أنور الشرقاوي: نزيف الجهاز الهضمي.. عندما تنقذ وسائل التصوير الطبي والأشعة التداخلية أرواح المواطنين والمواطنات 

أنور الشرقاوي: نزيف الجهاز الهضمي.. عندما تنقذ وسائل التصوير الطبي والأشعة التداخلية أرواح المواطنين والمواطنات   الدكتور أنور الشرقاوي، والبروفسور بدر بوتكيوط (يسارا)
-الدكتور أنور الشرقاوي بتعاون مع البروفسور بدر بوتكيوط / المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بمراكش / عضو الجمعية المغربية العلمية للأشعة ( SMR )
 
أمام نزيف الجهاز الهضمي لم تعد الطب الحديث يكتفي بالتعامل مع حالة طارئة فقط بل أصبح بفضل التصوير الطبي والأشعة التداخلية يتحرك بسرعة ودقة وغالبا من دون مشرط. 
 إنها ثورة هادئة لكنها تنقذ أرواح المواطنين والمواكنتت كل يوم.
عندما يصل مريض إلى قسم المستعجلات وهو يتقيأ دما أو يعاني من براز أسود اللون يكون المشهد صادما دائما. 
بالنسبة للأسرة يسود الخوف والهلع وبالنسبة للطواقم الطبية ,يبدأ سباق حقيقي مع الزمن.
 
 نزيف الجهاز الهضمي من تلك الحالات الاستعجالية التي تذكرنا إلى أي حد يمكن أن يتغير توازن الجسم بسرعة .
كل سنة يدخل آلاف الأشخاص إلى المستشفى بسبب هذا النوع من النزيف. 
ورغم التقدم الكبير في الطب تبقى هذه الحالات خطيرة خصوصا عند كبار السن أو عند من يعانون من أمراض مزمنة في القلب أو الكبد أو الكلى. 
لكن الخبر المفيد أن التصوير الطبي والأشعة التداخلية radiologie interventionnelle غيرا اليوم قواعد اللعبة بشكل جذري. 
 
 فهم مبسط لماهية نزيف الجهاز الهضمي 
نزيف الجهاز الهضمي هو فقدان للدم يحدث داخل القناة الهضمية من المريء إلى المستقيم. 
ويميز الأطباء بين نوعين رئيسيين من هذا النزيف : النزيف العلوي وهو الأكثر شيوعا ويكون مصدره المريء أو المعدة أو بداية الأمعاء وغالبا ما يرتبط بالقرحة أو نزيف الأوردة لدى المرضى المصابين بتشمع الكبد. 
أما النزيف السفلي وهو أقل شيوعا فيصيب غالبا القولون والمستقيم
وغالبا ما يكون سببه جيوب صغيرة في جدار الأمعاء أو إلتهابات أو هشاشة في الأوعية الدموية.
 ما يجعل هذه الحالات خطيرة ليس فقط كمية الدم المفقودة بل أيضا سرعة النزيف وحالة المريض الصحية. 
ففي بعض الحالات ينخفض الضغط بشكل مفاجئ ويتسارع نبض القلب وقد يدخل المريض في حالة صدمة خلال دقائق قليلة. 
 المعركة الأولى تثبيت الحالة ثم تحديد مصدر النزيف 
في قسم المستعجلات تكون الأولوية دائما لإنقاذ حياة المريض. 
يبدأ الفريق الطبي بإعطاء السوائل وأحيانا نقل الدم مع مراقبة دقيقة للوظائف الحيوية.  
وبعد استقرار الحالة يطرح السؤال الحاسم من أين يأتي النزيف بالضبط. 
في أغلب الحالات يقدم الفحص بالمنظار الهضمي الجواب. 
هذا الفحص يسمح برؤية داخل المعدة أو الأمعاء بكاميرا دقيقة
وغالبا ما يتمكن الطبيب من علاج السبب في الحال.
والنتيجة أن النزيف يسيطر عليه في أغلب الحالات منذ هذه المرحلة
لكن أحيانا يكون النزيف عنيدا أو يكون قويا أو في مكان يصعب الوصول إليه. 
وهنا يدخل التصوير الطبي على الخط. 
 
 جهاز السكانير محقق حقيقي في تتبع النزيف 
بفضل التصوير المقطعي المحقون بالصبغة يستطيع الأطباء اليوم رؤية النزيف في الوقت الحقيقي تقريبا.
حتى فقدان الدم البسيط جدا يمكن اكتشافه وهو أمر لم يكن ممكنا قبل سنوات قليلة. 
السكانير لا يكتفي بالقول إن هناك نزيفا بل يحدد المكان والطريقة والوعاء الدموي المسؤول. 
وهي معلومات حاسمة للانتقال إلى المرحلة التالية وهي العلاج دون جراحة
 
 الأشعة التداخلية العلاج من دون عملية جراحية 
على عكس ما يعتقده الكثيرون لا يتعلق الأمر بعملية جراحية تقليدية.
الأشعة التداخلية هي طب دقيق جدا يقوم به أطباء أشعة مدربون خصيصا على العلاج باستعمال وسائل التصوير.
المبدأ بسيط في الفهم. 
 من خلال ثقب صغير غالبا في منطقة الفخذ يدخل الطبيب أنبوبا رفيعا داخل الشرايين.
وبمتابعة مساره على الشاشات يصل إلى الوعاء المسؤول عن النزيف. وعند الوصول يقوم بسد هذا الوعاء بدقة باستعمال وسائل دقيقة مخصصة لذلك.
النتيجة أن النزيف يتوقف من دون فتح البطن ومن دون جرح كبير ومع تعاف أسرع بكثير للمريض.
اليوم تنجح هذه التدخلات في أغلب الحالات. 
وأصبحت المضاعفات نادرة عندما تجرى هذه التقنيات من طرف فرق ذات خبرة
 
 حل ثمين للمرضى ذوي هشاشة صحية  
 
 بالنسبة لكبار السن أو المرضى الذين يعانون من عدة أمراض تكون الجراحة الكلاسيكية أحيانا ثقيلة ومحفوفة بالمخاطر . 
وهنا تمثل الأشعة التداخلية بديلا مهما أكثر تقبلا وأكثر دقة وغالبا أكثر أمانا.
وهي ضرورية أيضا عند المرضى المصابين بتشمع الكبد. 
 في هذه الحالات يكون النزيف غالبا من أوردة كبيرة ضعيفة. 
وعندما لا تكفي العلاجات المعتادة تسمح تقنية متخصصة بتقليل الضغط داخل الكبد وبالتالي تقليص خطر تكرار النزيف بشكل واضح.
 
أطباء المستعجلات وأطباء الجهاز الهضمي وأطباء الإنعاش والجراحون وأطباء الأشعة التداخلية يعملون يدا في يد. 
هذا التنسيق أصبح اليوم واقعا في عدة مراكز استشفائية جامعية مغربية.
في مستشفى الرازي التابع للمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بمراكش على سبيل المثال يستفيد المرضى من ولوج سريع إلى الفحص بالسكانير في حالات الطوارئ وإذا لزم الأمر إلى علاجات بالأشعة التداخلية داخل قاعات مخصصة.
وهو تنظيم حديث يجسد بوضوح تطور الطب نحو رعاية أسرع وأكثر دقة وأقل تدخلا. 
 
 ما الذي يجب أن نتذكره عن نزيف الجهاز الهضمي 
 نزيف الجهاز الهضمي حالة شائعة وقد تكون خطيرة خاصة عند كبار السن والمرضى الهشين .
  المنظار الهضمي يسمح بالسيطرة على أغلب حالات النزيف 
 السكانير يلعب اليوم دورا محوريا في تحديد مصدر النزيف بدقة 
 الأشعة التداخلية تتيح إيقاف النزيف دون جراحة في العديد من الحالات.
 

 في المغرب ساهم تطوير هذه التقنيات داخل المراكز الاستشفائية الجامعية خاصة في مراكش في تحسين المآل الصحي للمرضى وتقليل اللجوء إلى التدخلات الثقيلة.