المشهد الأول
منذ أسابيع، يداوم رشيد، وهو مستخدم بإحدى الشركات، على التردد على شركة التأمين التي تؤمن سيارته، في انتظار استخلاص شيك التعويض لإصلاحها بعد تعرضه لحادثة سير. ورغم استكماله لجميع الإجراءات المطلوبة، ما يزال، إلى حدود كتابة هذه السطور، ينتظر دون جواب واضح. سيارة رشيد، التي كانت وسيلته الأساسية للتنقل إلى عمله وقضاء حاجياته اليومية، ما تزال مركونة بسبب العطب، فيما وجد نفسه مضطراً للتنقل يومياً عبر الحافلات والترامواي، بتكلفة زمنية ومادية إضافية وإرهاق مستمر.
المشهد الثاني
في غرفة انتظار بأحد المستشفيات ، يجلس مريض مصاب بمرض مزمن مترقباً دوره لتلقي العلاج. انتظاره لا يرتبط بنقص الدواء أو غياب الطبيب، بل لأن ملف تعويضه الصحي لدى شركة التأمين ما يزال عالقاً، ما يحرمه من متابعة علاجه في وقته، ويضاعف قلقه الصحي والنفسي.
هذه المشاهد ليست استثناءات، بل هي قصص تتكرر يومياً مع مؤمنين وجدوا أنفسهم، في لحظة ضعف صحي أو حادث مفاجئ، أمام تأخير غير مفهوم في صرف التعويضات في الآجال القريبة من طرف شركات التأمين يُفترض أنها وُجدت أساساً لحمايتهم في مثل هذه الظروف.
فالتأمين، في جوهره، عقد يقوم على تقاسم المخاطر وتخفيف الأعباء عن الأفراد عند وقوع الحوادث أو الأمراض. غير أن عدداً من المؤمن لهم يؤكدون أن هذا الدور يتحول أحياناً إلى مصدر قلق إضافي، حين تتأخر شركات التأمين في أداء مستحقاتهم، خاصة في ملفات حوادث السير والعلاجات الطبية، بما يضاعف معاناتهم المادية والنفسية.
وتشير المعطيات إلى أن شركات التأمين ملزمة بأداء التعويضات داخل آجال معقولة ومحددة، بما يسمح للمؤمن لهم بمواجهة التكاليف الاستعجالية للعلاج أو إصلاح الأضرار. غير أن الواقع يكشف، في عدد من الحالات، عن "تجرجير" طويل وليروقراطية معقدة وتأويلات مختلفة لبنود العقود، تجعل بعض الملفات تراوح مكانها لأسابيع، وأحياناً لأشهر.
ورغم تعدد الأسباب التي تُساق لتبرير هذا التأخير، من قبيل نقص الوثائق أو تعقيد بعض الحالات أو التنسيق بين شركات متعددة أو قلة الموارد البشرية، فإن النتائج تبقى واحدة بالنسبة للمؤمن لهم: علاج مؤجل، ديون متراكمة، وضغط نفسي متزايد، خاصة لدى المصابين بأمراض مزمنة أو ذوي الدخل المحدود.
في هذا السياق، أكد شتور علي، رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك وعضو الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، أن جمعيته توصلت بعدد متنامٍ من الشكايات المرتبطة بتأخر صرف التعويضات، مشيراً إلى أن بعض الحالات أفضت إلى أضرار صحية حقيقية بسبب عدم القدرة على اقتناء الأدوية أو مواصلة العلاج في وقته.
وأضاف شتور، أن هذا الوضع يتنافى مع الغاية الأساسية من التأمين، المبنية على الحماية وضمان الاستقرار، مذكّراً بأن العقد شريعة المتعاقدين، وأن التأخير غير المبرر قد يرتب مسؤولية قانونية إذا نتج عنه ضرر ثابت.
ويمنح القانون المغربي المتضررين الحق في اللجوء إلى القضاء عند التأخير غير المبرر، غير أن هذا الخيار، حسب عدد من المتضررين، يبقى شاقاً ويتطلب وقتاً وإمكانيات إضافية، في وقت يكون فيه المؤمن له في أمسّ الحاجة إلى حل سريع.
وفي انتظار معالجة جذرية لهذه الإشكالات، ينصح مختصون المؤمن لهم، بالحرص على استكمال ملفاتهم في أقرب الآجال، والاحتفاظ بجميع الوثائق، والمتابعة المنتظمة لملفاتهم، مع عدم التردد في الاستعانة بجمعيات حماية المستهلك طلباً للتوجيه والمؤازرة.
ويبقى الرهان الأساسي، حسب فاعلين في المجال، هو إعادة الاعتبار للبعد الإنساني في علاقة شركات التأمين بمؤمنيها، عبر تدخل الدولة لفرض احترام الآجال القانونية، وتبسيط المساطر، والتعامل مع ملفات المرض والحوادث بروح المسؤولية والتضامن، حفاظاً على الثقة، وصوناً لحق أساسي في الصحة والكرام.