عبد الواحد غيات: المغرب.. المهندس الأطلسي الذي يعيد رسم خريطة النفوذ البحري في أفريقيا

عبد الواحد غيات: المغرب.. المهندس الأطلسي الذي يعيد رسم خريطة النفوذ البحري في أفريقيا عبد الواحد غيات

ملخص:

المغرب، مهندس مركزية أطلسية جديدة

في خضم أزمات نظامية تعيد تعريف طرق التجارة العالمية، تشهد المملكة المغربية تحولاً استراتيجياً غير مسبوق، حيث تنتقل من هوية ساحلية إلى قوة بحرية عالمية. بدافع من الرؤية الملكية، تنشر البلاد سياسة بحرية حقيقية تجعل من المساحة الأطلسية محورًا جيوسياسيًا جديدًا للتدفقات، يتمحور حول الطموح المزدوج للعملاق طنجة المتوسط في الشمال ومركز الداخلة الأطلسي المستقبلي في الجنوب. من خلال هذه” القوة الصلبة للبنية التحتية “، يتجاوز المغرب مجرد إدارة الموانئ ليؤسس لغة سياسية قائمة على الترابط والتضامن الإقليمي - كما يتضح من مبادرة المحيط الأطلسي للساحل وخط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب - بينما يؤكد، من ثورة” الموانئ الذكية “إلى” التزويد بالوقود الأخضر“، دوره كمنظم لا غنى عنه لمحور جنوب-جنوب متجدد. من خلال تحويل جغرافيته إلى مصير محتوم، أصبحت المملكة الآن مهندس نظام بحري جديد، تنسق ازدهارًا مشتركًا لخدمة تأمين سلاسل القيمة العالمية.

1- السياسة البحرية المغربية: من الشاطئ إلى القوة

يتميز المسار الجيوستراتيجي للمغرب المعاصر بحدوث تحول جوهري: الانتقال من هوية تاريخية موجهة نحو البحر الأبيض المتوسط إلى طموحات أطلسية وأفريقية بحتة. هذا التحول، الذي لا يعد مجرد تعديل تكتيكي، يمثل إعادة صياغة عميقة لعقيدة الدولة وتصورها لسيادتها ودورها الإقليمي. إنها” سياسة بحرية “حقيقية - سياسة البحر التي تعتبر المحرك الرئيسي للقوة الوطنية والنفوذ الدبلوماسي.

أوضح وأدق تعبير عن هذه الرؤية جاء على لسان جلالة الملك محمد السادس نفسه: في خطابه بمناسبة الذكرى الثامنة والأربعين للمسيرة الخضراء، حدد "العاهل المغربي" معالم هذه الانتماء الجغرافي المزدوج الذي تحول إلى ميزة استراتيجية:” إذا كان المغرب، بواجهته المتوسطية، راسخاً بقوة في أوروبا، فإن واجهته الأطلسية تفتح له باباً كاملاً على أفريقيا ونافذة على الفضاء الأمريكي“. هذا التصريح يتجاوز بكثير مجرد ملاحظة خرائطية. فهو يرفع المحيط الأطلسي من مجرد حدود بحرية إلى منصة متعددة الاتجاهات، ومحور جغرافي اقتصادي يربط بين ثلاث قارات. والقناعة الكامنة وراء ذلك هي أن مستقبل النمو الأفريقي، المدعوم بدينامية ديموغرافية وإمكانات اقتصادية هائلة، سوف يتحدد إلى حد كبير على ساحله الغربي، على طول هذا” المحيط الأطلسي الجنوبي “الذي طالما تم تجاهله.

لتحقيق هذه الرؤية، شرع المغرب في إجراء تحول مادي واقتصادي لساحله الأطلسي. تم تصميم مراكز صناعية ولوجستية رائدة، مثل طنجة المتوسط (التي تعد بالفعل عملاقًا متوسطيًا يمتد نفوذه إلى المحيط الأطلسي) وميناء الداخلة العميق المستقبلي، لتكون محركات لمنطقة ازدهار مشترك. والهدف هو إنشاء ممر تنموي مستمر، و” عمود فقري “اقتصادي يمتد من مضيق جبل طارق، بوابة البحر الأبيض المتوسط، إلى خليج غينيا. وتهدف هذه البنية التحتية إلى جذب الاستثمارات، ودمج سلاسل القيمة الإقليمية، ووضع المغرب ليس كطرف، بل كمركز عصبي لهذا الفضاء الأطلسي الأفريقي الجديد.

إن الجانب الجيوسياسي الأكثر ابتكاراً في هذه الاستراتيجية هو بلا شك مبادرة المحيط الأطلسي لدول الساحل (التي تستهدف مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد). تعكس هذه المبادرة الرؤية الملكية في شكل أعمال تضامن استراتيجي. من خلال إتاحة الوصول إلى مرافقها المرفئية الحديثة وممراتها اللوجستية لهذه البلدان غير الساحلية، تتصدى المغرب لتحدي هيكلي كبير يعوق تنميتها: تكاليف لوجستية قد تزيد بنسبة 40٪ عن المتوسط العالمي. هذا العرض ليس مجرد لفتة دبلوماسية لطيفة؛ إنه اقتراح مربح للجميع يحول الساحل المغربي إلى مورد عام إقليمي. إنه يعزز التكامل القاري، ويستقر منطقة حاسمة من خلال تقليل هشاشتها الاقتصادية، ويوطد في المقابل قيادة المغرب ونفوذه في أفريقيا.

في الوقت نفسه، تتطلب هذه الطموحات الموجهة نحو المحيط سيطرة سيادية على المجال البحري. وقد شرع المغرب في تعزيز ترسانته القانونية وقدراته الرقابية فيما يتعلق بمنطقته الاقتصادية الخالصة. (ZEE) وهذه الخطوة، التي تضمن أمن الموارد السمكية والطاقية المحتملة في منطقة بحرية تزيد مساحتها عن 1,2 مليون كيلومتر مربع، هي الوجه الآخر للعملة نفسها. فهي تؤكد سيادة حقيقية ومعترف بها، وهي شرط أساسي للادعاء بدور المنظم والضامن للأمن في هذه المنطقة. وبالتالي، لم تعد المملكة تعتبر نفسها الطرف الجنوبي لأوروبا أو الطرف الشمالي لأفريقيا، بل تعتبر نفسها مهندس ومنظم لمركزية أطلسية جديدة، حيث تقاس قوتها بقدرتها على الربط والأمن والازدهار.

2- دبلوماسية الموانئ: البنية التحتية كلغة سياسية

في قواعد العلاقات الدولية المعاصرة، حيث تتعايش القوة الناعمة الثقافية والقوة الصلبة العسكرية، نجح المغرب في إدخال نموذج جديد:” القوة الصلبة للبنية التحتية “. وتستند” دبلوماسية الموانئ “، التي تشكل حجر الزاوية في هذا النهج، إلى فرضية أساسية مفادها أن الرصيف ليس مجرد واجهة لوجستية، بل هو أول نقطة اتصال سيادية لأمة ما مع العالم، والمكان الذي تتحول فيه الجغرافيا إلى جيوسياسة وتصبح البضائع رسالة. وبذلك يتجاوز المغرب منطق التنمية الوطنية المعزولة لبناء بنى تحتية تضعه في موقع الضامن اللوجستي للاستقرار الإقليمي. تستخدم هذه الدبلوماسية المؤثرة التميز التشغيلي والموثوقية التكنولوجية كلغة عالمية، أكثر واقعية من الخطب، لترسيخ تحالفات دائمة وغير متكافئة.

إن نتائج هذه الاستراتيجية ملموسة، وهي تضع المملكة اليوم ضمن الدائرة الضيقة للقوى البحرية العالمية. فوفقاً لأحدث تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية والبنك الدولي، عزز المغرب مكانته الاستثنائية من خلال الحفاظ على موقعه بشكل مستدام ضمن قائمة العشرين الأوائل عالمياً في مجال الربط البحري. هذا الأداء، الذي يعد فريداً من نوعه في القارة الإفريقية، يتجاوز كونه مجرد مؤشر اقتصادي ليصبح رافعة حقيقية للسيادة الدبلوماسية؛ فهو يمنح البلاد الشرعية اللازمة للحوار على قدم المساواة مع المراكز البحرية التاريخية مثل هولندا، سنغافورة، أو إسبانيا. ويعد المجمع المينائي طنجة المتوسط، الركيزة الأساسية لهذا الصعود، حيث تجاوز آفاقاً تاريخية، وأصبح اليوم الميناء الأول في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا دون منازع، بمعالجة حجم رواج يتخطى 9 ملايين حاوية نمطية (EVP).  ومن خلال تحويل امتيازه الجغرافي إلى منصة لوجستية وصناعية ذات معايير عالمية، أثبت المغرب قدرته العالية على إدارة البنى التحتية الحيوية والمعقدة، مما جعل من واجهته البحرية المحرك الأساسي لنفوذه الدولي.

يمنح هذا التحكم المطلق في التدفقات اللوجستية العالمية المغرب ميزة استراتيجية استثنائية: القدرة على اختيار وتحديد تحالفاته. في عالم ممزق بالتوترات الجيوسياسية وانقطاعات سلاسل التوريد، يجد مفهوم” الصداقة الجغرافية “(التنقل الاستراتيجي إلى دول حليفة ومستقرة) تجسيده المثالي في النموذج المغربي. تتموضع المملكة كملاذ آمن ومثالي للشركات الأوروبية والدولية التي تسعى إلى تنويع مصادر إمداداتها بعيدًا عن مناطق النزاع أو التوتر. ولا يهدف مجمع Nador West Med المستقبلي، المصمم ليكون التوأم الأطلسي لميناء طنجة المتوسط بقدرة مخططة تزيد على 3 ملايين حاوية، إلى زيادة الحمولة فحسب. بل إنه أداة تفاوض جيواقتصادية من الدرجة الأولى، تهدف إلى ترسيخ سلاسل القيمة الأوروبية بشكل أعمق وجذب استثمارات آسيوية وأمريكية جديدة تبحث عن الاستقرار.

إلى جانب القوة، فإن جوهر هذه الدبلوماسية المرفئية هو الموثوقية. في بيئة عالمية تتسم بعدم القدرة على التنبؤ، يبني المغرب سمعته على أساس القدرة على التنبؤ والأمن والكفاءة. من خلال ضمان الطريق البحري الأكثر أمانًا وسرعة ومرونة بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين، لا يكتفي المغرب بتقديم خدمة فحسب. بل يضع نفسه كشريك هيكلي في مرونة القارتين. لم تعد قيمته الاستراتيجية لأوروبا تقاس فقط بوقت العبور المختصر، بل بأمن إمدادات الطاقة والغذاء. بالنسبة لأفريقيا، أصبح الميناء عاملًا أساسيًا في تسهيل التجارة بين البلدان الأفريقية والتصدير إلى العالم. وهكذا، أصبح ميناء الحاويات منبرًا، والرافعة حجة، والممر اللوجستي معاهدة تحالف صامتة ولكنها قوية، قائمة على مصلحة متبادلة ملموسة ودائمة.

3- عصر” الميناء الذكي“: البيانات، الوقود الجديد للقوة

في القرن الحادي والعشرين، شهدت القوة البحرية تحولاً جذرياً. فهي لم تعد تقاس فقط بحجم البضائع المنقولة أو عدد الأرصفة، بل بقدرة الدولة على التحكم في تدفق المعلومات التي تحرك هذه المادة وتحليلها وتحسينها. وقد أدرك المغرب هذه المعادلة ببصيرة استراتيجية، وراهن على أن السيادة الرقمية أصبحت الآن جزءًا لا يتجزأ من السيادة اللوجستية. وبالتالي، فإن النشر الواسع النطاق لمفهوم” الميناء الذكي “يمثل دخول المملكة إلى عصر القوة الحسابية، حيث تصبح البيانات الرافعة الرئيسية للقدرة التنافسية والأمن والنفوذ.

إن أداء مجمع ميناء طنجة المتوسط هو دليل حي ومقيس على ذلك. في عام 2023، عالج المجمع أكثر من 8,6 مليون حاوية EVP (مكافئة لعشرين قدمًا)، مسجلاً نموًا مذهلاً بنسبة 13,4٪ مقارنة بالعام السابق. لا يعود هذا النمو السريع إلى تميز البنية التحتية المادية فحسب، بل إلى تطورها الرقمي المزدوج. في قلب هذا النظام البيئي يوجد PortNet، النافذة الإلكترونية الوطنية الموحدة. إنها أكثر من مجرد منصة إلكترونية، فهي بمثابة نظام عصبي مركزي يربط ويشبك أكثر من 50000 مستخدم (أصحاب السفن، وكلاء الشحن، الجمارك، شركات النقل). وقد أدى هذا الانفجار الإداري إلى تقليل مدة بقاء البضائع في منطقة الميناء بنحو 30٪ في خمس سنوات، مما حوّل توفير الوقت إلى ميزة تنافسية مطلقة.

تتجسد هذه الثورة الرقمية بشكل ملموس في التحسين الآلي للعمليات. في ميناء طنجة المتوسط، تتحكم خوارزميات الذكاء الاصطناعي الآن في تحركات الرافعات العملاقة بدقة متناهية، وتنسق رقصة معقدة بين السفن والرافعات والشاحنات دون أي توقف. في الوقت نفسه، تقوم أنظمة التنبؤ بتحليل البيانات الآنية لنظام التعرف الآلي للسفن والظروف الجوية وحالة حركة المرور في الميناء، وتوقع الوصول بفارق أقل من 15 دقيقة. تزيد هذه القدرة على التنبؤ من معدل إشغال الأرصفة لإزالة الاختناقات، مما يضمن سلاسة شبه مثالية.

الهدف النهائي لهذا التحول هو بناء” ثقة رقمية “كاملة، وهي أمر ضروري للتجارة العالمية عالية الدقة. وهنا يأتي دور تكامل تقنية blockchain. من خلال إنشاء سجل لامركزي وثابت وشفاف لكل حاوية - من تحميلها إلى تسليمها - يضمن المغرب إمكانية تتبعها بشكل لا يخطئ وأتمتة عمليات التحقق. تتوافق هذه البنية تمامًا مع معايير الأمان الصارمة مثل” مبادرة أمن الحاويات في الولايات المتحدة، مما يسمح بتسريع عملية المراقبة المسبقة للجمارك. بالنسبة للصناعات التي تعتبر فيها اللوجستيات علمًا دقيقًا، مثل صناعة السيارات (بإنتاج سنوي يقارب 700000 سيارة) وصناعة الطيران، فإن هذه الضمانة تعتبر حاسمة.

وبالتالي، فإن” الميناء الذكي “المغربي يتجاوز مجرد التحديث التكنولوجي. فهو يصبح نقطة جذب للاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية وأداة للسيادة الاقتصادية. من خلال توفير لوجستيات” دقيقة وتنبؤية وآمنة “، لا تكتفي المملكة بمجرد اتباع المعايير الدولية، بل تحددها لمنطقتها، مما يجعل موانئها ضامنة لموثوقية عالمية جديدة. إن البيانات، من خلال تسهيل التدفقات المادية، تعزز في نهاية المطاف تدفق رأس المال والثقة، مما يجعل الرقمية أساساً حقيقياً للقوة الجيواقتصادية للمغرب في القرن الحادي والعشرين.

4- طنجة المتوسط والداخلة الأطلسية: عمالقة اللوجستيات، ركيزة طموح ثنائي الرأس

لكي تكون السياسة البحرية المغربية فعالة، فإنها تحتاج إلى ركائز مادية ترقى إلى مستوى طموحاتها القارية والعالمية. اختار المملكة عدم الاعتماد على بنية تحتية واحدة، بل بناء نظام موانئ ثنائي ومتكامل، يتمحور حول عملاقين استراتيجيين: طنجة المتوسط، المتجهة نحو الشمال وسلاسل القيمة العالمية، والداخلة الأطلسية، المتجهة نحو الجنوب والانبعاث الأفريقي. تخلق هذه الثنائية سيطرة كاملة على التدفقات البحرية في القوس الأطلسي-المتوسطي، مما يجعل المغرب مفترق طرق لا غنى عنه.

طنجة المتوسط: الموطئ المتوسطي في العولمة.

في الطرف الشمالي للمملكة، طنجة المتوسط هي أكثر من مجرد ميناء فعال؛ إنها ظاهرة جيواقتصادية. في غضون بضع سنوات فقط، أصبح الميناء الأول للحاويات في منطقة البحر الأبيض المتوسط، متجاوزًا مراكز النقل التاريخية مثل بيرايوس (اليونان) أو فالنسيا (إسبانيا). هذه السيادة ليست من قبيل الصدفة، بل هي نتيجة لتصميم مدروس من أجل الاندماج المثالي في” سلسلة القيمة العالمية “. بسعة نهائية تبلغ حوالي 11.44 مليون حاوية، يطمح الميناء إلى جذب واستيعاب التدفقات الأكثر تطوراً. وهو يعمل كمغناطيس للصناعات (السيارات والطيران والإلكترونيات) المنظمة في أنظمة بيئية متصلة مباشرة بالأرصفة، مما يقلل إلى الحد الأدنى من التأخير والتكاليف اللوجستية. الرقم واضح: يولد المجمع أكثر من 170 مليار درهم من حجم الصادرات السنوية. لم يعد ميناء طنجة المتوسط مجرد أداة عبور؛ بل أصبح المحرك الرئيسي للناتج المحلي الإجمالي الصناعي الوطني، محولاً الموقع الجغرافي للمغرب إلى مركز اقتصادي حقيقي.

الداخلة أتلانتيك: رائدة جنوب المحيط الأطلسي الناشئة.

في أقصى الجنوب، يجسد مشروع الداخلة أتلانتيك البعد الثاني، التطلعي والأفريقي، للرؤية المغربية. باستثمار ضخم يقدر بأكثر من 12 مليار درهم، يعد هذا المشروع بمثابة إيمان بالمستقبل الاقتصادي لجنوب المحيط الأطلسي. تم تصميم هذا الميناء المستقبلي ذو المياه العميقة، المقترن بمنطقة صناعية متكاملة تبلغ مساحتها 1000 هكتار، لخلق تدفقات جديدة بدلاً من الاكتفاء باستقطاب التدفقات الحالية. والغرض منه هو أن يكون مركزاً لمنطقة من المتوقع أن تنمو فيها التجارة البحرية بنسبة 5% سنوياً بحلول عام 2030، مدفوعة باقتصادات غرب أفريقيا والتجارة بين بلدان الجنوب.

وتتمثل ميزته الاستراتيجية الجذرية في إعادة رسم خريطة الطرق البحرية. فمن خلال توفير ميناء توقف مثالي على الساحل الغربي لأفريقيا، يتيح الميناء "تجاوز" الطرق التقليدية التي كانت تجبر السفن على القيام برحلات طويلة. المكسب ملموس: توفير 4 إلى 5 أيام من الإبحار للسفن المتجهة إلى البرازيل أو الساحل الشرقي للولايات المتحدة من أفريقيا. هذا التوفير في الوقت، الذي يمكن تحويله مباشرة إلى خفض في التكاليف والانبعاثات، هو حجة حاسمة بالنسبة لأصحاب السفن في العالم.

التآزر الثنائي: قوة لوجستية كاملة

يشكل ميناء طنجة المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي معاً نظاماً متماسكاً. الأول يعزز ويؤمن مكانة المغرب في الشبكات الاقتصادية الناضجة في أوروبا وآسيا. أما الثاني فيفتح ويهيمن على الجبهة الرائدة للنمو الأطلسي والأفريقي. وبذلك تصبح الداخلة أكثر من مجرد ميناء: فهي نقطة التقاء مادية حيث تلتقي التدفقات عبر الأطلسي مع العمق الاستراتيجي للقارة الأفريقية. هذا الأساس المزدوج يسمح للمغرب بعدم وضع كل بيضه في سلة جيواقتصادية واحدة، وتنويع شراكاته، وتأكيد دوره كقوة لوجستية على طرفي ساحله، مما يضمن مرونته ونفوذه على المدى الطويل.

5- المغرب في مواجهة طرق الحرير والممرات الناشئة: مهندس مركزية نفسه

في ظل إعادة التشكيل الجيوسياسي والجيواقتصادي الكبير في القرن الحادي والعشرين، الذي يتسم بالتنافس بين القوى العظمى وتفكك سلاسل التوريد، يرفض المغرب أن يكون مجرد بيدق أو ممر سلبي. بل على العكس من ذلك، فإنه يلعب دور الاستقلالية الاستراتيجية من خلال إقامة نفسه كمهندس نشط لمركزية دوره. ويسمح له هذا الموقف بالاستفادة من نقاط الضعف في الطرق التقليدية والاستفادة من الممرات الجديدة الناشئة، وتحويل أزمات الآخرين إلى فرص من الدرجة الأولى لتعزيز موقعه.

أزمة البحر الأحمر: تحولت حالة طارئة إلى ميزة هيكلية

تعد حالة عدم الاستقرار المزمنة في البحر الأحمر وخليج عدن مثالاً واضحاً على هذه المرونة الاستراتيجية. في حين أن حوالي 12٪ من التجارة العالمية تمر عادة عبر هذا الممر الحيوي المؤدي إلى قناة السويس، فإن المخاطر الأمنية تدفع المزيد من مالكي السفن إلى اختيار الطريق الطويل ولكن الآمن عبر رأس الرجاء الصالح. هذا الالتفاف الذي يبلغ طوله حوالي 6000 كيلومتر يغير الجغرافيا الاقتصادية العالمية للنقل البحري. في هذه المعادلة الجديدة، تزداد القيمة الاستراتيجية للمغرب عشرة أضعاف: موانئه، ولا سيما ميناء طنجة المتوسط، تصبح المحطة العالمية الأكثر شمالاً والأفضل تجهيزاً على طريق الالتفاف حول أفريقيا. لم يعد خياراً من بين خيارات أخرى، بل أصبح ضرورة لوجستية لإعادة التزويد والإصلاحات وتحسين دورات السفن المشاركة في هذه الرحلة الطويلة. تعزز هذه الحالة الطارئة بشكل دائم مكانته كمركز لا غنى عنه، مما يدل على مرونة نموذجه في مواجهة الصدمات العالمية.

خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب: من البنية التحتية للطاقة إلى العمود الفقري الجيوسياسي

إلى جانب الاستجابة للأزمات، يعمل المغرب بنشاط على بناء مستقبله من خلال مشاريع هيكلية على نطاق القارة. ويعد خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب المشروع الرائد في هذا المجال. فهذا المشروع الضخم، الذي يتجاوز مجرد كونه خط أنابيب، مصمم ليكون العمود الفقري الاقتصادي والسياسي على طول الساحل الأطلسي لأفريقيا. ويتجاوز تأثيره بكثير نقل 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً كما هو مقرر. فمن خلال ربط 13 بلداً واستفادة أكثر من 400 مليون نسمة، يخلق هذا المشروع مجتمعاً مشتركاً للطاقة والاقتصاد، مع المغرب كنقطة محورية وميسرة.

ويعد التآزر مع استراتيجية الموانئ أمراً حاسماً في هذا الصدد. من خلال ربط هذا الممر الغازي ببنى تحتية مرفئية عالمية المستوى (مثل ميناء الداخلة الأطلسي المستقبلي)، يقوم المغرب بدمج استراتيجي بين تدفقات الطاقة وتدفقات البضائع. وبذلك يتحول إلى منصة طاقة متكاملة، قادرة ليس فقط على نقل الغاز، بل أيضاً على تسييله (غاز طبيعي مسال) وتصديره. ويستجيب هذا الموقف بدقة متناهية للحاجة الماسة لأوروبا إلى تنويع وأمن إمداداتها من الطاقة بعيداً عن الاعتماد على روسيا. وتتحول المملكة من مجرد مستهلك هامشي إلى وسيط وضامن لأمن الطاقة في القارة.

خلاصة: من قناة مرور إلى مفترق طرق منظم.

في مواجهة تقلبات الممرات الاستراتيجية (قناتا السويس وبنما المعرضتان للانسداد)، لا يكتفي المغرب بالاستفادة من الطرق الالتفافية، بل يعمل على وضع بديل هيكلي. من خلال الجمع بين مرونة موانئه في مواجهة الأزمات والبناء الاستباقي لممر طاقة قاري، يؤكد المغرب دوره كمنظم للتدفقات على نطاق قاري. لم يعد يتأثر بالجغرافيا؛ بل يهيئها وينظمها ليوفر لشركائه الأوروبيين والأفريقيين ما ينقصهم أكثر: القدرة على التنبؤ والأمن والانسيابية في عالم يعاني من الاضطرابات. وبذلك، يتجاوز دور الوسيط ليتولى دور مهندس استقرار جديد في المحيط الأطلسي.

6- دبلوماسية الاستدامة:” التزويد بالوقود الأخضر “كحدود استراتيجية جديدة

يعتمد مسار القوة البحرية للمغرب في القرن الحادي والعشرين على ملاحظة استراتيجية واضحة: لا يمكن فصل السيادة اللوجستية عن السيادة في مجال الطاقة الخضراء. في قطاع النقل البحري العالمي، المسؤول عما يقرب من 3٪ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية والخاضع لضغوط تنظيمية متزايدة، يجب أن تقترن التميز التشغيلي الآن بالتميز البيئي. من خلال ريادته في مجال” التزويد بالوقود الأخضر، لا تستجيب المملكة لمطلب بيئي فحسب، بل إنها تستبق وتشكل سوق الطاقة في المستقبل، وتحوّل الانتقال الأخضر إلى رافعة رئيسية للتأثير والقدرة التنافسية الاقتصادية.

يندرج هذا الطموح في إطار رؤية صناعية أوسع نطاقاً، تتجسد في الاستراتيجية الوطنية” العرض المغربي “للهيدروجين الأخضر ومشتقاته. ويهدف البلد، الذي يتمتع بإمكانات استثنائية في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى أن يصبح مركزاً لإنتاج الأمونيا الخضراء. ويمثل الأمونيا، الذي تعتبره الصناعة البحرية أحد وقودات المستقبل للسفن عديمة الانبعاثات، مفتاحًا للاستحواذ على حصة كبيرة من سوق التزويد بالوقود الأخضر الذي تقدر قيمته بعشرات المليارات من الدولارات بحلول عام 2040. وكما تشير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، يتمتع المغرب بواحد من أكثر تكاليف إنتاج الهيدروجين الأخضر تنافسية في العالم، وهو ما يمثل ميزة حاسمة للفوز في هذا السباق التكنولوجي والصناعي العالمي.

تتجاوز دبلوماسية الاستدامة هذه إطار إنتاج الطاقة وحده. فهي تتجسد في تحول ملموس في البنى التحتية للموانئ نفسها، التي صممت لتكون أنظمة بيئية خالية من الكربون. وهكذا، تزود الموانئ المغربية تدريجياً بأنظمة OPS) – أي إمدادات الطاقة الكهربائية على الرصيف. تسمح هذه التكنولوجيا للسفن المتوقفة في الميناء بإيقاف محركاتها المساعدة من نوع الديزل، شديدة التلوث، لتتصل مباشرة بالشبكة الكهربائية الوطنية، التي يتم تزويدها بشكل متزايد بمصادر الطاقة المتجددة. هذه التدابير البسيطة والفعالة تقضي على انبعاثات الجسيمات الدقيقة والغازات الدفيئة في المدن الساحلية، مما يحسن جودة الهواء والصحة العامة، مع الحد من التلوث الضوضائي.

من خلال دمج هذه المعلمات من البداية إلى النهاية – من إنتاج الوقود الأخضر إلى إزالة الكربون من محطات التوقف – يقوم المغرب بقفزة نوعية استراتيجية. فهو لم يعد يقتصر على توفير رصيف فعال ومتصل، بل يقدم لأصحاب السفن” حلًا متكاملًا وجاهزًا “لإزالة الكربون. يصبح هذا العرض حاسمًا في وقت يخضع فيه القطاع البحري لآليات ملزمة مثل ضريبة الكربون في الاتحاد الأوروبي ومعايير المنظمة البحرية الدولية.  باختيار الموانئ المغربية، لا تكتفي الشركات بتحسين تكاليفها اللوجستية فحسب؛ بل إنها تقلل من بصمتها الكربونية التنظيمية وتحسن ملفها البيئي، وهو عامل أصبح حاسماً في الحصول على التمويل وصورة العلامة التجارية.

وبالتالي، تصبح الاستدامة حاجزاً متطوراً أمام الدخول وأداة رائعة للتمييز. من خلال تحويل موانئه إلى منصات خضراء، لا يضع المغرب نفسه في موقف المتابع للمعايير الدولية، بل في موقف المبدع للقيمة البيئية. إنه يجذب أصحاب السفن الأكثر ابتكارًا وسلاسل التوريد الأكثر طلبًا، مما يعزز مكانته كمركز رئيسي ويساهم في إعادة كتابة قواعد التجارة البحرية العالمية نحو مزيد من المرونة والمسؤولية. وهكذا، تتحول القوة الزرقاء إلى اللون الأخضر بشكل حازم، مما يضمن ملاءمة وريادة النموذج المغربي في الاقتصاد البحري في المستقبل.

الخلاصة: مهندس نظام بحري جديد

يكشف تحليل المسار الاستراتيجي للمغرب عن جوهر ثابت وأساسي: المملكة لا تتعرض بشكل سلبي لتقلبات الجغرافيا السياسية الجديدة للتدفقات العالمية؛ بل إنها توجه تياراتها بنشاط وتصمم تقاطعاتها. من خلال تحقيق توليفة قوية بين البنى التحتية المتطورة (طنجة ميد، الداخلة أتلانتيك)، والسيادة التكنولوجية (الموانئ الذكية، بورتنت)، والدبلوماسية المؤثرة والجريئة (مبادرة الأطلسي، التزويد بالوقود الأخضر)، تجاوز المغرب دوره التاريخي كدولة هامشية ليصبح دولة محورية لا غنى عنها. هذا الموقع لم يُرث، بل بُني، مما جعل الجغرافيا مصيراً مقبولاً ومُعاد اختراعه.

أهم محور في هذا التجديد هو التغيير الجذري في النظرة إلى المحيط الأطلسي. بالنسبة للمغرب، لم يعد المحيط الأطلسي مجرد واجهة أو حاجز طبيعي، بل أصبح جسراً متعدد الأبعاد ومركز ثقل لمحور جنوب-جنوب متجدد. من خلال ربط أوروبا بأفريقيا بشكل منهجي، وأفريقيا بالأمريكيتين عبر منصاتها اللوجستية والطاقية، يضفي المملكة مضموناً ملموساً على التعددية القطبية. وهي تثبت أن المراكز الجديدة لا تنشأ فقط من علاقات القوة التقليدية، بل أيضاً من القدرة على توفير الاتصال والأمن والاستدامة لعالم يبحث عن المرونة.

في هذا المشهد المتغير، يقدم المغرب للعالم قواعد جديدة للقوة في القرن الحادي والعشرين. لا تكمن قوته في الإكراه، بل في كونه لا غنى عنه. لقد وضع نفسه كشريك لا غنى عنه: لأمن سلاسل الإمداد الأوروبية، وللوصول إلى النمو الأفريقي، ولإزالة الكربون من النقل البحري، ولتحقيق الاستقرار في منطقة الساحل الأطلسي الحيوية. هذه القوة هي قوة الميسر الاستراتيجي، والمبتكر المستدام، والضامن للانسيابية.

وبالتالي، فإن” النظام البحري الجديد “الذي يظهر بقيادة المغرب ليس نظامًا للهيمنة، بل نظامًا بيئيًا للترابط المنظم والمتبادل المنفعة. من خلال جعل نفسه لا غنى عنه لتوازن التجارة العالمية في المستقبل، لم يضمن المغرب ازدهاره فحسب؛ بل كرس سيادته على المدى الطويل ليصبح أحد الركائز النشطة للاستقرار والازدهار المشترك على نطاق قارته وما وراءها. تظهر السياسة البحرية المغربية في النهاية كنموذج: نموذج قوة متوسطة الحجم تمكنت، بفضل وضوح رؤيتها واتساق أفعالها، من تشكيل قواعد اللعبة على الصعيد العالمي.

 

يتبع.....