أنس العاقل: أيها المشككون في المبادرات الإنسانية افعلوا شيئا أو اصمتوا..

أنس العاقل: أيها المشككون في المبادرات الإنسانية افعلوا شيئا أو اصمتوا..

بعد انتشار صورة الطفل السوري "آيلان" الذي لفظه البحر بتركيا غريقا ميتا أثناء هروب عائلته من رحى الحرب بسوريا نحو اليونان في قارب صغير على "شاكلة" قوارب الهجرة السرية نحو الضفة الأخرى، تحركت العديد من الشعوب والمنظمات والجهات عالميا لدق ناقوس الخطر مرة أخرى، فكل سوي شاهد الصورة أحس بألم  يعتصر قلبه وأدرك أن آلة الحرب تمحق الضعفاء والأبرياء قبل أن تصل إلى المتسببين الرئيسيين "مباشرة أو بشكل غير مباشر" في فتيل النزاع. وبعد انتشار صورة الطفل آيلان عبر وسائل الإعلام والإنترنت تحركت قلوب المغاربة لصورة "آيلان" وهو يفقد حقه في الحياة بتلك الطريقة المؤلمة والمهينة للبشرية، واختار بعض الفنانين والإعلاميين أن يطلقوا مبادرة حملة التضامن مع قضية الطفل "آيلان" بطريقة رمزية يوم الاثنين 7 شتنبر 2015، إذ  شاركوا في تظاهرة على شاطئ العاصمة بالرباط تم وصفها بـ "صوت الأرض"، وظهروا وهم يلبسون لباسا مشابها لباس الطفل "آيلان"، كما قاموا بمحاكاة الوضعية التي التقطت فيها الصورة المنتشرة للطفل "آيلان".

 

"أنفاس بريس" اتصلت بالفنان "أنس العاقل" أحد المنظمين والمنسقين والمشاركين  في تظاهرة "صوت الأرض" وكان معه هذا الحوار.

ما هي دواعي فكرة تنظيم تظاهرة صوت الأرض؟

لقد صدمنا كما صدم الرأي العام العالمي بصور اللاجئين السوريين إلى أرووبا، وبجثثهم التي يلفظها البحر يوما بعد يوم. كما صدمنا أيضا بموقف الرفض الذي قوبل به أولئك اللاجئون من طرف الدول المستقبلة هناك. إنهم ليسوا مهاجرين سريين، بل هم مطالبون باللجوء الإنساني قبل اللجوء السياسي لأنهم هاربون من الموت يطلبون فقط حقهم في الحياة. ولقد كانت صورة الصبي "إيلان" وجثته الملقاة أمام شاطئ البحر بمثابة الشرارة التي أشعلت غضبنا واستفزت إنسانيتنا. في لحظة من اللحظات، شخصيا، أحسست باللاجدوى من الوجود في هذه الحياة ما دمت لم أستطع أن أفعل شيئا من أجل إنقاذه. وجدت صديقي الفنان السينوغراف طارق الربح يعبر عن استنكاره وهو ينشر صورة الطفل "إيلان"، لذلك اتصلت به وقررنا أن نتصل بالفنانين والصحفيين ومختلف الفعاليات لننظم شكلا احتجاجيا فنيا يختلف عن الأشكال الاحتجاجية التقليدية.

ماهي ظروف اكتمال التصور أو فكرة تطبيق هذا الشكل من أشكال الاحتجاج وكيف تجاوب الفنانون والصحفيون الذين اتصلتم بهم مع الفكرة؟

 كان اقتراح طارق الربح أن نصبح كلنا "إيلان" وأن ننبطح أرضا ونحن نلبس نفس ملابسه. أنشأنا مجموعة على الفايسبوك وبدأنا باقتراح الفكرة على الزملاء من الفنانين، تجاوب بعضهم مع الاقتراح وتحمس البعض الآخر بشكل كبير. التحق بنا بعد ذلك الممثل والمخرج عماد فجاج ثم التحقت الفنانة والممثلة لطيفة أحرار بالمبادرة، بل وتحمست لها بشكل كبير. بعد ذلك كونا خلية للاتصال بالفنانين والصحافة، ووقع اختيارنا على شاطئ الأوداية كمكان للاحتجاج. كان بودنا أن ننظم التظاهرة على الضفة الجنوبية من المتوسط بطنجة على الأقل، حتى يكون خطابنا خطابا من جنوب المتوسط إلى شماله، لكن العملية لم تتيسر بحكم ارتباطات مجموعة من المشاركين في التظاهرة. لذلك، تعاملنا مع العملية في بعدها الرمزي، فنحن بلد متوسطي ننتمي إلى جنوبه، وإذا نظمنا التظاهرة في أي مكان بالمغرب فستحمل معها حمولتها المتوسطية.

لماذا اختيار اسم صوت الأرض؟ هل لأن الطفل "إيلان" ظهر في الصورة الشهيرة وهو مرمي على الأرض؟

سمَّينا التظاهرة بصوت الأرض لأننا أردنا أن نعبر عن انتمائنا للأرض قبل كل شيء، وهذا الانتماء يلزمنا بأن ننحاز للجانب الإنساني بداخلنا قبل أي جانب آخر. أردنا أن ننصت لصوت الأرض التي ضاقت بكل أولئك الذين رفضهم الإنسان فحملتهم بداخل رحمها. كأن الأرض تحتج من خلالنا.

هناك من سيعتبر تظاهرة صوت الأرض كما سميتموها، تقليدا لمبادرات تمت إقامتها في أرووبا. فما هو ردُّك؟

 حينما فكرنا في الأمر لم تكن هناك أية مبادرة بهذا الشكل على مستوى العالم، ولم نكن نفكر أن نحقق السبق لأن هذا النوع من التفكير يليق بتجار القضايا الإنسانية ولا يمكنه أن يليق بالفنانين الحقيقيين. لقد كان الاقتراح الأولي بأن ننظم شكلنا الاحتجاجي أمام مبنى البرلمان أو أمام مقر المفوضية الأوروبية، لكن الزميلة لطيفة أحرار اقترحت أن ننظم الأمر على شاطئ البحر كي يكون إعادة تمثيل جماعية لمشهد الطفل الذي لفظه البحر. إننا أردنا أن نصبح كلنا ذلك الطفل. أما وقد تم تنفيذ ذلك الشكل الاحتجاجي في أمكنة أخرى فنحن لا يهمنا، حبذا أن نقلد بعضنا في المبادرات الإنسانية وأن يصبح تقليدنا معديا يصيب كل من مسه بهوس التقليد.

تسربت أخبار تفيد أن بعض الفنانين رفضوا المشاركة وتحفظوا عن الفكرة. كيف تجاوب الفنانون مع المبادرة ؟

 لقد تجاوب معنا العديد من الفنانين وأكدوا حضورهم لكن بعض الانشغالات المهنية والأسرية منعتهم من الحضور في آخر لحظة. لكنني أود أن أشكر الزملاء الذين حضروا كالفنانة سعيدة فكري، والممثلة وسيلة صابحي، والممثل عادل أبا تراب، والمخرج محمد الحر، والممثل والمخرج أمين ناسور، والمخرج سعيد عامل، والمغنية والمنشطة التلفزيونية حليمة العلوي، والمغني والممثل فصيل العزيزي، الممثل علي البوهالي، والممثلات هاجر الحميدي، رجاء خرماز، فاطمة الزهراء أحرار، إيمان صامت...ومجموعة من الصحفيين والإعلاميين الذين غطوا التظاهرة وتفاعلوا معها بشكل كبير.

مع انتشار صوركم في التظاهرة عَجَّت صفحات الفايسبوك بالتعليقات المنتقدة للتظاهرة، وهناك من نعتها بمجرد وسيلة لتلميع صورة الفنانين المشاركين وهناك من وجه لكم سؤال : لماذا لم تتضامنوا مع كل أولئك المغاربة الذين لفظهم البحر وهم يحاولون عبور المتوسط بحثا عن لقمة العيش؟ ولماذا لم تساهموا في إنقاذ أولئك السوريين اللاجئين عندنا والذين يعيشون في ظروف لا إنسانية؟. كيف تجيب عن هذه الأسئلة؟

 أولا: إن مجرد مشاركة فنان في تظاهرة إنسانية أمر يجب أن نصفق له وأن نشجعه. أن يستغل الأمر من أجل تلميع صورته هذا الأمر يحدث في كل دول العالم، هناك من يسعى إلى تلميع صورته، وهناك من يؤمن حقا بقضية معينة. ونحن لا نحاسب النوايا. يكفي أن الفنان منح صورته لقضية عوض أن يمنحها لمنتوج إشهاري. يجب أن يظهر الفنان في الصورة لكي تخلق القضية متابعة، وهذا أمر محمود...أم أنكم تريدون مشاركة الفنانين بالنقاب؟ بالنسبة للتضامن مع المغاربة فقط فهذا نوع من العنصرية، عندما تنتمي للإنسانية فأنت تنحاز لها في أي موضع في العالم. وقضية اللاجئين السوريين تستحق حقا الانخراط فيها، لأنهم ليسوا مجرد طالبين للقمة العيش، بل هم يطلبون الحق في الحياة. على الأقل، لسنا في المغرب في حالة حرب، وليست هناك ظروف تستحيل فيها حياة الإنسان. إننا عندما نتضامن معهم فنحن نتضامن مع الحق في الحياة قبل كل شيء. لقد كان المتوسط عبر التاريخ فضاء للهجرة، ولقد استقبلنا طيلة تاريخنا أفواجا من المهاجرين بالشمال أثناء طرد المسلمين بالأندلس، وأثناء الحروب الأهلية...لماذا يغلق الشمال أبوابه في وجه طالبي الحق في الحياة. إنني أعرف تمام المعرفة الشعب السوري وتشبثه بوطنه، إنهم ليسوا من شعوب "الدياسبورا"، وعندما تركوا وطنهم فلأن ظروفا قاهرة منعتهم. ثم إن كل المهاجرين السوريين طالبي اللجوء هم إما من اليد العاملة المؤهلة أو من الأطر العليا، وبإمكانهم حل أزمة العديد من الدول الأوروبية التي تعاني من خصاص مهول في اليد العاملة المؤهلة.

يبدو أنك متتبع جيد لأحوال المهاجرين السوريين.. هل ينطبق أمر "اليد العاملة المؤهلة أو من الأطر العليا" على السوريين النازحين للمغرب وكيف تقيِّم وضعيتهم؟

السوريون الموجودون هنا بالمغرب مشكلتهم لا تتعلق بالحق في الحياة كما أولئك الذين يلفظهم البحر، إنما هي قضية العيش بكرامة وهي مسألة تتجاوز إمكانيات الفنانين ولا يمكنها أن تحل بمبادرات معزولة، فالأمر يحتاج إلى تدبير على مستوى الدولة .لكن، يمكننا أن نشير إلى ضرورة الاهتمام بتحسين ظروف عيشهم.

بماذا تردُّ على كل من يشكك في هذه المبادرة ذات الطابع الإنساني؟

أود فقط أن أقول لكل أولئك الذين يشككون في نوايا كل مبادرة إنسانية أن يفعلوا شيئا أو يصمتوا. عوض التشكيك يمكنهم القيام بمبادرة أفضل. أن تمر إلى الفعل عملية ساحرة، ولو كان مجرد فعل صغير. عندما تستلقي لمدة ربع ساعة فوق الرمل الرطب في وضعية غير مريحة لعمودك الفقري...أنذاك فقط يمكنك أن تدرك هول فاجعة من قضوا نحبهم بالبحر في سبيل البحث عن أرض تكفل لهم الحق في الحياة. نعم...لقد قمنا بفعل صغير، لكنه أفضل من الخواء.