عبد الكبير طبيح: لماذا يحتج المحامون على مشروع تعديل قانون المحاماة

عبد الكبير طبيح: لماذا يحتج المحامون على مشروع تعديل قانون المحاماة عبد الكبير طبيح
شاءت الظروف ان يحرر هذا المقال الذي يتناول المس باستقلال المهنة في يوم عيد تقديم وثيقة الاستقلال.
 يتابع الرأي العام القلق الكبير والمتزايد الذي يعبر عليه المحامون والمحاميات بعد اطلاعهم على نسخة مشروع القانون الجديد المتعلق بمهنة المحاماة الذي تريد الحكومة ان يحل محل القانون الجاري به العمل اليوم. والذي لا زال حديث العهد باعتباره دخل الى حيز التطبيق في سنة 2008. وهو ما يطرح السؤال الذي لم تقدم عليه هذه الحكومة أي جواب. وهو لما تريد هذه الحكومة إلغاء القانون الحالي ووضع قانون جديد لمهنة المحاماة ؟
 
ومن المفيد توضيح أسباب هذا القلق من أجل تعطيل أية محاولة التلاعب بالرأي العام. وتقديم المحاميات والمحامين بكونهم يدافعون فقط على مصالحكم الشخصية. بينما الأمر بخلاف ذلك على الإطلاق لان مشروع القانون لا علاقة له بأتعاب المحامي. علما ان أتعاب المحامي هي الأكثر مراقبة في كل الأجور. لأنها تخضع لأربع أنواع من طرق للمراقبة وهي:
 
الأولى هي مراقبة الموكل مع محاميه الذي يمكنه أن يوافق او لا يوافق عليها. المراقبة الثانية هي سلطة النقيب في تحديدها في حالة الخلاف بين المحامي وموكله. المراقبة الثالثة هي محكمة الاستئناف التي تراقب ما يقرر النقيب. المراقبة الرابعة هي محكمة النقض التي تراقب ما تقرره محكمة الاستئناف.
 
لذا فإن كل من يريد ان يؤول احتجاج المحامين وكأنه دفاع على المصالح الشخصية للمحامي فعليه ألا يذهب الى ذلك المذهب لأن حقيقة الخلاف مع المشروع هو انه:
1- ألغى مبدئي حرية واستقلالية مهنة المحاماة. وألحقها بوزارة العدل.
2- ألغى حصانة الدفاع على المحامي عندما يكون يدافع على المواطن. وجعله تحت سيف التهديد بالعقاب الجنائي.
3- قلص مرة أخرة من مهام المحامي.
4- خلف طبقتين من المحامين واحدة خاضعة للقانون المغربي والأخرى خاضعة لوزير العدل وحده.
5- شجع على السمسرة في جلب الزبناء.
 
وحتى يكون هذا المقال أكثر وضوحا سيتم تناول هذه الإشكالات الخمس باختصار لكي تتضح الصورة قدر الإمكان.
 
بخصوص ضرب حرية واستقلال مهنة المحاماة
إن مبدئي حرية واستقلال مهنة المحاماة اكد عليهما الظهير بمثابة قانون الصادر في 10/09/1993 في فصل الأول الذي كان ينص على ما يلي:
"مهنة المحاماة حرة مستقلة تساعد القضاء في تحقيق العدالة والمحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة القضاء.
هذا المقتضى لم تقرره لا حكومة ولا برلمان. وإنما قررته إرادة ملك وحرص على النص عليهما بمقتضى ظهير بمثابة قانون في إطار الصلاحيات التي كان يعطيه له الدستور آنذاك. وهو جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني.
ولهذا يصبح السؤال حول الأسباب التي دفعت الحكومة الى إلغاء هذه المبادئ الكبرى سؤالا مشروعا.
 
ان مبادرة الحكومة لتقنين وللـتأسيس لتبعية مهنة المحاماة الى وزارة العدل. وجعل هذه الوزارة وصية على مهنة المحاماة, تتناقض مع الارادة السياسية للدولة والمجتمع والتي رحبت بإقرار استقلال السلطة القضائية و استقلال النيابة العامة على وزارة العدل. وهو الاستقلال الذي يعتبر نموذجا في الطريق الصحيح لتثبيت دولة الحق والقانون.
وأن أوجه ضرب مبدئي حرية المهنة واستقلالها يتجلى للعيان من الوقوف على كون القانون الحالي كما كان سابقيه من القوانين التي نظمت مهنة المحاماة , لا يذكر وزارة العدل إلا ما يقرب من 3 مرات فقط: الأول عندما يتناول تنظيم امتحان شهادة الأهلية. والثانية عندما يتناول حق كل نقابة على حدة في تبليغ الوزارة جدول المحامين المسجلين لديها. والثالثة تتعلق بالأذن لمحامي أجنبي بالممارسة في المغرب.
 
لكن عندما نعود الى قراءة المشروع المقدم من قبل الحكومة يتبين منه ان وزارة العدل أصبحت تتدخل في مهنة المحاماة, ليس 3 حالات. كما كان الحال في كل القوانين السابقة. بل تم توسيع الحالات التي تتدخل فيها لتصبح  22 حالة. ابتداء من التمرين. مرورا باليمين. وبتحديد واجب الانخراط. وتنفيذ قرارات الـتأديب. وبوجوب تبليغها قرارات وإجراءات لا علاقة للوزارة بها.
 
لكن الحالة الأخطر هي المتمثلة في سلب سلطة مجالس الهيئات على جدول المحامين المسجلين لدى كل هيئة. وعلى حقه في وضع الارقام التي يرتب بها المحامون بحسب اقدمية كل واحد في الهيئة المسجل بها. وقام مشروع القانون بإسناد مهمة نشر و ترقيم لكل محامين بالمغرب الى وزارة العدل.
 
هذه مجمل الحالات التي ستتدخل فيها وزارة العدل في شؤون مهنة المحاماة. وهي حالات مستحدثة لم يسبق لأي قانون ان سمح بها لهذه الوزارة.
 
حول إلغاء حصانة الدفاع
من المعلوم وطنيا ودوليا إن حصانة الدفاع لا تعني حصانة المحامي من الخضوع للقانون. خلافا لما يروج له بكل سوء نية. بل إن المحامي في حياته الخاصة هو خاضع للقانون مثله مثل جميع المواطنين وليس له أي حصانة عندما يخالف القانون في حياته الخاصة.
 
فحصانة الدفاع هي مقررة لحماية عمل المحامي عندما يكون يدافع على المواطن سواء في مذكراته الكتابية. وفي مرافعته الشفوية. فهي حصانة ليس مطلبا خاصا بالمحامين بالمغرب بل هي منصوص عليها في كل الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب. وغيرها من الاتفاقيات. وهي تعتبر من الركائز الأساسية لدولة الحق والقانون.
 
فحصانة الدفاع في قوانين بلدنا, هي مثل مبدئي حرية و استقلال مهنة المحاماة ,أكد عليها  وحصنها الظهير بمثابة قانون المؤرخ في 10/09/1993. وليست مطلبا جديد للمحامين.
 
وإذا ما أرادت الحكومة ان تتراجع على ما كفله الظهير بمثابة قانون المشار إليه أعلاه لمهنة المحاماة من مبادئ, فإنه يقع على عاتقها تقديم المبررات القانونية والواقعية التي تبرر ذلك التراجع. لا أن تكتفي بما ورد في مشروعها.
قد ترد الحكومة على أنها لم تلغ حصانة الدفاع لأن المشروع نص عليها في المادة 77 منه.
 
لكن بالرجوع الى المادة 58 من القانون المتعلق بمهنة المحاماة الجاري به العمل اليوم والتي نقلت عن نفس المقتضيات التي تنظم حصانة الدفاع التي أسس لها الظهير بمثابة قانون الصادر في سنة 1993, يتبين منها ان تنص على حماية المحامي من أي متابعة عندما يكون يدافع على المواطن. إلا في الحالة التي يصدر عنه قذف او سب التي يحرر فيها محضر يرسل للنقيب وللوكيل العام للملك
.
لكن بالرجوع الى الفقرة الرابعة من المادة 77 من المشروع يتبين منها انه استعمل فيها الصيغة التالية:
"تحرر المحكمة محضرا مستقلا بما قد يحدث من إخلال. وتحيله على النقيب والى "الوكيل العام لاتخاذ المتعين قانونا.
 
فاختيار صيغة (ما قد يحدث من إخلال). وكأن المشروع يريد ان يعود بنا الى ظهير كل ما من شأنه. الذي ألغي منذ بداية التسعينات من قبل البرلمان بناء على اقتراح قانون مقدم من طرف فريقي الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال و بتحكيم ملكي. ما دام ان المادة 77 لم تحدد ما هو تقصده الحكومة بصيغة (الإخلال) الذي يستوجب تحرير محضر للمحامي أثناء دفاعه على المواطن. حتى لا يرتكب هذا المحامي ما سيمي بالاخلال.
 
فالحكومة لم تبين ما هو سبب إلغائها وتراجعها على ما تنص عليه المادة 58 من القانون الحالي. وما هي الأسباب التي دفعت بها الى استبدالها بما حملته المادة 77 من مشروعها.
 
وكذلك لم تفسر الحكمة لماذا أرادت الاحتفاظ بالصيغة الغامضة والتي تشكل تهديدا وتخويفا للمحامي وهو يقوم بمهمة الدفاع على المواطن.
 
وهذا التصرف هو الذي يبين ان المشروع أنهى مع حصانة الدفاع وحرم المتقاضي من الحماية التي خصه القانون الحالي بها. ولا علاقة لها بالمحامي في حياته الخاصة الذي يخضع للقانون مثله مثل جميع المواطنين.
 
حول تقليص من مهام المحامي
من الغريب الوقوف على تناقض للحكومة المتمثل في كونها لا تلتفت لتشغيل المتخرجين من كليات الحقوق إلا بنسب جد قليلة لا تتجاوز بعض المئات. بينما كليات الحقوق المتعددة في بلدنا تخرج كل سنة مئات الآلاف من حمل الشهادات العليا في مادة القانون. الذين تحتضنهم مهنة المحاماة باستيعاب العدد الكبير منهم.
 
بل ان الحكومة في سابقة من نوعها نظمت أخيرا امتحانين في سنة واحدة للولوج الى مهنة المحاماة. تكفلت مهنة المحاماة وحدها لاستيعابهم. وهم من أبناء هذا الشعب ولهم كامل الحق في ذلك. مثلهم مثلنا عندما التحقنا بهذه المهنة في السبعينات.
 
لكن التناقض المراد الوقوف عنده هو ان الحكومة في مشروعا زادت من التقليص من مهام المحامي. وبالتالي لم تترك للمحامي الذي اجرت له امتحان الولوج الى مهنة المحاماة المجال لكي يشتغل فيه.
ووجه التقليص يظهر من المادة 33 والمادة 38 من المشروع.
 
فالمادة 33 من المشروع مخالفة للدستور لأنها حرمت القاضي من مساعدة المحامي عندما يعرض على المجلس التأديبي.
 
ووجه المخالفة للدستور هو ان الفقرة الاولى من المادة 33 من المشروع حذفت حق القاضي المتابع تأديبيا في الاستعانة بالمحامي عندما يعرض أمام المؤسسات القضائية. وهو الحذف الذي يشكل مخالفة لما تنص عليه الفقرة الأولى من المادة 94 من القانون التنظيمي المتعلق بالسلطة القضائية والتي تنص على حق القاضي المتابع بأن يؤازر من قبل محام.
 
فالمفروض ان الحكومة تعلم بكون القانون التنظيمي هو مكمل للدستور و لا يجب مخالفته من جهة. وان تعلم بما تنص عليه المادة 94 المشار إليها من حق القاضي في الاستفادة من مساعدة محام. من جهة أخرى. 
 
كما ان المادة 33 أحدثت قاعدة جديد وهي ان المحامي الذي يستصدر أمرا بالحجز نيابة على موكلهم سيكون ملزما بالحصول على وكالة خاصة منه عندما يريد رفع ذلك الحجز باسمه. في مخالفة واضحة لمبدأ توازي الإجراءات. وهو مقتضى بالإضافة الى كونه سيعرقل ويطيل الإجراءات في قضايا مستعجلة. فإنه لم يسبق ان نص عليه أي قانون من قبل.
  
أما المادة 38 من المشروع فمنعت على المحامي النيابة في قضايا المسطرة الشفوية. وفي الجنح والمخالفات. وفي القضايا التي يكون طرفا فيها محام او قاض. لأن تلك المادة كتبت بالشكل التالي:
يختص المحامون بالمغرب وفقا لمقتضيات هذا القانون بتمثيل الأطراف باستثناء:
القضايا التي تطبيق فيها المسطرة الشفاية....
قضايا الجنح والمخالفات....
 
القضايا التي يكون أحد أطرافها قاضيا او محاميا
فواضح من صياغة تلك المادة ان المحامين المغاربة لا يمكنهم النيابة في تلك القضايا. ما دام لا يتصور ان تخطئ الحكومة في صياغة تلك المادة. لآن المشروع عرض على وزارة العدل و تداولت في الحكومة قبل ان تحيله على البرلمان.
 
حول كون المشروع خلق طبقتين من المحامين
بالرجوع الى المادة 35 من المشروع  يتبين منها ان هذا المشروع خلق طبقة جديدة الى جانب طبقة المحامين المغاربة. الذي يخضعون لمشروع القانون.
 
وأن ما يدفع لاستعمال عبارة (طبقة) هو ان المحامين المغاربة سيخضعون لكل المقتضيات القانونية المنصوص عليها في المشروع من تمرين وتأديب ومراقبة للنيابة العامة. وتبعية لوزارة العدل. بينما طبقة أخرى من المحامين لن يخضعوا لأي جهة كانت.لا لمقتضيات مشروع القانون ولا للنيابة العامة بالمغرب. وهي طبقة المحامين الذين سيأذن لهم وزير العدل وحده. وأعطي لهم وصف (محام مرتبط بشركة تنجز مشروعا استثماريا في المغرب).
 
فالمادة 35 لا تنص على هذه الطبقة من المحامين سيطبق عليها مقتضيات مشروع القانون. مما يؤدي الى ان هذه الطبقة من المحامين لن تخضع لمقتضيات مشروع القانون وان الحكومة ستخص المحامين المغاربة وحدهم بالخضوع اليه.
 
حول التشجيع على السمسرة
من المعلوم ان سياسة الدولة هي محاربة الفساد المالي بكل اشكاله. بل ان الدولة أحدثت مؤسسة لمحاربة الفساد المالي وشدد في معاقبة مرتكبيه.
 
ومن أوجه الفساد محاربة السمسرة في جلب الزبناء من قبل المحامي. إذ خصص لها القانون الحالي عقوبة من سنتين الى اربع سنوات حبسا. وغرامة من عشرين ألف درهم الى أربعين ألف درهم.
 
لكن بالرجوع الى المادة 170 من مشروع القانون يتبين انه اكتفى بعقوبة الغرامة فقط. لآنه خفض العقوبة الحبسية من ثلاثة أشهر الى سنة. او فقط بغرامة من 10.000درهم الى 20.000 درهم.
 
أليس هذا تشجيع على السمسرة في جلب الزبناء. ثم لماذا اختارت الحكومة هذا التخفيض في العقوبة بدون أي مبرر.