سفيان الداودي: التربية الشعبية من النظرية التربوية إلى الفعل الجمعوي والتحرر المجتمعي - باولو فريري نموذجا

سفيان الداودي: التربية الشعبية من النظرية التربوية إلى  الفعل الجمعوي والتحرر المجتمعي - باولو فريري نموذجا سفيان الداودي

في البداية، لا بد من التأكيد أن هذا المقال كُتبت أسطره بهدف المساهمة في ترسيخ فهم أعمق لجزء أساسي من إرث التربية الشعبية، وذلك من خلال استحضار فكر الفيلسوف والمربي البرازيلي باولو فريري، لا بوصفه اسمًا مرجعيًا في تاريخ التربية النقدية فحسب، بل باعتباره تجربة إنسانية وميدانية نَبَتت من رحم الفقر والمعاناة، وتشكّلت داخل المدرسة والحي والشارع قبل أن تُصاغ لاحقًا في كتب ونظريات. لقد كان اختيارنا لفريري اختيارًا شخصيًا وفكريًا في آن واحد: شخصيًا لأنه تجرع وعاش ما عاشته الفئات الشعبية من إقصاء وهشاشة، وفكريًا لأنه لم يكتب عن التربية من برج أكاديمي معزول، بل من موقع المدرّس الممارس والمناضل التربوي المنخرط في قضايا مجتمعه.

لم تعد التربية الشعبية اليوم في مأمن من السؤال، ولا من المساءلة. ففي عالم يتسارع فيه الإيقاع الاقتصادي والتقني، وتتعمق فيه الفوارق الاجتماعية، ويُختزل فيه الإنسان في كفاءة أو رقم أو "مستفيد"، يبدو أن جزءًا من الفعل التربوي الجمعوي يعيش أزمة معنى حقيقية، أزمة لا تتجلى فقط في ضعف الإمكانيات أو الإكراهات التنظيمية، بل أساسًا في غياب الرؤية النقدية التي تجعل من التربية فعلًا تحرريًا لا مجرد تدبير للأنشطة.

لقد أفرزت التحولات الاجتماعية والسياسية المعاصرة واقعًا أصبحت فيه العديد من جمعيات التربية الشعبية محاصَرة بين خطابٍ تقدمي يرفع قيم المواطنة والكرامة والعدالة، وممارسة يومية تميل—عن قصد أو غير قصد—إلى التكيّف مع منطق الإنجاز السريع، والبرمجة الجاهزة، والبحث عن الاستمرارية المؤسساتية.

في هذا السياق، يتراجع السؤال التربوي الجوهري لصالح منطق التدبير، ويغيب النقاش حول الإنسان الذي نريد تكوينه، والمجتمع الذي نطمح إلى بنائه.

من هنا، يفرض فكر باولو فريري نفسه لا باعتباره مرجعًا تاريخيًا أو اسمًا لامعًا في أدبيات التربية، بل بوصفه مشروعًا نقديًا حيًا يسمح بإعادة طرح الأسئلة المؤجلة: ما معنى أن نُربي؟ لمن نُربي؟ وبأي أفق؟ فالتربية الشعبية، كما صاغها فريري، ليست نشاطًا ترفيهيًا، ولا سياسة إدماجية ناعمة، بل فعل مقاومة معرفية وأخلاقية ضد كل أشكال التهميش والتدجين.


أولًا: التوجهات الكبرى لفلسفة باولو فريري التربوية

أ- التربية كفعل تحرري في مواجهة "التعليم البنكي"
ينطلق فريري من نقد جذري لما أسماه بـ"التعليم البنكي"، حيث يُنظر إلى المتعلم باعتباره وعاءً فارغًا، وتُقدَّم المعرفة كرصيد جاهز يُودَع في العقول دون نقاش أو مساءلة. هذا النمط من التعليم، في نظره، لا يُنتج معرفة حقيقية، بل يُنتج الامتثال والخضوع وقبول الواقع كما هو، ويعيد إنتاج علاقات الهيمنة داخل المجتمع. في المقابل، يدافع فريري عن تربية تحررية تجعل من المتعلم ذاتًا فاعلة، ومن المعرفة أداة لفهم الواقع وتغييره. فالتعليم، بهذا المعنى، لا ينفصل عن السياق الاجتماعي والسياسي، ولا يمكن عزله عن سؤال السلطة والهيمنة.

التربية التحررية لا تَعِد بالخلاص الفردي، بل ببناء وعي جماعي قادر على الفعل التاريخي، وعلى تحويل القهر إلى مشروع تغيير.

ب- الإنسان ككائن غير مكتمل: التربية بوصفها أفقًا مفتوحًا
يرتكز فكر فريري على تصور مفاده أن الإنسان كائن غير مكتمل، وأن هذا اللااكتمال هو ما يمنحه القدرة على التعلم والحلم وتجاوز وضعه الراهن. فلو كان الإنسان مكتملاً، لما كانت هناك حاجة إلى التربية أصلاً. إن التربية، بهذا المعنى، ليست عملية نقل معارف، بل سيرورة مستمرة لبناء الذات والوعي. من هنا، تصبح التربية عملية مفتوحة، لا تهدف إلى إنتاج نماذج جاهزة أو مواطنين مُطابقين، بل إلى فتح أفق الإمكان، وتعليم الإنسان كيف يسائل ذاته والعالم من حوله، وكيف يحوّل هشاشته إلى قوة نقدية خلاقة.

ج- الحوار كجوهر الفعل التربوي
الحوار عند فريري ليس تقنية بيداغوجية، بل موقف وجودي وأخلاقي يقوم على الاعتراف بإنسانية الآخر، وبحقه في التفكير والخطأ والتجربة.
فالتربية التي تُقصي الحوار تُنتج الصمت، والتربية التي تُؤسس عليه تُنتج الوعي.
إن الحوار الحقيقي يزعزع يقينيات المربي والمتعلم معًا، ويجعل المعرفة نتاجًا مشتركًا لا سلطة مفروضة.
وبهذا، يتحول الفعل التربوي إلى ممارسة ديمقراطية يومية، تُدرِّب على الاختلاف، وتُنمّي الحس النقدي، وتكسر منطق التراتبية الصارمة.


ثانيًا: التربية الشعبية عند باولو فريري

أ- تربية من الواقع وإليه
التربية الشعبية، في تصور فريري، ليست تربية موجَّهة "للشعب" من موقع علوي، بل تربية منبثقة من الواقع الاجتماعي للفئات الشعبية: من لغتها اليومية، ومن تجاربها المعيشية، ومن أسئلتها العميقة. إنها تربية ترفض الفصل بين المعرفة والحياة، وتعتبر أن أي تعلم لا يرتبط بالواقع يظل معرفة منقوصة، وقابلة للتحول إلى أداة تكييف بدل أن تكون أداة تحرر.

ب- بناء الوعي النقدي (Conscientização)
الغاية المركزية للتربية الشعبية هي بناء الوعي النقدي، أي قدرة الأفراد على فهم البُنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تُنتج الظلم، وإدراك موقعهم داخلها، والتفكير الجماعي في إمكانات تغييرها. الوعي هنا ليس تراكُم معلومات، بل تحوّل عميق في طريقة النظر إلى العالم، وفي العلاقة مع الذات والآخر والسلطة.

ج- التربية الشعبية كفعل سياسي وأخلاقي
يرفض فريري فكرة حياد التربية، ويؤكد أن كل فعل تربوي يحمل موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا، سواء أُعلن ذلك أم لا.
فإما أن تكون التربية في خدمة التحرر وبناء الكرامة الإنسانية، أو تتحول—بصمت—إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الاجتماعية. إن اختيار التربية الشعبية هو، في العمق، اختيار أخلاقي إلى جانب المقهورين.


ثالثًا: التربية الشعبية داخل الجمعيات والمخيمات
تُشكّل الجمعيات التربوية والمخيمات فضاءات أساسية لتجسيد التربية الشعبية، لما تتيحه من إمكانات للعيش الجماعي، والتعلم غير النظامي، وبناء علاقات أفقية خارج جدران المدرسة. غير أن هذا الدور لا يتحقق تلقائيًا، بل يقتضي وعيًا تربويًا نقديًا لدى الفاعلين. فالمنشّط، في منظور التربية الشعبية، ليس قائدًا ولا منفذًا للبرنامج، بل مرافقًا للتجربة التربوية، ومسؤولًا عن خلق شروط الحوار، وتنمية التفكير النقدي، وربط الأنشطة بالواقع الاجتماعي للأطفال والشباب. كما أن الأنشطة—من ألعاب وورشات وممارسات تعبيرية—لا تُعتبر غايات في ذاتها، بل وسائط لبناء الوعي، متى أُدرجت ضمن رؤية تربوية واضحة ومعلنة.


رابعًا: التربية الشعبية بين العالمية والسياق المغربي
إن احتضان التربية الشعبية داخل أوروبا وأمريكا اللاتينية لم يكن صدفة، بل جاء استجابة لأزمات بنيوية عميقة:

  • فشل المدرسة النخبوية

  • تصاعد الفوارق الطبقية

  • تهميش فئات واسعة من المجتمع

في أمريكا اللاتينية، اكتسبت أفكار باولو فريري قوتها من كونها نابعة من الواقع ومنخرطة في قضايا التحرر من الاستعمار والاستبداد.

أما في المغرب، فقد تفاعلت التربية الشعبية مع سياق وطني خاص، ارتبط بسؤال بناء الدولة وتوسيع قاعدة المشاركة. وقد لعب المهدي بنبركة دورًا مركزيًا في إدخال هذا النفس التربوي، حين اعتبر أن التعليم والتربية لا ينفصلان عن مشروع ديمقراطي شامل.

من هذا الأفق، ظهرت جمعيات تبنّت التربية الشعبية كاختيار فكري وميداني، من بينها الجمعية المغربية لتربية الشبيبة (AMEJ) وحركة الطفولة الشعبية (MTC)، وساهمت في ترسيخ فعل تربوي جمعوي جعل من المخيم والحي والنادي فضاءات للتنشئة النقدية.

غير أن تنزيل هذه البيداغوجيا واجه—ولا يزال—إكراهات متعددة، من بينها:

  • هيمنة المنطق التقني والتدبيري

  • ضعف التكوين النظري للأطر

  • ضغط التمويل

  • اختزال المخيم في الترفيه

  • استمرار المدرسة في أنماط تعليمية عمودية تُقصي المتعلم من الفعل

وإذا كان هذا التشخيص يبرز حجم الإكراهات التي تواجه التربية الشعبية بالمغرب، فإن السؤال لم يعد يقتصر على: "ما الذي نُواجهه؟"، بل يتجه، بالضرورة، نحو: "ما الذي يمكن فعله؟ وبأي أفق زمني؟" من هنا تبرز الحاجة إلى تصور عملي متدرج، يربط الفكر بالفعل، ويحوّل الإرث التربوي من ذاكرة نضالية إلى مشروع قابل للاستمرار والإشعاع.

في هذا الأفق، لا يمكن الحديث عن إشعاع منظمات التربية الشعبية المغربية، داخليًا وخارجيًا، دون تصور استراتيجي متدرج يربط الفعل التربوي بالزمن وبميزان القوى الواقعي.

  • على المدى القصير: يصبح الرهان الأساسي استعادة المعنى، أي إعادة فتح نقاش داخلي صريح حول الهوية التربوية، وتحليل الممارسات اليومية، وتكثيف التكوينات الفكرية للأطر في بيداغوجيا التربية الشعبية وفكر فريري نموذجًا، مع توثيق التجارب الميدانية وتحويلها إلى معرفة مكتوبة قابلة للتداول.

  • على المدى المتوسط: يتطلب الإشعاع بناء شبكات وطنية ودولية، وتعزيز الشراكات مع الجامعات ومراكز البحث، وتطوير أدوات التواصل الرقمي متعددة اللغات، بما يسمح بتدويل التجربة المغربية كنموذج تربوي نقدي منبثق من الجنوب.

  • على المدى الطويل: يفرض الانتقال من منطق التأثير الهامشي إلى منطق الفعل البنيوي، عبر المساهمة في صياغة السياسات العمومية في مجالات الطفولة والشباب، وفرض التربية الشعبية كخيار مجتمعي لا كخدمة موازية، مع الاستثمار في البحث التربوي واستقلالية القرار واستدامة التمويل الأخلاقي.

في المقابل، فإن التقاعس عن هذه الخطوات يفتح سيناريوهات مقلقة:

  1. التحول التدريجي للتربية الشعبية إلى نشاط تقني منزوع الروح

  2. فقدان المصداقية التاريخية أمام الأجيال الجديدة

  3. الارتهان الكامل لأجندات الممولين التي تُفرغ الفعل التربوي من بعده التحرري، وصولًا إلى سيناريو أكثر خطورة يتمثل في اندثار التربية الشعبية كقوة تغيير، وبقائها فقط كذكرى تنظيمية أو شعار تراثي

إن المفاضلة هنا ليست بين النجاح والفشل، بل في القدرة على تجديد المشروع.

في الأخير، نؤكد أن الدفاع عن التربية الشعبية اليوم ليس استدعاء رومانسيا للماضي أو تمجيدًا لأسماء الرواد، بل هو رهان على الحاضر والمستقبل، وعلى مدى قدرة المنظمات التربوية التاريخية الشعبية على استعادة دورها كرافعة للوعي والتحرر.

فقد أثبتت التجارب التاريخية أن المجتمعات التي لا تُراكم وعيًا نقديًا لدى أجيالها، تُراكم في المقابل أشكالًا جديدة من الهشاشة والاغتراب والتبعية.

ويذكّرنا فكر باولو فريري بأن التربية، في جوهرها، ليست إعدادًا للامتثال، بل تكوينًا للحرية، وبأن الفعل التربوي إما أن يكون فعل تحرير أو أداة ترويض.


المراجع:

  • Freire, P. Pédagogie des opprimés. Paris: La Découverte.

  • Freire, P. Pédagogie de l’autonomie. Paris: Érès.

  • Lenoir, H. L’éducation populaire : une histoire politique. Paris: La Découverte.

  • Bourdieu, P. & Passeron, J.-C. La reproduction. Paris: Minuit.

  • Ben Barka, M. نصوص ومحاضرات حول التعليم والتنمية.

  • Ardoino, J. Éducation et politique.