الخارجية وذلك عام 2000 في رسالة إلى ندوة بمناسبة ما يعرف  باليوم الوطني للدبلوماسية المغربية. أما مصطلح الدبلوماسية الموازية فهو مصطلح شائك وغير موجود لا في القواميس الدبلوماسية ولا القانونية، ولا يستعمل في وزارة الخارجية والتعاون المغربية ولا وجود له في دليلها الدبلوماسي. وحتى على مستوى المنظمات غير الحكومية الدولية فهي لا تحبذ أن تسمي دبلوماسيتها بالموازية، التي قد تعني إما أنها مضادة أو منافسة لدبلوماسية الدول وهي ليست دائما كذلك، أو أنها تعني دبلوماسية خفية تسخر ها بعض الأنظمة في أغراض خاصة، مما لا يضفي عليها الشرعية الأخلاقية التي تريد أن تتحلى بها.
أعود الآن إلى سؤالك حول محدودية الدبلوماسية غير الحكومية في الدفاع عن القضية الوطنية. فإن افترضنا ذلك فالسبب هو أنها ليست في تقاليدنا وليس لنا فيها أي تجربة والدولة المغربية لم تعمل قط على تشجيعها. فحتى الدبلوماسية البرلمانية لم تكن مسموحة إلى أن أعطى انطلاقتها الملك الراحل الحسن الثاني في خطاب له أمام البرلمان عام 1982. أما وإن أردنا أن تكون لنا دبلوماسية غير حكومية حقيقية فيجب أن تكون حرة وغير مقتصرة على قضية الصحراء، هذا من جهة. من جهة ثانية، لا يجب في نظري أن ينحصر دورها فيما يتعلق بالصحراء في مواجهة الخصوم فقط، بل أن تعمل على المساعدة في حل النزاع والتقريب بين الأطراف لتجاوز الخلاف عملا بالمعنى الأساسي لمصطلح الدبلوماسية. إلا أنني في هذا الباب وبحكم التجربة غير متفائل بالمرة.

 

عواصم الخليج: الحليف الاستراتيجي

 

ساهمت الزيارات الملكية التي قام بها لدول الخليج في توطيد العلاقات الثنائية، وأعطت تطمينات للخليجيين على أن الدولة المغربية تنهج نفس السياسة السابقة اتجاه الخليج المبنية على التعاون الاستراتيجي، خاصة أن المغرب يستورد أكثر من 70 من المئة من احتياجاته الطاقية من الخليج، كما أن المغرب يستفيد من الدعم المالي والسياسي الخليجي في جميع المجالات السياسية والاقتصادية، وهو ما يستدعي تكريس ديبلوماسية ناجعة، وفي مستوى مزاج الفاعل السياسي بالخليج، وفي مستوى تطلعات المغرب للحفاظ على هذا الحليف المهم الذي يدعم المغرب، أي ديبلوماسية ذكية تحافظ على المكتسبات وتوسع من رقعتها على خلفية البناء السياسي والاقتصادي ووحدة المصير، بدل الارتكان إلى لغة الولائم وتنظيم الرحلات الترفيهية والحفلات السياحية..
لقد ظل المغرب محافظا على متانة العلاقات مع الدول الخليجية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، وذلك تأسيسا على التشابه في البنيات السياسية بين المغرب ودول الخليج. وقد تمثل  هذا التقارب في منح المغرب صفة شريك حيوي، من الناحية السياسة والاقتصادية. كما تأكد ذلك في المشاركة المغربية في الحملة العسكرية «عاصفة الحزم»، حيث لم يتأخر المغرب الذي ظل يتعامل بحذر مع التحولات في جواره العربي والإقليمي، عن إعلان مشاركته إلى جانب 9 دول عربية وإسلامية أخرى في هذه الحملة التي تقودها السعودية ضد جماعة الحوثيين في اليمن.
ومع ذلك، فإن الدبلوماسية المغربية في الخليج مدعوة إلى تبني تصور استراتيجي يهدف إلى استغلال كل الإمكانيات المتوفرة والمحتملة،  وهذا يفرض عليه تخريج بروفيل معين من الديبلوماسيين العاملين بالخليج، يكونون على بينة من الرهانات، وعلى اطلاع واسع بقواعد اللعبة الموجودة في المنطقة، والمتصلة بها أيضا على المستوى الدولي.

 

موريتانيا وتونس والحاجة لمنع الخنق

 

تشهدت العلاقات بين موريتانيا والبوليساريو مدا وجزا، يصل أحيانا إلى المقاطعة، وذلك حسب الظروف الدولية وتغيّر أنظمة الحكم في موريتانيا، وكذا العلاقات مع الجزائر أو المغرب. غير أن الرئيس الحالي، محمد ولد عبد العزيز، دأب على استقبال مبعوثين من الجبهة الانفصالية وإرسال برقيات تهنئة وعزاء، مع محاولة «تبني خيار الحياد» دون أن تتجرأ على فتح سفارة لها في نواكشوط.
هذا الموقف تحاول الجزائر بكل ما أوتيت من قوة المال أن تزعزعه لصالح الاعتراف الرسمي بالبوليساريو، وذلك لجهة اللعب بورقة البرود في العلاقة مع المغرب وقوة العلاقات مع البوليساريو. وذلك من أجل عزل الرباط عن محيطها وتكثيف الضغط عليها جهويا وإقليميا. والأمر نفسه يصدق على محاولة إلحاق تونس بصف المدافعين عن «تقرير المصير». والحال أن تونس تراهن على موقف وسط في نزاع الصحراء بدعمها لمساعي الأمم المتحدة، وبهذا تبتعد عن موقف الجزائر وموريتانيا ولكنها لا تتبنى الموقف المغربي.
إن المسعى الجزائري، بتركيزها على موريتانيا وتونس، هو محاولة خنق المغرب وحشره في ركن الحلبة قبل توجيه الضربات إليه، وإرغامه على رمي المنديل الأبيض أمام المنتظم الدولي. وهو المسعى التي ينبغي أن يتيقظ له المغرب وذلك بإقامة ديبلوماسية تهاجمه في عقر مساعيه، بالفضح والتحليل، ومحاولة فك الحصار، بالتغلغل في قلاعه ومحاضنه، وعلى رأسها الأزمة المالية.. وقضايا الإرهاب في منطقة الساحل. وهنا علينا أن نستحضر الفجوة التي كادت الجزائر أن تستغلها في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي لما (أي الجزائر) استمالت زوجته ليلى الطرابلسي عبر الصفقات للتغلغل في مفاصل بنيات القرار السياسي التونسي، لولا أن تونس شهدت حراكا أطاح بالرئيس زين العابدين وبزوجته. وبالتالي فالسفير المغربي الذي يقع عليه الاختيار بإحدى هاتين الدولتين أمامه مهمة «انتحارية» لوقف مخطط قصر المرادية.

 

الجزائر: الأخ العدو

 

يملي تورط الجزائر في نزاع الصحراء تعاملا خاصا مع تمثيلية المغرب الدبلوماسية داخل هذا البلد الذي يقود حربا لا هوادة فيها ضد وحدتنا الوطنية. ذلك أن تعيين السفير المغربي هناك يبقى على درجة كبيرة من الحساسية خاصة بالنظر إلى القضايا السياسية المتوترة التي تلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين. فالجزائر تُحاول بكل الطرق، وعلى جبهات متعددة، خلْق تكتّلا دوليا مساندا لجبهة البوليساريو وإثارة النزاع الصحراوي، كقضية «تصفية استعمار» على جدول أعمال التجمّعات الدولية. وهذا يتطلب دبلوماسيين صقورا يتقنون اللغة التي يمارسها الجزائريون، الرعاة الرسميون للبوليساريو، في كل مناسبة، خاصة أن الصراع يتم على المستوى السياسي والاستخباراتي والعسكري أيضا. كما يتطلب سفراء لهم مميزات تجسير العلاقة مع المكونات المدنية والحزبية بالجزائر في أفق خلق رأي عام ضاغط ضد السياسة الخارجية لقصر المرادية.

 

مصر: الجدار الواقي

 

بعد مجيء عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، اعتبرت الجزائر المناوشات بين مصر والمغرب بمثابة «البوابة الأولى لدخول الانفصاليين إلى العالم العربي»، نظرا للمكانة التي تحظى بها القاهرة بين الدول العربية، ونظرا للأداء الدبلوماسي المصري الناجع. غير أن عودة الوضوح إلى العلاقة بين الدولتين ومسارعتهما معا إلى احتواء كل أسباب الخلاف الطارئ، جعل زعماء قصر المرادية يقللون من دور مصر في هاته القضية، علما أن موقف مصر كان واضحا من خلال مساندة وحدة المغرب وإعلان الرئيس السيسي من خلال مقربيه أن مصر «لن تساند أبدا أي محاولة انفصالية في المغرب». فما معنى هذا الكلام؟ معناه أنه على الدبلوماسية المغربية ألا تترك أي مساحة شاغرة لأي تغلغل جزائري محتمل، لأن الدول العربية تعتبر إلى حد الآن أكبر واق من الاصطدام بالنسبة للمغرب. وهو ما يتطلب دبلوماسية تستطيع الحفاظ على الكائن، والمهيأة سلفا لتحقيق الممكن، أي تجسير العلاقات على أساس صلب وتجنب الارتماء في الاستفزاز الذي تمارسه الجزائر عبر تقديم الرشاوى الغازية والنفطية، لمن يريد الالتحاق بمعسكر العداء للمغرب.

 

افريقيا: نسف محور الشر

 

صحيح أن المغرب حقق انفتاحا على مجموعة من الدول الإفريقية التي لها وزن افريقي استراتيجي، كالسينغال وساحل العاج وإفريقيا الوسطى والغابون وغينيا الاستوائية ومالي، وهو ما أربك خصوم المغرب. غير أن المغرب مع ذلك لم يستكمل دبلوماسيا المحور الأنغلوساكسوني أو دول القرن الإفريقي المؤثر، ونخص بالذكر عاصمة مثل أديس أبابا (عاصمة إثيوبيا والاتحاد الإفريقي)، أو دول مهمة مثل جنوب إفريقيا، أوغندا، نيجيريا؛ وكينيا، وهي الدول التي طالما شكلت بعضها إزعاجا بالنسبة للمغرب بدعمها المستمر، وأحيانا اللامشروط، للبوليساريو (نموذج بريتوريا ولاغوس)
لم يقدم المغرب أية مبادرات على المستوى الديبلوماسي الإفريقي، باستثناء المبادرات الملكية، علما أن الدول الإفريقية «هشة وفقيرة»، وتخضع لضغوط «محور الشر»، المتمثل في كل من جنوب إفريقيا ونيجيريا والجزائر، والذي لا يترك أي فرصة تمر دون مهاجمة المغرب إطار «حرب استنزاف طويلة النفس». وهو ما يفرض من السفراء المعينين بهذه العواصم أن يكونوا يقظين وقادرين على تحقيق الاختراقات.

 

أمريكا اللاتينية:  الحوض المنسي

 

إذا كانت البرازيل والأرجنتين، كأهم دولتين في المنطقة، لا تعترفان بالجمهورية الصحراوية المزعومة ولم يسبق لهما أن ربطتا علاقات ديبلوماسبة معها، بل تدعمان دائما قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من أجل التوصل الى حل سياسي متفاوض عليه ونهائي من خلال الحوار بين الأطراف المعنية، فإن على المغرب أن يستغل هذا المعطى من أجل إبقاء هاتين الدولتين على الحياد، مع محاولة دفعهما (ودفع المكسيك أيضا) إلى مواصلة دعم الحل السياسي على أساس المفاوضات بين أطراف النزاع. وكذلك محاولة إلحاق باقي دول مجموعة دول الكرايبي (كاريكوم) التي تضم 15 دولة، بالدول التي سحبت اعترافها بالدولة الوهمية (4 دول). الأمر الذي يتطلب ديبلوماسية بإمكانها تكسير رأس الحربة التي تعتمدها الجزائر لتحقيق امتداد لدعم الانفصاليين، وخاصة إبداء نوع من المواجهة الشرسة مع كاراكاس التي تدرك جيدا كيف تتعامل مع منطقة تحكمها اضطرابات سياسية على نحو دائم.