محمد نور الدين أفاية: عن جدوى الفكر أمام ارتباكات السياسة

محمد نور الدين أفاية: عن جدوى الفكر أمام ارتباكات السياسة محمد نور الدين أفاية

 

يواجه العمل السياسي صعوبات عادية نظرا لطبيعته التأسيسية التي تقتضي حل المشكلات واقتراح بدائل للانسدادات المتنوعة، والاجتهاد في تقديم خدمات للمواطن والمجتمع لحفظ كرامة الناس، وتوفير شروط حياة تستجيب لمتطلباتهم الإنسانية المعقولة، والحرص على مراعاة المصلحة العامة. غير أن هذا العمل يتعرض للانحراف كلما سيطرت على من يأتمن عليه اعتبارات فئوية أو مصلحية مكشوفة، وينحاز إلى خدمة من يمثل هذه الفئات، ويسهر على تأمين مصادر اغتنائها. وأمام ارتباكات الفعل السياسي، وتوسع الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، وتكاثر مصادر التوتر، والاكتساح الكبير للتكنولوجيات الرقمية لأهم مستويات حياة الناس، والمؤسسات، وطرق التفكير والإحساس والتواصل، ثمة "ضحايا" كثُر، أفرادا وجماعات، لا يترددون في الإعلان عن شعورهم بالاستِبْعَاد لأسباب مختلفة.

 

يتقدم الجميع إلى المشهد العام بوصفهم ضحايا، ولا أحد يجرأ على تحمل المسؤولية ما دام من يُمثلها محمي بالمال، أو بالسلطة، أو بالأمن، أو بالتكنولوجيا. لم تعد تتقدم الضحية باسم اللغة، والدين، والهوية، والجهة، والقيم فقط، ولو أن هذه الأوْجُه ما تزال تجد لها فاعلين يجهرون بأحقية "أن تكون لهم حقوق" في الاعتراف بما يشكل "اخْتِلافَ"هُم اللغوي، الديني، الهوياتي، أو الجهوي؛ بل يبدو أن القسم الأكبر من الناس؛ بل ومن البشرية عامة غدا ضحية "الاستبداد الخوارزمي" الناعم بما تمارسه، وبشكل غير مسبوق، على العقول، والمشاعر، والُمخيِّلات، وما تُنتجه "الامبريالية الرقمية" من آليات استِعْباد جديدة تعرض الشباب والفئات الاجتماعية كافة لإضعاف قدرات التركيز، والانتباه، والتعقُّل، والتذكر، والتعلُّم. تحصل هذه المتغيرات في ظل عجز السياسات العمومية، عندنا، عن الحد من التفاوتات الاجتماعية والمعرفية المتنامية، والتقصير في خلق شروط تؤمن التماسك الاجتماعي والتضامن الوطني المستدام.

 

يحدث هذه المنعطف في مجتمع مغربي يشهد اهتزازات ظاهرة لمستويات الوجود والعلاقات والقيم؛ تتمثل بعض تمظهراته في تراجع أشكال التضامن وتنامي التفردُن، في التفاوتات الاجتماعية والمجالية والمعرفية الكبيرة، في التباين الصارخ بين انتظارات المجتمع خصوصا في أوساط الشباب وبين العُروض السياسية، وفي تراجع الثقة بين الفئات الاجتماعية، وفي إضعاف الطبقة الوسطى واستنزاف مقدراتها في التزامات اجتماعية كالتعليم والصحة والنقل، لتعويض غياب خدمات عمومية يؤدون مع ذلك الضرائب من أجلها؛ كما يظهر ذلك في سطوة الاعتبارات المادية واتخاذها المعيار المحدد للعلاقات الإنسانية.

 

هذه العوامل مجتمعة أدْخَلت المغرب في خانة "المجتمعات التي لم تعد تَتجدد فيها الأجيال"، حسب تقرير المندوبية السامية لسنة 2024؛ وقد تساوق ذلك مع تنامي أدوار المرأة في المجتمع، واتساع رقعة الاختلافات الجِيلِيَة، مما نجم عنه تحول "أنثروبولوجي" وثقافي ووجداني متسارع ينفلت لاجتهادات متخصصي العلوم الاجتماعية؛ بل ويتجاوز قدراتهم على المواكبة والمساءلة والتفسير والتنوير.

 

وبالرغم من التقصير الذي يُعايِنُه المتخصصون في العلوم الإنسانية والاجتماعية أنفسهم، لم يمنع نخبة منهم من القيام بتوجيه بعض جهودها العلمية للمساهمة في التفكير الجماعي الذي تطلبه بعض مؤسسات الدولة من أجل تشخيص الأوضاع وتغيير "السياسات العمومية"، وتجويدها لتحقيق التنمية المنصفة والحد من الفوارق. غير أن المفارقة الواضحة تتمثل في كون هذه المجهودات الفكرية، وما تُنتجه من معطيات وانفتاحات التي تقدمها مؤسسات الدولة للدولة، لا تجد الأصداء المناسِبة لدى أصحاب القرار السياسي؛ بل إنها تتعرض للإنكار، والتبرير، بل ولإرادة سياسية ضيقة الأفق تتجلى في استبعاد مسؤولي هذه المؤسسات وتغييرهم؛ وكأن إجراءات من هذا القبيل كفيلة بمحو الوقائع أو التغطية عليها.

 

ولعل التقارير العديدة التي أنتجها "المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي" حول السياسات العمومية في قطاعات اجتماعية واقتصادية مختلفة، والتقرير الذي أنجزته "الهيئة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة" والصدى الكبير الذي أحدثه بكشف مصادر الفساد وكُلفته على المجتمع والاقتصاد، وما يصدره "المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي" من تقييمات ومنشورات، وغيرها من المؤسسات، يُظهر هذا الإنتاج إلى أي مدى تقوم هيئات الدولة الدستورية بمهامها التشخيصية والتنويرية، في الوقت الذي يقوم فيه المسؤولون العموميون بنهج سياسات تزيد من تفاقم الأوضاع العامة، وتكرس أسباب اليأس في أوساط الشرائح الاجتماعية المستضعفة، وبين الشباب بشكل أخص.

 

في هذا السياق نشرت "المندوبية السامية للتخطيط" تقريرا يتعرض لما أسمته "الشيخوخة المتسارعة" التي يشهدها المجتمع المغربي. وتُمثل مُعطيات هذا التقرير، من دون شك، "جرس إنذار" حقيقي لكل من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام في المغرب. فتنامي التفردن وتراجع "التضامن العائلي التقليدي"، والسياسات العمومية التي تنتج الفوارق أكثر مما تنتج مقومات التماسك والتضامن ستتسع أكثر في العقدين المقبلين، وستتزايد مظاهر الهشاشة الشاملة بالنسبة لفئة المسنين المغاربة الذين سينتقل عددهم من 5 .03 ملايين سنة 2024 إلى ما يتجاوز 10ملايين سنة 2050. علما أن هذه الفئة، حسب التقرير، تعاني من أمية كبيرة خصوصا في أوساط النساء، اللواتي يفتقدن شروط عيش كريمة وإلى قدرات أولية للوصول إلى المعلومة أو إلى استعمال الوسائل الرقمية التي أصبحت مطلوبة اليوم وضرورية في السنوات المقبلة. هذا فضلا عن ضعف التغطية الصحية، وغياب مصدر تقاعد يحفظ كرامة العدد الأكبر من المسنين.

 

انتهى تقرير المندوبية بالدعوة الصريحة إلى "مراجعة جذرية للسياسات العمومية"؛ وهي دعوة قد تبدو أنها أصبحت صيغة "إنشائية" في التداول المؤسسي المغربي بحكم أن هذا المطلب سبق للنخبة المغربية أن رفعته في تقرير الخمسينية عن "المغرب الممكن" سنة 2005، وفي التقرير حول الثروة الإجمالية للمغرب بعنوان "الرأسمال غير المادي: عامل لخلق الثروة الوطنية وتوزيعها المنصف"، الذي أنتجه "بنك المغرب" و"المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي" سنة 2016 بناء على طلب ملكي بهدف إنجاز "تغيير جذري للسياسات العمومية".

 

وأكدت الوقائع أن هذا التقرير كان مصيره الاستبعاد والنسيان، بعد عروض مُحتشمة قام بها من ساهم في إنجازه، ولم يظهر أي أثر لمخرجاته على السياسات العمومية، كما كان منتظر منه. واعتبارا لنفس الانتباه السياسي إلى صعوبات توفير شروط إصلاح فعلي ومستدام، وغياب التمكين المؤسسي، والاستفادة الجماعية المنصفة والمعقولة من الأوراش والمشاريع، دعا أصحاب القرار إلى إعادة التفكير في مآزق "النموذج التنموي" الذي ينتج من التفاوتات أكثر مما ينتج من آليات التضامن. ويظهر، مرة أخرى، أن ما اقترحه الذكاء الجماعي المغربي في "النموذج التنموي الجديد" (2021) من رافعات ومطالبة بالحاجة القصوى إلى إدخال تغييرات هيكلية (وهي الرافعات التي انحرفت عنها السياسات العمومية الجارية بشكل صارخ)، أصبح يطرح، وبوضوح شديد، مصداقية الاستمرار في الحديث عن "تغيير جذري للسياسات العمومية". والحال أن الأمر يستوجب تعبئة وطنية شاملة، علمية، وسياسية، ومجتمعية، واقتصادية لإيجاد حلول لما تحمله تمظهرات العجز السكاني والفوارق الاجتماعية الوطنية من مُعضلات، وما يمكن أن ينجم عنها من مصادر توتر ممكنة.

 

 

وإذا كان المغرب قد شهد ديناميات تنموية ظاهرة طيلة العقدين الماضيين من حيث البنيات التحتية، وتنويع مصادر الإنتاج الصناعي، ومسالك التبادل التجاري، ووسائل النقل الجديدة، والاهتمام بتغيير أوضاع بعض المدن وتدبيرها، فإن منظومة التربية والتعليم تمثل أكبر مشكلة سياسية واجتماعية واجهها ويواجهها أصحاب القرار السياسي طيلة هذه الفترة. ويشكل فتح هذا القطاع الاجتماعي الحيوي على المبادرة الخاصة الرِّبحية منزلقا كبيرا في مسار تدبير السياسات العمومية لما يتمخض عنها من اتساع رقعة التفاوتات كافة، وتفاقم الانقسام الاجتماعي، وتزايد الفوارق المعرفية.

ويبدو أن التحولات الاقتصادية والمجتمعية والقيمية التي حصلت في هذين العقدين، والخلخلة العظمى التي مارستها التكنولوجيا الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي في ميادين الاقتصاد، والمجتمع، والسياسة، والفن، والتواصل، والقيم طيلة العقود الثلاثة الأخيرة، ستزيد من استفحال الهجرة الجماعية إلى خدمات الذكاء الاصطناعي، وما تعْرضه على الناس من أجوبة ومعطيات وحلول في أزمنة قياسية، وما تُوفره عليهم من مجهودات التفكير، والتخطيط، والتركيز، والعمل. وهذا ما يطرح أسئلة مُقلقة على كل من له علاقة بالتربية والتعليم والتكوين، وعلى مناهج اكتساب التعلُّمات الرئيسية ومسارات "تعلُّم التفكير"، ولا سيما في إطار وضعية تعليمية وطنية عجز فيها أصحاب القرار السياسي عن تأمين مسار إصلاحي مُنتظم، "مُنصف، وذي جودة" (حسب ما يقتضيه الدستور)، بل وفشلوا على ضمان استقرار نسبي لمنظومة التربية والتعليم ( إذ تداول عليها خمسة وزراء في غضون عشر سنوات، لم يستمر فيها أحدهم أكثر من ستة أشهر).

 

قد يبدو الحديث عن أهمية الاستثمار في المدرسة مكرورا اعتبارا لبَداهته؛ ولكن لا مناص من التأكيد على أن واقع الحال يفترض الإقرار بوجود مُعضلة حقيقية تتمثل في تفادي مناقشة وطنية حول التعاقد المجتمعي المطلوب بخصوص وظائف منظومة التربية والتكوين في بناء مرتكزاته. وهو الأمر الذي يستلزم النظر في طرق توصيل التعلُّمات، ونقل المعارف، والبحث عن السُبل الكفيلة لاكتساب المتعلم كيف يتعلم، وكيف يُفكر، وكيف يُبادر، وكيف يُشارك، وكيف يحل المشكلات، وكيف يبني ذاتيته في تفاعل مع المعطيات الجديدة. لا أحد يمكنه ادعاء مواجهة هذه المتطلبات باستعمال الأجوبة المستنسخة، وإشهار مظاهر نقص المنظومة التعليمية ومشاكلها، وتحميل المسؤولية في ما وصلت إليه أوضاعها إلى طرف واحد. وإذا كانت للسياسي مسؤولية تاريخية كبرى في ما بلغته الأوضاع، فإنه يتعين الإقرار بأن المسؤولية يتقاسمها، بدرجات متفاوتة، كل الفاعلين في ما تعرفه المنظومة من مآزق. فالعلاقة التربوية دائما صعبة، والعملية التعليمية مُهددة، دوما، بالهشاشة مهما كانت جدارة التدبير السياسي وصدقيته؛ لكن غموض الرؤية أو تفريغها من مضامينها، كما حصل للميثاق الوطني في بداية الألفية وللرؤية الاستراتيجية (2030-2015)، حوَّل الهشاشة إلى تردٍّ، وارتقى بالصعوبة إلى مستوى استنزاف المجهودات وهدْرها، لا سيما وأن القيمة الكبرى للعملية التعليمية، اليوم، أضحت، إضافة إلى ما تعرفه من اختلالات ومصاعب، تتمثل في معاكسة المد الجارف للتكنولوجيات وما تحدثه من تشتت في الانتباه، وما تنتجه من هدر وسطحية وغش واستلاب.

 

ومن المؤكد أن هذه النقائص في المعرفة والتكوين، فضلا عن تراجع الخدمات الاجتماعية ستُفاقم مستويات انعدام شروط "تجدد المجتمع" وتزيد من نسبة الشيخوخة المتسارعة. كما أن هذا التقرير وغيره يدعو الجميع، مرة أخرى، إلى الانتباه لخطورة ما يقوم به الفعل السياسي من عمليات إفراغ مضامين ومخرجات الاجتهاد الفكري الذي تنجزه النخب الوطنية.