محمد الغفري: الخط الثالث و الاختيار الرابع

محمد الغفري: الخط الثالث و الاختيار الرابع

تتداول في الحقل السياسي المغربي عبارة الخط الثالث حاملة عدة معاني أبرزها .. يقول فاعل سياسي مقدما نفسه أنه الخط الثالث ".. نحن - متحدثا عن حزبه - نتموقع بين الأصولية المخزنية والأصولية الدينية.. " ! وفي تصريح آخر قال "..نحن نتواجد على نفس المسافة من الأصولية المخزنية والأصولية الدينية و فاعل سياسي آخر يقدم الخط الثالث " ... أنه رفض لللأصولية المخزنية وللأصولية الدينية العدمية .. " !!!

وحول هذا التعريف قال متسائل عن الخط الثالث هل هدا التعريف كاف لتغطية المشهد السياسي بكامله أي: أن من اختار التماهي مع الأصولية المخزنية هو الخط الأول وأن من اختار التماهي مع الأصولية الدينية هو الخط الثاني، وأن من رفضهما معا هو الخط الثالث. و هل للمخزن وجه واحد هو وجهه الأصولي، أوَ ليس له وجه آخر بلباس حداثي؟...

ألم يعلن الزعيم الجديد لحزب الأصالة والمعاصرة أن حزبه يمثل الخط الثالث الذي هو وسط اليسار وهو الموقع الذي يريد البعض أن توضع فيه أحزاب الفدرالية تدريجيا وكأن التناقض في هذه البلاد هو مع الأصولية فقط.

وفي الجانب الآخر هل للعدمية وجه واحد فقط هو الأصولية الدينية، أوَ ليس للعدمية وجه ثاني مختلف؟

أكيد أن مثل هذا التعريف يجعل المتلقي يدرك أن هناك ( خطوطا ) !! أخرى في المشهد السياسي المغربي...

و من هنا أستنتج أن هذا التعريف لا يستوعب كل المشهد السياسي المغربي، أنه ليس دقيقا، وأن درجة الغموض فيه جد مرتفعة، و أنه إذا اعتمد المتلقي هذا التعريف فسيعتقد أن الخط الثالث هم فدرالية اليسار وأحزاب الكثلة والأحزاب الإدارية بقيادة الأصالة والمعاصرة، أي أن ممثلي هذا الخط يوجدون بين الأصوليات. إذا لا بد من تعريف دقيق لمجمل المشهد السياسي يرفع من درجة الوضوح و يوضع اختيارات.

المشهد السياسي المغربي تهيمن عليه مؤسسة واحدة لا غير، هي المؤسسة الملكية لا الحكومة ولا البرلمان ولا أي مؤسسة أخرى تنتج فعلا سياسيا خارج إرادة المؤسسة الملكية. وعبارة المؤسسة الملكية تبدو حداثية أكثر من الواقع، فالواقع يقول مازال المخزن العتيق هو الفاعل السياسي والاقتصادي والثقافي والديني والرياضي الأول.

المخزن هو الملك وكل أجهزة الدولة ومؤسساتها ومن يدور في فلكه ويبحث عن الرضى والامتيازات من مثقفين وفنانين وسياسيين وغيرهم من المنتفعين. كل هؤلاء هم المخزن وهم فوق الدستور وفوق القانون بما فيهم أحزابه السياسية التي أسسها لخدمته ولتأتيت المشهد السياسي بتعددية حزبية لا تعددية سياسية، بل واستطاع المخزن استقطاب من رحم المجتمع انتهازية حداثية وانتهازية ملتحية، وظل هذا المخزن متفردا في التحكم وإغلاق الحقل السياسي. ولم يثق أبدا إلا في الكيانات السياسية التي صنعها بنفسه أما تلك القادمة من رحم المجتمع أي من الشعب فظل يعمل على الاستقطاب منها وتشجيع انشقاقها والعمل على إضعافها.

أمام هذا الوضع السياسي المغلق والمتحكم فيه. كيف تفاعلت مختلف الهيئات والتيارات السياسية والحقوقية والثقافية القادمة من رحم الشعب المغربي مع هذا الواقع ؟

يمكن أن نصنفها جميعها إلى ثلاثة أصناف، وبالتعبير الدقيق إلى ثلاث اختيارات:

الإختيار الأول:

قرر أصحاب هذا الاختيار أن التغيير في البلاد لن يأتي إلا من فوق، أي من الملك، وأن مصير الملكية مرتبط بتحديثها لنفسها ومارسوا سياسة القبول عن مضض بكل ما يأتي منه وفي أحسن الأحوال تستعمل سياسة المناشدة أو طلب التحكيم، ويوجد ضمن هذا الاختيار أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم و الاشتراكية. وهي أحزاب أصبحت تتنافس مع الأحزاب التي صنعها المخزن على خدمة الملك، ولأنها لا أمل لديها في الشعب لم تراهن عليه لا في حركة 20 فبراير ولا قبل ذلك، بل اصطفت إلى جانب المخزن هي والأحزاب صنيعة المخزن، وأعلنت صراحة أنها ضد حركة 20 فبراير وسارعت إلى التصفيق لخطاب 9 مارس، وعتبرت آنذاك أن الخطاب وضع المغرب في صف الدول الأكثر ديمقراطية وحداثة.

الإختيار الثاني:

قرر أصحاب هذا الاختيار أن لا أمل في المخزن، ولا أمل في التغيير من فوق، و لا أمل في هذا النظام ووجب تغييره بنظام آخر. وأن السبيل إلى ذلك هو الثورة أو القومة حيث راهنوا على ثورية الشعب وأنه شعب ثوري سيثور غدا على حاكمه أو على قومة الشعب، وأن القومة لم تخلف موعدها في 2006 وإنما أجلت فقط وهي قادمة لا محالة. ونزلت تيارات هذا الاختيار إلى الشارع إلى جانب حركة 20 فبراير ودعمتها، واعتقد تيار أن الشعب ثار ثورة لا رجعة فيها ولوح بالاعتصام و رفع شعار إسقاط النظام، بينما تيار آخر جند ما استطاع من أتباعه للقيام بالقومة التي قد تحمل ( الخليفة المدني ) إلى الحكم.

الاختيار الثالث:

ظل هذا التيار في الساحة السياسية يعلن تناقضه التام مع المخزن في اختياراته اللاديمقراطية و مجمل سياساته الداخلية و الخارجية إلا في موضوع الصحراء، و ظل يناضل من أجل دمقرطة النظام من خلال الاختراق التدريجي و المستمر للخطوط الحمراء كما راهن على الشعب رغم إيمانه أنه تغيب عنه في المجمل الثقافة الديمقراطية لكنه ناضل من أجل تعبئته في الإضرابات العامة و القطاعية و من خلال مختلف الحركات الاحتجاجية بواسطة الجمعيات الحقوقية و الثقافية و تنسيقيات الغلاء و تنسيقية الأحياء و جمعيات الأحياء و جمعيات الآباء و الإطارات الطلابية و الشبابية و النسائية علما أن الاختيار الثالث يستقطب أحيانا في محطات معينة أو ملفات مختلفة مناضلين و تنظيمات موازية تنتمي للاختيار الأول و الثاني

و اعتبر الاختيار الثالث أن ضغط الشارع على النظام في محطات معينة ستجعله يقدم تنازلات، أي أن الاختيار الثالث قرر النضال من أجل دمقرطة الدولة و دمقرطة المجتمع مع استعداد مناضليه المستمر لتأدية ثمن هذا الاختيار. وبدا اختيارهم النضالي يعطي ثماره في الشارع المغربي.

اختراق الخطوط الحمراء و ضغط الشارع.

سأقدم هنا أمثلة مختلفة واقعية عن اختراق الخطوط الحمراء و أمثلة عن الضغط بواسطة الشارع تلك التي أعطت نتائج ملموسة:

1* صرح المرحوم الحسن الثاني في حوار مع الصحافة الفرنسية أنه لا وجود لمعتقل تازمامارت . لكن اصرار المناضل محمد بنسعيد ايت يدر على طرح سؤال تزمامارت في البرلمان المغربي جعل الموضوع يأخذ منحى آخر من إنكار الوجود إلى تحسين ظروف الاعتقال ثم إلى إطلاق سراح معتقلي سجن تازمامارت...

2* كان سن الرشد وبالتلي التصويت في المغرب هو 20 سنة و طالبت الأحزاب المغربية أن يصبح سن الرشد هو 18 سنة لكن النظام رفض اقتراح احزاب المناشدة، لكن عندما قبل النظام بالاستفتاء في الصحراء بشروط الأمم المتحدة و من ضمنها اعتماد سن 18 سنة، استشهد النائب البرلماني أحمد السباعي بهذه النازلة و طالب بالمساواة بين المغاربة في الصحراء و غير الصحراء مما جعل النظام يتراجع و يقبل بتغيير سن الرشد من 20 سنة إلى 18 سنة.

3* كانت مدونة الأحوال الشخصية تكتسي قدسية دينية غير قابلة للتغيير و المراجعة، و استطاع اتحاد العمل النسائي و عموم مناضلي اليسار تعبئة المجتمع و جمع مليون توقيع من نساء و رجال من أجل تغيير مدونة الاحوال الشخصية و كانت عملية جمع التوقيعات و فتح نقاشات مع المواطنين فعل من أجل دمقرطة المجتمع و استطاع جمع مليون توقيع و غيرت المدونة.

4* تجربة تنسيقيات الغلاء التي لعبت دورا مهما في تعبئة الجماهير و نوعيتها حول حقوقها الاقتصادية و الاجتماعية و استطاعت اخراج المغاربة إلى الشارع للتضامن مع أنفسهم و النضال من أجل حقوقهم الاقتصادية و الاجتماعية في حين كانوا في السابق لا يخرجون إلا في القضايا الفلسطينية أو العربية و ساهمت نضالاتها منذ 2006 إلى 2011 في الضغط على النظام الذي رفع دعم صندوق المقاصة من 16 مليار درهم إلى 50 مليار درهم و بفضل ضغط التنسيقيات لم تستطع الحكومات السابقة اتخاذ مجموعة من القرارات التي كانت تخطط لها أنذاك بل بفضل الثقافة الاحتجاجية التي عممتها تنسيقيات الغلاء كمطالبة بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية إلى النضال من أجل الحقوق السياسية عامة. و خرجت الساكنة في البوادي و المدن الصغيرة للنضال من أجل الحقوق السياسية عامة، و خرجت الساكنة في البوادي و المدن الصغيرة للنضال من أجل قضايا تبدو بسيطة لكنها مهمة و حققت فيها مكتسبات كانت بعضها تريد مدرسة أو قنطرة أو مستشفى.

5* طالبت أحزاب المناشدة بتعديل دستوري و ظل النظام يعمل على التحكم في المشهد السياسي و إعداد حزب الأصالة و المعاصرة لذلك، وجاءت حركة 20 فبراير باحتجاجاتها تعديلا دستوريا تحت ضغط الجماهير و لأن مطلب الديمقراطية لم يكن مطلب عموم الشعب المغربي نظرا لغياب التأطير السياسي و الحقوقي و الثقافي و غياب الثقافة الديمقراطية و تغلغل القوى المحافظة في المجتمع لم تستطع الحركة تحقيق مطالبها العشرين و التي مازالت على رأس الملف المطلبي للإختيار الثالث.لكنها استطاعت فرض تعديل الدستور وأعطت للشارع قوته المطلبية.

6* ملف وقفات التنورة (الصايا) والدي بضغط الجماهير تم تبرئة الفتاتين وكان من الممكن ان يحاكما بمنطق قروسطي طالباني

7* ضغط الجماهير في الفضاء الازرق أدى إلى إلغاء زيارة داعية سعودي للمغرب بل ونفت الجهة المستدعية انها وجهت له الدعوة.

8* ابرز مثال عن الاختيار الثالث من رحم المجتمع هو ملف نضال الأساتدة المتدربين من اجل ‫‏إسقاط المرسومين في الوقت الدي لم يصمد الطلبة الاطباء في نضالاتهم ضد القرارات الحكومية المجحفة في حقهم وفي حق قطاع الصجة ..تصاعدت وثيرة احتجاجات ‫‏الاساتدةالمتدربين وقطعت الآن أشواطا مهمة في استقطاب الرأي العام المغربي والمناضلين من الاختيار الثالث والثاني بل ومن أحزاب المناشدة وهي الان تتقدم في اتجاه تحقيق مطالبها وأسقطت قسم رئيس الحكومة الملتحية والغي فعل المرسومين على هدا الفوج على الأقل.

إذن الاختيار الثالث وإن شاء البعض أن يسميه الخط الثالث هو الإختيار الذي رفض أن يساير النظام السياسي اللاديمقراطي و رفض أسلوب المناشدة لأنه يعلم درجة تخلفه و تبعيته للإمبريالية العالمية و تشبته بالبنية التقليدية الفاسدة رغم ارتدائة لباس و لغة حداثية ورفض كذلك فكرة إسقاط النظام لما سيجر ذلك على بلادنا من تطاحن و تناحر قبلي و عرقي و مذهبي قد تؤدي إلى عكس النتائج المرجوة بل ستجعلنا نحِن للواقع الحالي رغم بؤسه الديمقراطي، واختار النضال من أجل دمقرطة الدولة و دمقرطة المجتمع و ذلك بالضغط على الملكية من أجل أن تتخلى بنفسها عن البنية المخزنية التقليدية الفاسدة وتتجه نحو المأسسة والاحتكام للدستور و احترام القانون و جعله فوق الجميع و النضال من أجل تغيير ميزان القوى لتحقيق الملكية البرلمانية و في نفس الوقت و بدل الرهان على ثورية الشعب و التي هي وهم نظرا لغياب الثقافة الديمقراطية نظرا لإفساد النظام للمدرسة العمومية و الإعلام الرسمي منذ عقود و الرهان بعد ذلك على العمل وسط المجتمع بتعبئته للوعي و للنضال و الاحتجاج من أجل حقوقه الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و البيئية.

ذلك هو الإختيار الثالث أو الخط الثالث الذي لم ييأس النظام من محاولات اختراقه و على الأقل استقطابه إلى الاختيار الأول كما فعل و نجح مع القيادات النقابية أو على الأقل لجمه و إلهائه بالتناقضات الداخلية الصغيرة في صفوفه.

لكن للأسف لا تكفي الشعارات و البيانات و الخطب و المواقف الجريئة لتحقيق أهداف الاختيار الثالث لا بد من بنية تنظيمية قوية و هذا لن يتأتى إلا باعتماد الديمقراطية الداخلية التي بدأت تتراجع داخل مختلف تنظيمات و هيئات هذا الاختيار هو في حاجة دائما الى تجديد عرضه السياسي و أيضا إلى تجديد آلياته و فلسفته التنظيمية و بالاستماع إلى نبضات الفروع و احتجاجاتها الصامتة أو السلبية,أحيانا و الثريت في إصدار الأحكام التنظيمية المركزية و العمل على ترجمة قرارات و توصيات المؤتمرات الوطنية والانتهاء مع الريع السياسي و الاعتماد فقط على ما يصطلح عليه ( بالسبروة ) أي الترشيح المباشر والتصويت السري للمناضلين من الجهاز القاعدي إلى الجهاز القيادي و ربط المسؤولية بالمحاسبة و ان تكون القوانين التي أفرزتها المؤتمرات تسري على الجميع قيادة و قواعد و تشجيع المبادرات المحلية ومبادرات اللجن الوظيفية و أن لا تصبح المحطات التنظيمية المحلية و الجهوية محطات لتصفية الحسابات الصغيرة بل محطة للإرتقاء بما تراكم إلى وضع أرقى و أن يكف الأفراد المنتفخي الذوات عن اعتبار أن التنظيم لن تقوم له قائمة إلا إذا كانوا هم في المسؤولية و التسيير وأن يؤمن الجميع أن التشبيب و التأنيث هما وسيلة فعالة لضخ دماء جديدة وأفكار جديدة لتقوية التنظيم وتحديثه ودمقرطته وأن العرض السياسي الجيد لن يخرج من خلف جدران المقرات إلا بتنظيم ديمقراطي تسمع فيه القواعد صدى صوتها في قمته وان يكون للتنظيم السياسي لسان إعلامي يعرف من خلاله الشعب مواقف وبرامج والمشاريع السياسية للاختيار الثالث.

وبدل قطاعات داخلية لا يتجاوز صداها جدران المقرات . هو في حاجة الى امتدادات موازية في المجتمع بواسطة الشباب والطلبة والنساء والعمال والحقوقيين والمثقفين وجمعيات الأحياء والمجتمع المدني وبدون هده التنظيمات الموازية لن يكون هناك امتداد ينتج تعبئة ديمقراطية داخل المجتمع .

الاختيار الثالث أو الخط الثالث ليس في حاجة لمن يدافع عنه هو في حاجة إلى من يؤمن به ويمارسه بطول نفس قد نؤدي الثمتن لكنه السبيل الأنجع للانتقال بالبلاد نحو الدمقرطة.

الخط الرابع او الاختيار الرابع

الاختيار الرابع هو ان تتبنى الاختيار الثالث على مستوى الأفكار والشعارات والبيانات والخطب وان لاتقوم بالخطوات اللازمة لترجمة الفعل وسط الجماهير تارة بالقرار التنظيمي وتارة بتوزيع التهم المجانية على النوايا وعلى الفاعلين الميدانيين حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة.

الخط الرابع هو رفع شعارات ترتفع فيها درجة الغموض مما يؤدي الى لجم الفعل لانه لا يمكن ترجمة شعار غامض إلى فعل الخط الرابع هو الانتظارية ولجم الفعل السياسي ورهن التنظيم رهن اشاراة المجهول.